الفصل السادس من رواية فتنة كارنيليان
أنور الخطيب
وضع المراسل حسنين فنجان النسكافيه على مكتب زاهر بمودة، كما لو أن زاهر ضيفه، تباطأ بالخروج، ثم سأل عن سن اليأس. لم يكن دماغ زاهر قد استيقظ بالكامل، عمر حسنين وحيويته ووسامته جعلت السؤال ينشط دماغه، قال له : لا أظنك تقصد نفسك..
حسنين: والله يا أستاذ لا أدري، أشعر أن الحياة باردة، لا حركة فيها، لا تجديد، حتى زوجتي، بت لا أميل إليها كثيرا..
حسنين يتحدث أحيانا بصراحة عن خصوصياته، قال له زاهر مبتسما: أنت تتحدث في موضوع آخر، لا علاقة له بسن اليأس، أنت تعرف أن سن اليأس بالنسبة للمرأة مرتبط بانقطاع الدورة الشهرية، وبالنسبة للرجل، تراجع الرغبة الجنسية، والمرأة لا تتوقف عن الشعور بالرغبة الجنسية حتى بعد انقطاع الدورة، وكذلك الرجل، قد يبقى يمارس حياته الجنسية بانتظام، وإن بشكل أقل حتى سن السبعين أحيانا ..
حسنين: الحياة هنا مملة، عندنا في مصر الوضع مختلف، هناك حياة، أحدهم يتزوج، الآخر يموت، هناك مشاجرات، أصوات بائعين، أصدقاء، أقارب، نفسك مفتوحة للحياة، يعني أنا حصلت على زيادة في راتبي، لم أفرح كثيرا ..
أدرك زاهر أن حسنين يريد أن يفرغ حالة من الضيق أو الملل، ومن جهة ثانية، حسنين شاب متعلم، يختلف عن ( المراسلين ) الهنود أو الباكستانيين، مجرد حواره مع زاهر يعيد إليه شيئا من توازنه النفسي، ولهذا، يحدثه باهتمام، لكن زاهر فوجئ حين ذكر الموت والزواج والمشاجرات، كعلامات لحيوية الحياة..
زاهر: طبعا كل مكان له إيقاع معين في الحياة، أنت هنا بعيد عن بلدك، تزوجت بطريقة تقليدية، لم تكن تعرف زوجتك من قبل..
حسنين: كيف عرفت ؟
زاهر: أنت من أخبرني يا حسنين، نسيت ؟
حسنين: لم أنس يا أستاذ، أخشى بأنني أعيق عملك ..
زاهر: لا يا عزيزي، نحن زملاء، تفضل اجلس ..
ممنوع على ( الفراشين) الجلوس في مكاتب الموظفين، ظل حسنين واقفا، تحدث عن البرودة التي تصيب الحياة الزوجية بعد مرور سنوات، وهو يريد أن يحيا الحب ..
حسنين: أنا إنسان رومانسي، يعني عاطفي، وأحب أشعر بالحب، أرفض أن أكون مجرد زوج عادي، زوجتي تقليدية، وخجولة، وغير مبادرة ..
زاهر: حاول أن تغير أسلوبك، أخرجا إلى أماكن مختلفة، حاول أن تتحدث إليها يا حسنين، غازلها يا أخي، لا شك أنها ستستجيب وتتغير حياتك ولو قليلا ..
حسنين: والله حاولت، ولكنها لم تفهمني ..
انسحب حسنين فجأة كعادته، كرر سؤاله المعتاد: هل أحضر لك شيئا آخر، شاي، عصير، قهوة..؟
شكره زاهر، عاد لقراءة الصحيفة على (الإنترنت)، أخبار القتلى في العراق تتصدر العناوين، الحكومة الإسرائيلية تنفي قصفها لشاطئ غزة، ترفض مسؤوليتها عن قتل عائلة لم يتبق منها سوى طفلة في العاشرة وأمها، الصفحة الثقافية تتحدث عن مزاد حول لوحات تشكيلية، حفظ زاهر بعض الأخبار المحلية في سياق عمله اليومي، تذكر أن يكتب تقريرا عن عدم وجود حراس في الحدائق العامة.
الساعة التاسعة، كاترين أطلت من بين أخبار التفجيرات والقتل مبتسمة، رغم ذلك، لمعت صورتها في ذهنه، وهي تغادره متجهة إلى شقة صديقتها جين، أحب ابتسامتها، رغبتها في البقاء، شكلها وهي نائمة على الأريكة، الروب الذي انحسر عن ساقها الرشيق، ثديها الأيسر، شعر برغبة صباحية نحوها، تذكر: ماذا لو جلس على الأرض وألقى رأسه على ثديها! لم تعجبه التخيلات والرغبات، عاد إلى قراءة صحيفة أخرى باللغة الإنجليزية، زاهر لم يخبر كاترين أين يعمل على وجه الدقة، وعن طبيعة عمله بالتفصيل.
كان يحدق في الجريدة الإلكترونية دون أن يرى خبرا واحدا، طغى حضور كاترين، كأنها تسللت إليه عبر ذبذبات بطيئة مترددة، سرح نظره نحو البحر، مكتبه يطل على ممر مائي هادئ، ينتهي بيابسة ليتمدد البحر ثانية، أمامه مجموعة متنوعة من الطيور وأشجار النخيل، العصافير تأتي يوميا تحط على نافذته، يبتسم لها، ويعود إلى عمله. هاتفه رن فجأة، كاترين، استيقظت تلك الانجليزية، ذات الشفتين المكتنزتين قليلا، المسحورة بالعقيق اليماني ...
- أراك استيقظت باكرا يا كاترين ..
- منذ ربع ساعة وأنا أهم بالاتصال، كيف حالك ..
- مررت بخاطري قبل دقائق، كيف قضيت ليلتك؟
- لم تكن سيئة، لكنني لم أنم جيدا، شعرت بالوحدة، نهضت على جلبة جين وهي تستعد للذهاب إلى عملها، قالت بأنه ينتهي في الخامسة عصرا، لو كنت على علم بساعات عملها، أو أنها لن تأخذ إجازة لأجلي لما حضرت ..
- هوني عليك، أنا أنتهي من عملي في الساعة الثالثة، إن أردت ...
- لا يا زاهر، أفضل أن أراك في المساء، أين سنذهب، هل فكرت ؟
- لم أفكر، الأماكن كثيرة، على كل حال هنالك مكان في مركز المارينا، يطل على البحر، وتظهر منه مدينة أبو ظبي بشكل رائع، يقدم العصائر والوجبات والمشروبات الساخنة، ما رأيك ؟
- موافقة، ولكن لا أعرف رأي جين، هل ( ستستمتع ) في هذا المكان أم لا ، هل سيصحبك أحد أصدقائك؟
- لدي معارف كثيرة ومن عدة جنسيات ..
- ما رأيك لو تدعو شابا من البلد ..
- تعنين شابا إماراتيا !!
- نعم، ما رأيك ؟
- سنلتقي في الساعة الثامنة، هل هذا مناسب؟
- بالتأكيد، سأرى رأي جين، وسأسألها بالنسبة للشاب الآخر ..
- هنالك محلات عديدة تحت البناية، يمكنك قضاء وقتك حتى تعود جين ..
- لدي عمل سأقوم به، بعض الكتابات، ثم سأقرأ الصحف على الإنترنت، وأشياء أخرى، هل لديكم صحف تصدر بالإنجليزية، أظن أن (جين) أخبرتني بذلك..
- بالطبع، لدينا ثلاث صحف يومية، ومجلات عديدة، اللغة الإنجليزية هي اللغة الثانية يا عزيزتي، من لا يعرف الإنجليزية يصعب عليه إيجاد وظيفة في القطاع الخاص.. وتعتبر ميزة لمن يرغب في العمل في المؤسسات الحكومية..
- إلى هذا الحد؟
- ألم تخبرك جين بأن لغة الدراسة هي اللغة الإنجليزية في الكلية التي تعمل فيها؟
- أعتقد أنها أخبرتني بذلك، وقالت لي بأن الطلاب والطالبات يتحدثون الإنجليزية بطلاقة، وأحيانا يجيدونها أكثر من لغتهم العربية.
- أحيانا، والتوجه الآن، لجعل اللغة الإنجليزية هي لغة التعليم العالي والعام.
- وهل هذا سهل على الطلبة ؟
- هناك صعوبات بالتأكيد، لكن الأمر لن يتم دفعة واحدة، بعض المدارس تخضع لتجارب، على كل حال سنتحدث في هذا الموضوع في المساء..
- هل أنت مشغول؟ هل أزعجتك أسئلتي ؟
- الموضوع يثيرني، ولدي تحفظات على ما يحدث، رغم عدم تأثير رأيي في مجريات الأمور إلا نادرا.
- ماذا تعني بـ نادرا ..
تدارك زاهر الأمر وأوضح لها: أعني أنه لا تأثير لي في صناعة القرار، والعشرات أمثالي.
- لماذا لم تقل المئات، الآلاف..
- لأنني أعني العاملين في الشأن الثقافي والأدبي والفكري، من يقرأون دان براون وأمين معلوف وماركيز ومحود درويش، وغيرهم ..
- من محمود درويش .. ؟
- وهل تعرفين أمين معلوف ..؟
- سمعت به، لكنني لم أسمع بمحمود .. محمود ماذا ؟!
- محمود درويش يا كاترين، هذا أعظم شاعر عربي ..
- هل هو فلسطيني .. ؟
- طبعا ..
- ولماذا طبعا ..
- لأن القضايا الكبيرة تنجب مبدعين كبارا، الثورة الصناعية أنجبت ووردز وويرث، زعيم الرومنسية المناوئة لمداخن المصانع، ومعه لورد بايرون وشيلي وكولردج ..
كاترين: أنت تذهلني بمعلوماتك ..
- العفو، كل الناس يعرفون هذه المعلومات، سأتركك الان، لدي بعض الأعمال التي سأقوم بها.
- هل أستطيع أن أسألك: ماذا تعمل على وجه الدقة ؟
ضحك زاهر: أراك مساء على وجه الدقة، سنتحدث في المساء، آسف ..
- لكننا لن نكون وحدنا في المساء ..
- سنكون وحدنا في لحظة ما، اعتني بنفسك ..
- طاب نهارك ...
شعر زاهر أنه أمام محقق من نوع آخر، أرهقته باسئلتها وفضولها، اعتقد أنه ليس فضول صحفية فحسب، إنه أبعد من ذلك بكثير. ثم فكر باختيارها لشاب إماراتي لحضور اللقاء، احتار مرة أخرى من محاولة التعرف (على وجه الدقة) على عمل زاهر، ودهشتها من ثقافته ومعلوماته، نصبت له فخا جنسيا أكثر من مرة، عبرت عن تململها من صديقتها التي قطعت مسافات طويلة لمقابلتها، أبدت رغبتها أن تكون وحيدة معه، كاترين ليست بريئة على الإطلاق، هذا ما كتبه زاهر على ورقة، تمهيدا لنقله إلى يومياته ..
دخل إلى مكتبه فجأة زميل عزيز، من أبو ظبي، يبدو أنه انتشله من تفكير ما ..
زاهر: حضرت في الوقت المناسب يا أحمد ..
أحمد: ماذا تعني، أراك مهموما..
زاهر: لا لست مهموما، أنت تعلم، لدي قدرة على إدارة أشد الأزمات، ألسنا نعمل بها طيلة الوقت..
أحمد: ما بك إذن؟
أحمد زميل زاهر المقرب، يعملان في نفس الإدارة، يخرجان سويا أحيانا في المساء، قرّب الورقة التي كتب عليها تلك الجمل من وجهه، ثم أبعدها شيئا فشيئا، قرأها أحمد: هل هي فقرة من رواية جديدة ؟
زاهر: يمكن أن تكون رواية، أو أزمة في حاجة إلى إدارة، أو مجرد عصف أفكار..
أحمد: اسمع يا زاهر، النهار في أوله، لا تدخلني في حيرة، نشرب القهوة أولا ..
اتصل زاهر بحسنين ليحضر القهوة العربية، وأخرى قهوة تركية، سأل حسنين فورا: قهوة أحمد، أليس كذلك، يعني بدون سكر ..
أحمد شاب متفتح، جريء، مثقف، يكتب الشعر بنوعيه، الفصيح والشعبي، يتحدث الإنجليزية، درس السياسة والاقتصاد في أمريكا.
أحمد أدرك أن في الأمر امرأة أجنبية، فقال لزاهر: أنت تعرفني، لا أحب النساء الأجنبيات، رغم دراستي في أمريكا ..
زاهر: وهذا هو المطلوب ..
أحمد: ومن كاترين هذه ؟
زاهر: لا علاقة لك بكاترين، أنت تهتم بـ جين ..
أحمد: هل تشرح لي دون ألغاز، عجزت عن الفهم ..
في تلك اللحظة دخل حسنين، التقط كلمة (عجزت)، فقال لأحمد: أنت أيضا تعاني من سن اليأس ؟ وغادر مع ابتسامة..
أحمد: ماذا يحدث اليوم، كله ألغاز، ماذا عن سن اليأس..
زاهر: كنا نتحدث في الصباح عن سن اليأس، حسنين يقصد الإحباط المؤقت، أو الملل، أو لنقل، الاشتياق إلى الوطن، اسمع يا أحمد، أريدك أن ترافقني في المساء، أنا وأنت، كاترين وجين.
أحمد: ما هذا، دفع رباعي .. !!
زاهر: لا أمزح بالتأكيد، ليس في الأمر إغواء، سأشرح لك في ما بعد، لأنني مللت من التفكير بالموضوع ..
زاهر لن يخبر أحمد بأن كاترين قضت الليل في منزله، سيحاول اختصار القصة بجلسة ذكية. غادر أحمد وهو يقول: أنت تثير فضولي دائما، لكنك اليوم فجرته، أراك في المساء.. ولكن قل لي، هل ( جين ) جميلة؟
واصل زاهر قراءة الصحف الورقية التي أحضرها الفراش الهندي كوتي وهما يتحدثان.
قراءة الصحيفة الورقية لها عبق خاص، رائحة الخبر، ملمس الورق، توزيع المقالات، الصور. تعلم زاهر من خبرته في قراءة الصحف، بأن الأخبار المهمة والخطيرة لا توضع في الصفحات الأولى، بل في صفحات داخلية، وبعضها يكون عبارة عن تسريب لمعلومة ما.
علاقة زاهر بقراءة الصحف بدأت منذ الصغر، والده كان يطلب منه شراء جريدة كلما ذهب إلى المدينة، كان زاهر يراقب والده وهو يقضي النهار بطوله في القراءة، كأنه يبحث عن خبر محدد، وحين لا يجده يرمي الصحيفة جانبا، أو يعيد تقليب صفحاتها، ما كان يبحث عنه الأب أكبر من كل العناوين، أكبر من شجرة التين التي يجلس في ظلها، من بيته الصغير المسقوف بالزينكو، أكبر من كل أحلامه.
أنهى زاهر العديد من المهمات المكتبية، رد على العديد من الاتصالات الهاتفية، أهمل أخرى، انتصف النهار، تناول سيجارة وأشعلها، مد نظره إلى البحر، لم ير الممر المائي هادئا، شعر أنه يتواصل بعنف مع اليابسة، تذكر أن عليه ممارسة التنفس وفق علم الريكي، الطاقة الكونية، قرأ عنه في كتاب منى نمور، أي أن يستنشق كل ما في الطبيعة من ضوء وخضرة وهواء، ليوزعها على صدره وأعضائه وشرايينه ومساماته وعينيه، أخذ نفسين عميقين بينما كان يضع كفيه تحت صرته، أحد مراكز الطاقة، وفي اللحظة التي بدأ يتوحد فيها بالضوء، ويستدعيه للدخول من جبهته، رن هاتفه المتحرك، لم يعره انتباها، واصل استقبال الطاقة الكونية، سكت رنين الهاتف ثم عاد فورا، سكت ثم عاد، أخذ نفسا عميق، فتح عينيه، نظر إلى شاشة هاتفه، ظهر اسم رمزي، حاول أن يتجنب أي حديث ممل في الصباح، أعاد رمزي الاتصال مرات عديدة، رن هاتفه الأرضي، ارتفع صوت التلفاز في غرفة المدير المجاورة، أحمد دخل مكتب زاهر بتوتر: إسرائيل تهاجم جنوب لبنان ..
غادر أحمد المكتب بسرعة، يعرف أن زاهر سيبدأ اتصالاته، اتصل رمزي من جديد: ألم تسمع الأخبار، بدأت الحرب في لبنان، اسرائيل تهاجم وتقصف في كل أنحاء الجنوب ..
زاهر: عرفت قبل قليل، هل من أخبار؟
رمزي: حزب الله أسر جنديين وقتل أربعة وجرح العشرات، وإلطائرات الإسرائيلية تدمر الجسور وتقطع الطرق وتقصف المدنيين عمدا.. زاهر، هل تعتقد بأنهم سيجتاحون الجنوب.. ؟
زاهر: لا أعتقد، على كل حال سأعود إليك..
ارتسمت عينا أمه أمامه، احتلت الممر المائي واليابسة ومساحة البحر والمدى والمكتب وكل ما تقع عليه عينا زاهر، اتصل بها، جاءه صوتها قويا متحفزا، قالت له: (لا تقلق يا ابني) وتساءلت، ولكن لماذا قصفوا جسر نهر الليطاني وكل الجسور التي تربط الجنوب ببقية لبنان، كأنهم سيحتلون الجنوب من جديد ؟!
زاهر: لا تخافي يا أمي، لن يتمكنوا من ذلك.
أم زاهر: لا أخاف يا بني، لا أخاف، مرت علينا أيام صعبة، وهذه من ضمنها..
زاهر: سأعاود الاتصال في المساء ..
لم يعمل زاهر شيئا بعد سماعه للأخبار، حاول أن يستمع إلى المزيد من خلال مذياع هاتفه المتحرك، لم يلتقط شيئا يذكر، سمح لنفسه بدخول غرفة المدير، شاهد بعض الأخبار، والصور العامة، عاد إلى مكتبه، أمه كانت تحتل كل المساحات.
( كتب زاهر في مذكراته غير اليومية في ما بعد .. )
( حين اجتاح الجيش الإسرائيلي جنوب لبنان، ووصل جنوده إلى بيروت في العام 1982، توحد لبنان بفلسطين، تمكنت أمي في ما بعد من زيارة بلدتها بعد ما يقرب من 40 عاما من الغياب، ذهبت لزيارة أخويها، وبيتها في قرية شعب في قضاء عكا، رافقها أخوها، قال لها وهو يتعكز على عصاة طويلة: ( تمالكي أعصابك يا أختي، البيت لا يزال هناك، ولكنه ليس هو، لأنكم لستم هناك..).
تجاوزت أمي وخالي عددا من البنايات الحديثة، ثم وجدت نفسها أمام فضاء مفتوح، بيتها في ذاكرتها متعدد الغرف، ساحة كبيرة أمامه، حمارة مربوطة في الخارج، شجرة تين أمام الدار، عصافير دوري تحضر أفواجا وتطير.
سألت أمي خالي: هل سنمشي أكثر؟
أجابها: ألم تميزي بيتك يا أختي !!
صعد الدم فجأة إلى رأس أمي، تسارعت خفقات قلبها، اقتربت دمعتها من مآقيها، تكونت غصة في أسفل حلقها، كأنها شاهدت بيتها ورفضت تصديق عينيها، وقالت: أين بيتنا؟ أجابها:( لا يوجد غيره أمامك .. ).
سقطت أمي مغشيا عليها، حملوها بعيدا عن الركام، استيقظت في بيت أخيها، استرجعت المشهد: سقف منهار على جدران بعضها منهار وبعضها مائل، غرف منكمشة، خراب يتسيد المكان، كأن زلزالا ضربه فجعله ركاما. قالت أمي بعد أن استعادت شيئا من أعصابها: (( لكن بيتنا كان أكبر بكثير، كأن البيت ينحني ظهره وينكمش عندما يكبر )) لم يجبها خالي.
استمعت لهذه القصة من أمي بدقة، كأنها أرادت أن تقول بأن البيوت تكبر أيضا، تنكمش ملامحها، تتجعد وتترهل، أمي لا تحب الكلام ولا التفاصيل، لكنها ذكرت كل شيء، ترى هل تخطط لزيارة أخيها مرة أخرى، لا أظن، ساقاها يعجزان عن حملها عشرة أمتار، فكيف ستسير مئات الأمتار لتجتاز الجدود.
أمي زارت بلدتها بعد احتلال الجيش الإسرائيلي جنوب لبنان، وسألت سؤالا مريبا، هل سيجتاحون الجنوب مرة أخرى؟ لا أعتقد بأن أمي تتمنى ذلك، أجزم بهذا، ولكن ، ألا توجد طريقة أخرى لعودة أمي إلى بلدتها، وزيارة أخيها الذي شارف على التسعين.. !!).
رن هاتف زاهر، أعلمته كاترين فرحة بأن (جين) وافقت على المكان والزمان والصديق..
- لماذا أنت فرحة إلى هذا الحد؟
- لأنني سأراك، لم أنت منزعج، صوتك متوتر ..
- شاهدي الأخبار ..
- لا يوجد تلفزيون في بيت (جين) .. ربما في غرفة نومها، وهي مقفلة بالمفتاح.. لماذا أقفلت غرفة نومها بالمفتاح ..؟
- هي صديقتك وأنت أعلم مني بها، ولكنك يمكنك قراءة الأخبار في أي صحيفة إلكترونية أو موقع اـ بي بي سي، أو سي إن إن، سأغادر مكتبي الآن ، أراك في الساعة الثامنة مساء ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق