الأربعاء، 16 يونيو 2010

الفصل الثالث من رواية فتنة كارنيليان

الفصل الثالث من رواية فتنة كارنيليان

استيقظت كاترين من نومها وهي تشعر بالبرد، معتقدة أنها في بيتها في لندن، لكنها سرعان ما اكتشفت أنها ليست في مدينة الضباب، فغرفتها تخلو في أي خارطة كبيرة لأي دولة، تذكرت أنها حضرت إلى بيت إنسان اسمه زاهر، نامت إلى جواره، استيقظت في غيابه، عرفت أنه لم يواصل نومه، اللحاف شبه مرتب، الوسادة منفوخة، مكثت في السرير مستمتعة بالبرد، بالخصوصية التي وفرها لها. كان الباب شبه مقفل، ذاك منحها إحساسا بأمان أكثر، بقيت في السرير حتى سمعت صوت رجل ينطلق من المسجد، اكتشفت أن الساعة تجاوزت الثانية عشرة والنصف تقريبا، حدثت نفسها بأن المسلمين يصلون عدة مرات في اليوم. غادرت السرير بهدوء، لملمت جسدها، سمعت نحنحة تخرج من مكبر صوت المسجد مرة ثانية، وصوت رجل يبدأ بالخطابة والحديث. خرجت من غرفة النوم، تجولت في المنزل، ظنت أن زاهر ذهب ليصلي، اقتربت من النافذة، رأت رجالا يجلسون في صفوف داخل وخارج المسجد، بحثت عنه دون جدوى، أحجام الناس تبدو من الطابق الخامس عشر صغيرة، كانوا يديرون لها ظهورهم، تمنت أن يكون زاهر داخل المسجد، ليتجنب الرطوبة والحر. قررت أن تستغل وجودها وحيدة في البيت، دخلت الحمام، خلعت ملابسها، تأملت جسدها وهي عارية بغرور، دخلت تحت الماء، استمتعت بقوة اندفاعه، على شعرها وكتفيها، تلذذت بصابونة وشامبو برائحة الورد، لم تشعر أنها على عجلة من أمرها، أعجبها الماء الذي لم يكن في حاجة إلى تسخين، استخدمت الفوطة البيضاء التي أحضرها لها ليلا، جففت شعرها، ارتدت روب الحمام الأخضر، رشت جسدها بعطر زاهر، لاحظت وجود عطر يميل لونه إلى اللون الوردي، رشت منه أيضا، منحها ذلك المزيج رائحة عشبية أنعشتها، شعرت أن زاهر يغلفها، يتلبسها، عطره على جسدها، تجربة جديدة، لم تضع على جسدها عطرا رجوليا من قبل.
***
كان زاهر في حاجة ماسة للابتعاد قليلا، كي يرى ما لا يراه وهو بقربها، لم يشعر أبدا بورطة، لم يكن باله هادئا أيضا، كانت تتسيده حيرة لم يعرف لها مصدرا، ربما لأنه وجد نفسه فجأة في مواجهة وجود امرأة بمواصفات طالما تمناها، امرأة حقيقية في بيته، عقل وذكاء ودلع وجمال وجاذبية، أحس أن جاذبيتها زادت مذ ترك الشقة، ربما هرب من استبداد ذلك الإحساس به، ألهذا لم يستطيع التحديق في ملامحها كثيرا، اكتفى بالاستمتاع بحديثها وصوتها ومحاورتها، أحب الاختلاف معها، لكنه سأل نفسه: هل أهرب أم أتهرب؟
لم يأخذه النوم طويلا تلك الليلة، في العاشرة صباحا كان داخل سيارته، لم يتفقد كاترين، لم يشك لحظة أنه معرض لمؤامرة أو للسرقة، لا شيء لديه يستحق السرقة، لم يخطر في باله أنها تنتمي إلى جهة استخباراتية معينة، لا شيء لديه يستحق التجسس، لم يشك أيضا أنها من ناشرات الإيدز، تركها في البيت كما لو أنها زوجته، انطلق نحو مركز المارينا، تجول في طوابقه الثلاثة، مر بمحل الأحجار الكريمة، حيث عقد العقيق، تأمله بمحبة وإعجاب، جلس في نفس المقهى، طلب نفس العصير على نفس الطاولة، وكاد ورك امرأة أن يحتك بكتفه الأيسر، لم يتبعها بنظراته، أشعل سيجارة، كسر وحدته صوت يقول له: ( ما هذا النشاط يا صديقي..). كان رمزي، يرتدي ملابس رياضية، يحمل هاتفه بيد وحاملة مفاتيحه باليد الأخرى، لم يستقبله زاهر بحرارة، لكنه دعاه للجلوس.
في كل لقاء تتكرر بينهما الحوارات ذاتها، تطال العمل، وموسم الاستغناء عن عدد من الموظفين الوافدين، أخبار المخيمات الفلسطينية في لبنان، أخبار الساسة اللبنانيين أنفسهم ومشكلتهم مع سوريا، أخبار الرئيس محمود عباس وحركة حماس، السياسة الصهيونية، الأطفال الذين يموتون، ثم ينتقل الحوار عما يمكن أن يفعله أحدهما إذا ما أنهيت خدماته وعاد إلى لبنان، حيث غير مسموح لهما بالعمل هناك، وغير مسموح بتملك بيت أو أرض، ويمتد الحديث إلى الغلاء الذي لم يعد يطاق، عن أخبار الأولاد في الجامعات، إلا أن الحديث امتد في ذلك الصباح ليشمل النساء. منذ مدة لم يتعرض رمزي في حديثه للنساء، قال أنه واقع في الحب، يتخذ كل الاحتياطات لإخفاء الأمر عن زوجته، وحبيبته تشتاقه ولا تراعيه، تتصل به في أوقات حرجة، وفي إحدى المرات أرسلت له رسالة هاتفية: ( اشتقت لك يا رجل، أين أنت يا جبان)، فأخذت الزوجة الهاتف، لم تنجح كل الوسائل في إقناعها بأن مرسل الرسالة رجل كان يداعبه. يشكو رمزي من لغة زوجته معه، لأنها تذكره دائما بأنها صاحبة الفضل في تعيينه بالشركة، وهي سبب ترقيته، فيضطر للسكوت على مضض، وتظن النساء بأن سكوت الرجل يعني الرضا، لكنه يتحين الفرصة لمقابلة امرأة تعيد إليه رجولته، أو تعزف عليها..
لأول مرة يتحدث رمزي بالتفصيل عن علاقته مع زوجته، لأول مرة يتذمر ويمتعض، وللغرابة، وجد زاهر نفسه يشجعه على أن تكون له شخصيته، لم لا تكون له حبيبة أيضا، ولهذا، عليه أن يكون حذرا، بل تمادى في تحريضه بألا يعير زوجته أي اهتمام، وأن يتحدث مع المرأة التي يحبها أمامها، كما لو أنه يتحدث مع رجل، ذكره بأن يضحك دائما، ويبدو سعيدا، وألا يجعلها تستفزه، ثم استاذن بتركه مباشرة، أخبره زاهر وهو يجمع أشياءه عن الطاولة، عن ارتباطه بموعد مهم، واتجه صوب الصندوق، دفع الحساب، ومضى مسرعا..
دهش زاهر من تصرفه بحماقة مع رمزي، تساءل عن سبب تأليبه على زوجته بتلك القسوة، كأنه ينتقم منها، لكن عبد المنعم، أحد الأصدقاء المصريين خفيفي الظل اقتنصه بينما كان يسير مسرعا، وهي ليست من عاداته وبادره بالقول: ( إيه يا عم، فاتتك الصلاة ... )
عرفه من صوته، عانقه بحرارة، أخبره أنه لا يستطيع الانتظار في المارينا، لأنه اعتذرت للتو من صديق وأخبره بأن لده موعدا مهما..
فقال عبد المنعم: ( يا سيدي محلولة، موعدك المهم معيي، نصف ساعة وسأفرج عنك لتلتحق بموعدك المصيبة .. )
فكرة معقولة، ليس شرطا أن يكون الموعد خارج المول، أو أن يكون مع امرأة ...
ذهبا إلى (ركن الكتب )، وطلبا نسكافيه بالحليب..
***
في اللحظة التي عاد فيها زاهر إلى الشقة، كانت كاترين تخرج من الحمام، تلف شعرها بالفوطة البيضاء، وجسدها بالروب الأخضر، تقابلا في الممر الضيق، لم تبد على وجهها دهشة، لم تتراجع إلى الحمام كي ترتدي ملابسها، ظلت واقفة تنظر نحوه وهو يحمل أكياسا قليلة، حاول الدخول مباشرة إلى المطبخ متجنبا النظر إليها، لكنها مشت خلفه وهي تقول: (اعتقدت أنك ذهبت للصلاة في المسجد، لكنك كما أرى قد ذهبت إلى السوق)
فكر زاهر بمحاولته الحثيثة للظهور بأدب جم، وأعتقد بأنه بالغ بغباء، فكيف نامت إلى جانبه وعلى سريره، ويخجل من النظر إليها وهي ترتدي روب الحمام؟ هزّ رأسه مبتسما من تصنع الأشياء، ومحاولة إثبات أمور لا تفكر كاترين فيها، وبدأ بفتح الأكياس: (أحضرت لك مناقيش بالزعتر والجبنة واللحمة، فاختاري ما تشائين ) أجابته مداعبة: ( أريدهم جميعا .. )
- هل تشربين الشاي في الصباح ..
- عن أي صباح تتحدث، الساعة شارفت على الواحدة والنصف..
- يظل الوقت صباحا طالما لم نتناول الفطور بعد، وعلى الطعام أن يكون فطورا حتى لو كانت الساعة الخامسة مساء، ماذا تشربين ؟
انشغل بتحضير الشاي، لم يكن ينظر إلى وجهها، أما هي فقد انشغلت بمراقبته، طلب منها أن تغير ملابسها حتى لا تصاب بالزكام، لكنها ظنت غير ما قصدته، ورغم ذلك، أصرت على البقاء بملابس الحمام وقالت: ( مللت من ملابسي.. خاصة ذلك البنطلون اللعين، ارتديته أكثر من 16 ساعة متواصلة، هل لديك ملابس أخرى أرتديها) ؟
- لدي دشداشة خلف باب الحمام، عليك بها..
لم تكذب كاترين خبرا، عادت إلى الحمام لتظهر مرتدية الدشداشة البيضاء، واكتشف زاهر عندما دخل بعدها ليغسل يديه، أن كاترين ترتدي الدشداشة فقط، شاهد ملابسها الداخلية معلقة إلى جانب سرواله الجينز، وحين خرجت أخبرها أنها ربما نسيت شيئا في الحمام.
- لماذا لم تحضره ..
- إنه ليس ربطة شعر أو حزام بنطلون ..
دخلت الحمام وعادت مسرعة، ادعت الغضب: ألم تطلب مني أن أتصرف وكأنني في بيتي؟
- أرجو أن تكوني قد نمت جيدا ..
قضمت كاترين قليلا من منقوشة الجبن وبدأت تسرد له ما حدث معها وما فعلت منذ استيقاظها في الصباح، وكيف أنها رشت عطره على جسدها، واستحمت بصابونة الورد. لم يدر ما يقول، عمل جاهدا كي لا يظهر ارتباكه، وحدث نفسه:( عطري على خلايا جسدها، وترتدي دشداشتي، وتلف شعرها بفوطتي، يعني كأنني ألبسها وأرتديها). إحساس جعل الدم يتدفق في شرايينه ويصيبه بالدوران.عبر لها عن سروره لشعورها بالراحة والأمان، وسألها: كم ملعقة سكر تريدين في الشاي...؟
كاترين: أنت لئيم جدا جدا، ولكنك راق، أحب هذا الرقي فيك، أريد ملعقتين ..
جلسا إلى طاولة المطبخ الصغيرة، فرد المناقيش المقطعة إلى مثلثات، تناولت كاترين قطعة من منقوشة الجبن التي قضمت منها، تذوقتها مرة ثانية وقالت: سمعت عن هذه السندويتشات لكنني لم أتناولها من قبل.
شرح لها عن فوائد الزعتر للمعدة، خاصة إذا كان على شكل أوراق، وسكتت.
انهمكا في تناول المناقيش، لم يتوقفا عن التفكير. خشي زاهر أن تعتقد كاترين أنه ضعيف جنسيا، أو أنه لا يتمالك نفسه حين يداعب مخيلته منظر امرأة لا ترتدي شيئا تحت دشداشتها، رغم أن كاترين قد تنظر إلى الأمر ببساطة أكثر، فمن الطبيعي جدا ألا ترتدي شيئا تحت ملابسها، فهي تمارس حريتها الشخصية، طالما أنها لا تظهر شيئا، ولا تؤذي أحدا، وإنه طلب منها، فوق كل ذلك، أن تشعر وكأنها في بيتها، لكن المرأة امرأة، والرجل رجل، والخيال يضخم الصور، ورغم ذلك، لم ينجح في ترتيب أحاسيسه وإبقائها محايدة حتى تلك اللحظة، وبدلا من ذلك، خرج من الاحتمالات إلى المناقيش، سألها إن كانت قد أعجبتها فأجابت: إنها لذيذة حقا، خاصة مع الشاي..
- لم تتصل صديقتك جين، يبدو أنها تقضي أوقاتا ممتعة مع صديقها..
- كيف عرفت أنها ذهبت لتقابل صديقها؟
- لا يترك المرء صديقه إلا من أجل حبيبه، واليوم عطلة، ثم، ألم تخبريني بنفسك؟
كتبت في ما بعد في مذكراتي غير اليومية:
(اعتقدت كاترين أنني لم أعد أحتمل تواجدها في المنزل، وربما فكرت بهذه الطريقة: أنا لست بصديق حتى الآن، ولست بعشيق أيضا، كل ما في الأمر متعة رفقة، محاولات اكتشاف من الطرفين، وربما فكرت أنني لم أعد أحتمل وجود أنثى إلى جانبي، استنادا إلى فهم النساء للرجال: حين يظهرون الغضب المصطتع من امرأة، فإنهم يطلبونها إلى السرير)، وبناء على ذلك، شعرت أنها بدأت ترسل إشارات لتمتحن انفعالي، المسألة حسب رأيها، لا تتعلق برجل شرقي وامرأة غربية، فلو كانت مع رجل غربي لحاول أن يداعب الأنثى في داخلها، إلا أنني لم أفعل، لأنني لا أمتلك سوى نفسي، وهذه الفكرة جعلتني اشعر بالمبالغة، أردت كما يبدو أن اثبت لها أن الرجل العربي يمكن أن يدجن الذئب الذي يعوي بداخله، شأنه شأن أي رجل آخر في العالم، نال حظا من التعليم والثقافة، ولا ينتهي العالم عنده بين فخذي امرأة. لكن هذا الإحساس القاسي بدأ يزعجها، هكذا شعرت، لكنها لم ترغب في القيام بدور امرأة بلهاء فتقول لي بأنني بدأت أمل منها، وإن عليها أن تغادر فورا).
وضعت كاترين ثقافتها وأنفها الصحفي جانبا، سحبت ساقيها من تحت الطاولة، وضعت ساقا فوق ساق وهي تدعي الاسترخاء، رفعت طرف الدشداشة وهي تقوم بكل هذه الحركات حتى وصلت ركبتها، وطلبت سيجارة..
- كنت أعتقد أنك لا تدخنين ..
- أحيانا يعجبني أن أتناول سيجارة أو اثنتين في اليوم ..
نهض لجلب علبة السجائر من غرفة النوم، اقترح عليها حين عاد أن تدخن في غرفة الجلوس، حيث المكان أوسع والهواء أنظف، تأملته بدهاء، اعتقدت أنه يريدها تغيير جلستها المثيرة، وافقت على مضض، لكنها في غرفة الجلوس، جلست بنفس الطريقة على الأريكة المقابلة، حيث شقلت طرف دشداشتها إلى ما فوق ركبتها، ليمتد النظر عميقا إلى ما هو أبعد.
لم يعر سلوكها اهتماما ملحوظا، تساءل في داخله وهو يرسم على وجهه ابتسامة خفية: (لماذا تعتقد النساء بأن جذب الرجل يتم دائما من الأسفل، لماذا يبدأن بسيقانهن أو بأثدائهن، هل يفترضن أنه يحن إلى المكان الذي خرج منه، أو الذي رضع منه، وعودته إلى أي المكانين وهما كبيران وناضجان يشكل إغراء لا مثيل له؟ أم أنهن يردن أن يبقى الرجل في الأسفل، على الأقل، ليس في مستوى رؤوسهن ووجوههن وثغورهن، كأنهن يرغبن في إبعاده عن عقولهن وعيونهن، وفي أحسن الأحوال، تقوم المرأة بجذب الرجل بحركات شفتيها المرتجفتين، رغم أن الرغبة تبدأ في الدماغ، خلف الأذنين، وتنساب عبر الظهر).
اقتنصت كاترين ابتسامته الخفية وداهمته بسؤال: لم تبتسم، أعتقد أن جين محقة إذا كانت قد ذهبت لمقابلة صديقها..
- وهذا سيجعلها تستغل كل لحظة من يوم عطلتها ..
- هل ضقت بي ..!!
وأخيرا دخلت كاترين كهف الأنثى التقليدية، رمت كل أسلحة الدهاء، لاحظت بأنها تسرعت، أدركت ذلك من نظراته الودودة الصامتة، تأسفت موضحة بأنها لم تقصد، واتفقت معه على تجاهل جين وصديقها، فهي حرة في النهاية.
- لك حق الضيافة ثلاثة أيام، حسب العادات العربية غير المطبقة الآن، ولكنني أطبقها معك..
- وبعد ثلاثة أيام ..
- ستكون صديقتك قد عادت، وبالتأكيد، وضعت لك برنامجا خاصا للتجول في أبوظبي أو مدن الإمارات الأخرى..
- لن يجعلني برنامجها أرى أكثر مما رأيته معك، صدقني زاهر، إن اختياري لمرافقتك ليس لأنني لا أحمل نقودا، أنت تعلم وجود شركات تقوم بتحويل الأموال خلال دقيقة واحدة، أي أن هناك أكثر من وسيلة لتدبير أمري، إلا أن مرافقتك أعجبتني، وأسلوبك أراحني، فلا أريد أن تشعر بأنني لاجئة لديك..
- لقد ذهبت بعيدا، هذا أمر طبيعي، لأنك لم تتعرفي علي بالشكل الكافي، أنا أحاول أن تكوني مرتاحة فقط، أما بالنسبة للجوء ، فأنت لا تعرفي معنى كلمة لجوء، اتسمحين لي بأن أتهمك بهذا؟
التزمت كاترين الصمت، اعتقدت أن زاهر يقودها إلى منطقته، ولا يجدر بها أن تتحدث عن الموضوع وهي ترتدي الدشداشة، وتلف شعرها المبتل بفوطة بيضاء، ووجهها يفوح نضارة وشبابا وحيوية، ويبدو أنها لم ترغب أن يكون الحديث جادا دائما، كأنهما يمثلان قطبي صراع، هي لا تريده أن يذكرها دائما بأنها غريبة، أو تتحمل مسؤولية ما نحو أحد ما، كل ما علقت به هو كلمة: ( ربما، ليس لي تجربة)، والتزمت الصمت، التقطت فنجان الشاي ثم اعتدلت، لفت ساقا فوق ساق، صارت في مهب الإغراء، جلد ساقيها الأبيض الحريري، اكتنازهما، الخيال الجامح الذي يخترق كل قطن العالم وصوفه. ليس بالضرورة أن تكون كاترين قد فعلت ما فعلت لتغوي زاهر، أو تستدرجه إلى حقول ثمارها وبساتين أزهارها، ربما تعمدت، فالمرأة في تلك المواقف عصية على الفهم، والرجل سهل الانصياع، لهذا، التقط زاهر جهاز التحكم عن بعد، بدأ يقلب قنوات التلفزيون، عله يجد ما ينقذه من استيقاظ الذكر في داخله، وفي التلفزيون من المآسي والمجازر والحروب والدمار ما يسلب أعتى رجل ذكورته، نشرة أخبار واحدة، وتنام كل الرجال والذكور، ولا يبقى سوى الإحساس بالسخط. فلتت من زاهر جملة وهو يقلب القنوات: ( تبدين جميلة بالروب، والفوطة تلف شعرك المبلل.. )، وما أدهش زاهر تعليق كاترين على فلتانه غير المدروس، حين قالت باقتضاب: ( فقط..) ، مع رسم علامات التعجب على شفتيها اللتين سربتا ابتسامة شديدة اللؤم..
زاهر: من هو اللئيم الآن..؟
كاترين: أنت ..
زاهر: كلا، كل النساء يظهرن جذابات وهن خارجات من الحمام بعد توحدهما بالماء..
تعبير لطيف شاكس مخيلة زاهر الأدبية، "النساء المتوحدات بالماء"، تابعت كاترين قائلة: (ومعظم الرجال يظهرون جذابين بعد الاستحمام.. )
تفلسف عليها زاهر وشرح لها نظرية الماء، قال لها بأن هذا الأمر طبيعي، لأن الإنسان يتوحد بعنصر رئيس من مكوناته، فثلثا الإنسان ماء، التوحد بعنصر من عناصر الخلق يقود إلى إعادة خلق من جديد، أو إعادة تكوين مؤقت، لا يلبث أن يختلط بالعناصر الأخرى، ويعود إلى سابق عمره. واصل تداعياته بالقول: الشيء ذاته يحدث حين يتوحد بالهواء الجبلي النظيف، الهواء الذي يقترب من السماء، على كل حال، على الإنسان ألا يبتعد عن عناصر مكوناته، حتى يبقى جذابا ويشعر بالانتعاش، ويقبله الناس..
عقبت كاترين بقولها إن الثقافة العربية تهتم كثيرا لما يقوله الناس، أشارت إلى مقال عن الشخصية العربية القديمة، بأن العرب ميالين إلى الاهتمام برأي الآخر، وصورته بين أقرانه وأحبابه وقبيلته، ولهذا، كانوا يكرمون إلى حد الجنون.
اندهش زاهر حين تحدثت كاترين عن ابنة حاتم الطائي، التي منحت كل ما لديها من إبل للناس، وكذا ابنه الذي فضل أن يعطي لأصدقائه كل ما يملك وأن يكون بسيطا كالعامة..
بدأ زاهر يشعر أن كاترين تحقق نجاحا في اختراقه، وإنها، رغم تجدل ساقيها بإغراء شديد، إلا أنها خففت ارتباكه، فنشرة الأخبار ليست الوحيدة التي تهدئ استنفار الحواس والغرائز، ثقافة المرأة أيضا تبعد عنها عين الشيطان، وتحيطها باحترام كبير.
عاد زاهر إلى الموضوع ذاته، ولكن من زاوية أخرى، أخبرها أن كل الناس يهتمون بصورتهم أمام العامة، حدثها عن نساء شهيرات انشغل الناس بأشكالهن، وانشغل صانعوا الشخصيات بظهورهن، وقال لها بأن بيتي فورد، زوجة الرئيس الأمريكي الأسبق جبرالد فورد، على سبيل المثال تحولت إلى مادة غنية للصحف حين كانت السيدة الأولى للولايات المتحدة الأمريكية، قال لها: ربما تعلمين بأن السيدة بيتي كانت مدمنة كحوليات ومخدرات، وهذا ما اثر على بشرتها .. ) .
دهشت كاترين من اهتمام زاهر بموضوعات كتلك، نظرت إليه بريبة، ظنت لوهلة أنه يصطاد السلبيات، وإلا لماذا يركز على الإدمان، تساءلت في داخلها إن كان يقصد بأن السياسة الأمريكية ترسم في بيوت مدمنين! قالت بصوت واضح: ( ماذا تقصد يا زاهر، وما دخل هذا بذاك ؟)
رجاها أن تصبر، فإن ما سيقوله مسل وممتع، واستمر يشرح لها كيف أن طبيبين تشاجرا على أحقية كل منهما في إجراء عملية تجميل لسيدة أمريكا الأولى، وتكلف أحدهما حوالي ستين مليون دولار، إذ انتقلت القضية إلى المحكمة، التي استدعت الطبيبين وسمعت أقوالهما، وكان من الطبيعي إعراب السيدة فورد عن استيائها، فوجهها صار مادة للصحفيين وقضية في المحاكم.
كانت كاترين تبتسم وزاهر يتحدث عن تجاعيد وجه السيدة بيتي فورد، يعلق على توقها لتعود صبية وقال متابعا : ( أما مارغريت تاشتر.. )
عندئذ قفزت كاترين من مكانها نحو زاهر، وهي تشد بيدها روب حمامها عند خصرها، وباليد الأخرى أرادت أن تقرص زاهر في خده، تراجعت في اللحظة الأخيرة، معتبرة أنه من المبكر القيام بهذه الحركة، لكن أعجبها حس السخرية الكبير الذي يتمتع به زاهر، فهو ليس مجرد مناقش للأفكار الجادة، وحين ضحك كالأطفال، لنجاحه في إثارتها وإغضابها، اكتشفت فيه جانبا طفوليا مشاكسا. قال لها وهي تعود إلى مكانها: هل سيغضبك لو سمعت أمرا مشابها عن تاتشر، رئيسة وزراء بريطانية السابقة ؟
كاترين: من أين تأتي بهذه القصص؟
زاهر: أنا أسردها لك، وأنت يمكنك التأكد، فللسيدة تاششر قصة مشوقة، هل تنكرين أنك معجبة بها؟
كاترين: كيف عرفت.. ؟
زاهر: من هجومك الذي كاد يطيح بروب الحمام، ويحولك إلى طرزانة..
استلمت الرسالة بشكل مباغت، رغم أن زاهر لم يقصد توصيل أي معنى جنسي لها، لملمت روبها على نفسها بخجل، ابتسم زاهر لحركاتها، وهي تردد أكثر بأنه داهية، وأصرت على عدم ارتداء ملابسها في تلك اللحظة، كأنها تجري اختبارا لقدرة زاهر على التحمل، عن السر الذي يكمن وراء حياديته، كورت كاترين جسدها، أرخت رأسها على ركبتيها، شرد ذهنها قليلا، عادت من جديد كطفلة أثارها الفضول: وماذا عن تاتشر أيضا؟
زاهر: لا شيء، اكلها الذئب ..!!
كاترين: زاهر، أنا لا أمزح ..
زاهر: لن أتحدث إذا كان سيزعجك كلامي؟
تصنعت الجدية وطلبت منه التحدث، وألا يتوقف عند حركاتها، قالت له بأنها تحاول التصرف على طبيعتها، ولديها تصرفات كالأطفال أحيانا..
بدأ زاهر يتحدث عن مارغريت تاشر، مع ذكر لقبها كرئيسة وزراء بريطانيا في زمن الثمانينيات، ذكرته كاترين بأنها تعرف منصبها جيدا، أخبرها بأن الأمر بسيط جدا، كانت تاتشر تتعلم قواعد الرشاقة على يد اختصاصية هندية، حسب قواعد رياضة " إيرفيدا" التي كان يمارسها الهنود القدامى، فسألت كاترين: وماذا في ذلك؟
زاهر: لا شيء، إلا أن تاتشر سحبت علبة الماكياج من حقيبة يدها وراحت تزين نفسها أثناء لقاء جمعها بالرئيس ريغان.. وغير ذلك، فإن تاتشر أجرت عملية تجميل لعينها أيضا ولثتها وأجرت تقويما لأسنانها، ويقال بأنها شدت وجهها أيضا، وتدربت على التصرف بأرستقراطية وارتداء الملابس الجميلة، وأنت تعلمين أن تاشتر هي ابنة بقال ريفي..
كاترين: وماذا تريد أن تقول؟ هل تعني أن رئيسة وزراء بريطانيا ( العظمى) كانت تحكمها امرأة لا تعرف كيف تختار ملابسها، ولا تجيد التصرف في المؤتمرات أو اللقاءات الدبلوماسية، وإن مرحلة النبل البريطاني قد ولت؟ وماذا في ذلك، من حق ابن الريف كما اللورد، أن يأخذ فرصته في الحكم.
زاهر: ولكن زوجها دنيس تاتشر، الذي تركها وحيدة ورحل بعد زواج دام خمسين سنة، كما أعتقد كان يحمل لقب ( سير ).
كاترين: ماذا تريد أن تقول يا زاهر، أنا لا أفهمك حقا، ولكنني مستمتعة بهذا الحديث.
زاهر: لا أريد أن اقول شيئا، تاتشر على أبواب الثمانين كما أعتقد,
كاترين: إذن؟ كل الناس يكبرون..
زاهر: أذكر أن صدام حسين قال عندما رحلت تاشتر، بأنها رحلت وهو بقي..
كاترين: لأنه دكتاتور، من الطبيعي أن يبقى ..
زاهر: أما ساعدتم هذا الدكتاتور في حربه مع إيران ..؟
كانت كاترين لا تزال تكور نفسها وتصغي بهدوء، حين رن موبايل زاهر، تفقده فإذا باسم جين يطل من الشاشة الصغيرة، وهذه عادة ما عاداته، تخزين أي رقم يعرف اسم صاحبه، أخبرها بالأمر، همست متسائلة: كيف عرفت ..؟ ، اقترب منها فرأت اسم جين، تحدثت إليها: ( هالو جين.. كيف حالك.. أنا بخير.. آه لا أحد في منزلك، ولهذا لم أرد على الهاتف.. الحارس الهندي منعنا من الدخول... لا لا تتأسفي.. أنا مع زاهر.. نعم اتصلت بك ولكنك كنت مشغولة كما يبدو.. آه، شعرت أن الرقم غريب؟ .. لا تقلقي.. نعم.. نمت في بيت زاهر وماذا في ذلك؟ لا لا أنت مخطئة.. أكثر مما تتصورين.. لماذا لا تصدقي كلامي يا جين..؟ .. من؟ زاره؟ لا أدري، إنه من كل مكان... ماذا دهاك؟ حين تعودين نتحدث.. حسنا ... ستغادرين دبي بعد ساعتين ..؟ استمتعي بوقتك.. أنا سعيدة جدا مع زاهر.. نعم، نعم... ستتعرفين عليه .. إلى اللقاء .. )
كانت كاترين تقوم بحركات يبدو أنها معتادة عليها وهي تتحدث في الهاتف، لملمت نفسها شدت ركبتيها إلى صدرها، وضعت كفها على صدرها الأيمن، وبدأت تحرك يدها في تلك المنطقة، ثم نزعت فوطة رأسها، وبدأت تلعب بخصلات شعرها، حاول زاهر مغادرة الصالون لكنها أشارت له بيدها كي يبقى، أصبح بإمكانها أن تتحدث أمامه، وأن تتأفف من صديقتها بعد انتهاء المكالمة، وتعبر عن غيظها وقالت: ( تخيل يا زاهر، الساعة الآن الثالثة، وجين ستنطلق من دبي بعد ساعتين، أي في الخامسة، هذا يعني أنها ستصل في الساعة السابعة مساء .. لم أتوقع منها هذا أبدا، كان بإمكاني مرافقتها، وحجز غرفة في فندق في دبي، وأن أقضي نهاري وليلي وحدي هناك، ثم نعود معا.. جين أحبطتني .. ).
توجهت نحوه، جلست القرفصاء أمامه وقالت: ( واجبي أن أتأسف على ما يحدث، لكنني حقيقة اشعر بتجدد ما في حياتي، بسعادة لا أدري سببها ..).
مسح زاهر بيده على شعرها، عبر عن سعادته أيضا، طلب منها أن تتصرف كما يحلو لها في بيته، شرح لها: إنه في الواقع ليس بيتي ولا بيتك، ولكن بشكل مؤقت على الأقل ..
قالت له بتودد كبير: ( أنت دائما تتحدث عن المؤقت، سأدعوك إلى بيتي في لندن، وأمارس معك الكرم العربي، مؤقتا أيضا.. ).
صمتت قليلا، باحت له بسر: لا أدري لماذا أتعامل معك دون تحفظ، أود أن أقول لك شيئا عن جين، كانت تتحدث لي خلال السنة الماضية عن صديق إنجليزي يعمل مديرا في شركة للاستشارات الهندسية في دبي، يتقاضى راتبا كبيرا، كأنها قالت لي بأنه يوازي عشرين ألف دولار في الشهر، دائما يدعوها لقضاء وقت معه في نهاية الأسبوع، يغدق عليها بالهدايا، يدفع الفواتير بشكل دائم، لكنها منذ أربعة أشهر تقريبا بدأت تتحدث عن إفريقيا وجمالها وشمسها، وقوة الرجل الأسود، تتحدث عن نيجيريا بشكل خاص، ومنذ شهر تقريبا، صارت تتحدث عن أهرامات مصر وأبو الهول والشيشة، لا أدري يا زاهر، لم أشأ التدخل وطرح الأسئلة، تجاهلت كل ذلك، لكنني الآن أفكر، هل لهذا علاقة بعدم رغبتها في اصطحابي .. ؟!!
كانت كاترين تجلس القرفصاء أمام زاهر، ثلاثة أرباع ساقيها تلامس ضوء شمس العصر المتسلل من النافذة الكبيرة، صدر الروب شبه مفتوح بالكامل، نهداها مضغوطان إلى الأعلى، لم تكن تأبه لموقعها أو موقفها، لم تلحظ الارتباك على وجه زاهر رغم وجوده، نهضت، عدلت من روبها، وعادت إلى مكانها.
نهض زاهر، تقدم نحوها، طلب منها أن تنسى جين، أن تحافظ على سعادتها، وشكرها لأنها تبوح بمكنونات نفسها له، وعلى بوحها بخصوصياتها رغم قصر مدة تعارفهما، قال لها مداعبا: عدنا إلى اللغة الرسمية، ولهذا علي أن أذهب لأستحم، فأنا لم آخذ (الدوش) اليومي بعد، فهل تسمحين...؟
أجابته بطفولة: طبعا بالتأكيد، تصرف وكأنك في بيتك، هل تريد روب الحمام والفوطة ..؟ شاكسها بطريقة أثارت دهشتها، ( آخذهما حالا لو أردت.. ودون تردد..
قال ذلك وهو يضحك متجها إلى الحمام، ابتسمت هي في داخلها، ربما لأنه داعب الأنثى التي يتحفظ عليها، لكنه حين اتجه مباشرة إلى الحمام، تأكدت بأنها مشاكسة لا ينتظر من ورائها أمر، إلا أنها فوجئت بمستوى المشاكسات التي تحدث بينهما، وحتى لا يترك للتداعي مجالا، عاد زاهر وأكد: كانت مزحة فقط، خذي راحتك، فأنا أستمتع بالماء، أتوحد بعنصر مهم في تكويني، يمكنك الاسترخاء والنوم إن شئت، فأنت لم تحصلي على حاجتك من النوم أمس، مارسي الكسل...
تذكر زاهر بعد دخوله إلى الحمام، وخلع ملابسه، ووقوفه تحت الماء، أنه شاهد ملابس كاترين الخارجية والداخلية، خرج من تحت الماء، فتح باب الحمام قليلا، سألها إن كانت تريد أخذ ملابسها، فهو لا يستطيع الخروج، أجابته بأنها سعيدة بالروب، وعليه أن يتوقف عن التعامل معها وكأنها طفلة. أقفل الباب وهو يبتسم، توحد مع عنصر من عناصر تكوينه..
***
استلقت كاترين على الكنبة ذات الألوان البدوية الحارة، كان وجهها يقابل نافذة تطل على سماء صافية بدأت شمسها في الانحدار، تخيل زاهر لوهلة أنها تنام على رمل الصحراء، تلتحف السراب، حولها مساحات شاسعة من الرمل الناعم، ورجل بدوي يأتي على ظهر جمله يردد أغنية بلحن بطيء، يترجل ليسقيها حليبا من ناقته، يتركها ويسير، ويظل البدوي فوق جمله يغذ السير حتى تخفيه الكثبان. عادت من تأملاتها حين اصطدمت عيناها بصورة لزاهر معلقة على الجدار، تذكرت أنه داخل الحمام، كل أشيائها الخاصة هناك أمامه، حضر إلى تأملاتها صديقها الذي قبضت عليه متلبسا وهو يشم ملابسها الداخلية، بينما لم يكن يقترب من جسدها إلا نادرا، فكرت إن كان زاهر سيتساءل عن تركها لملابسها الداخلية في الحمام، إن كانت تعمدت ذلك لإغوائه، همت بالنهوض لطلب ملابسها، بل نهضت فعلا، اقتربت من الحمام، تراجعت حين سمعت صوت الماء ينهمر بغزارة، أيقنت أنه غير مشغول بملابسها الداخلية وفكرت: أي رجل هذا العربي الذي لا يأبه لامرأة لا يغطي جسدها سوى روب حمام خفيف، ربما لديه صديقة مقربة تشبع عينيه، لكنها استبعدت الأمر، كونه دعاها إلى بيته، أو لأنه لم يتلق اتصالا واحدا منها أو من أي شخص كان، لم يرن هاتفه إلا حين اتصلت (جين)، تذكرت (جين) فزاد حنقها، عادت إلى السماء، كانت تسمع صوت المياه في الحمام من حين لآخر، تراءى لها المطر وهي داخل بيتها في لندن، البرد يحيطها من كل جانب، وهي تقاومه بدس جسدها تحت اللحاف، أعجبها إحساسها، فتمادت في تخيله، وتمددت بحرية..
***
تعمد زاهر أن يحدث صوتا وهو يفتح باب الحمام، انتظر داخل الحمام ينشف شعره ويصففه، يجفف جسده ويعطره، يضع على وجهه (كريما) يحميه من الرطوبة، خرج منتعشا، خاصة وأنه حلق ذقنه أيضا. لم يسمع أي حركة تأتي من الصالون، تقدم ببطء، كانت كاترين ممدة على ظهرها، تسند رأسها على وسادة كبيرة، وروبها انحسر عن معظم ساقها الأيسر، بينما ظهر معظم نهدها الأيسر أيضا، تضع يدها اليمنى على جبينها واليد اليسرى على بطنها. بدت كاترين تشبه لوحة الفنان الإيطالي مايكل أنجلو (ليدا وطائر البجع)، تراءى لزاهر بأن الروب طائر بجع يغطي نصف جسد كاترين الأيمن، بل شعر بمنقاره يتحرك عند رقبتها، وجناحه يتململ عند صدرها، بدت له كاترين كأنها تتشكل من جديد، تمنح جسدها لسحر الغروب، تمتص احمرار الشفق، بدت أيضا طفلة بريئة وامرأة بجمال أخاذ، لكن قلبه رغم كل ذلك، لم يخفق لها، بل حامت حول قنديل روحه فراشة الشعر، دخل غرفة نومه، تاركا كاترين ترسم ما تشاء من اللوحات، تداعب ما تشاء من طيور البجع، لم يقم بتغطيتها حتى لا تستيقظ، أو بشكل أدق، حتى لا تستيقظ مذعورة، فتح الكمبيوتر وهو يرتدي روب حمام آخر، واستعد للكتابة.
كتب زاهر شعرا كثيرا في النساء، كلهن كن عربيات، مضمخات بصباحات الشرق، لفحتهن شمس الصحراء حتى صرن البرونز ذاته، يطللن على الليل بكحل يزيدهن إغواء وإغراء، يعطرنه بدهن العود والعنبر، يعطرهن بالياسمين وأزهار اللوز والجلنار.. لم يكتب زاهر أبدا عن امرأة شقراء تتمدد في حديقة الهايدبارك في لندن، أو فتاة تعوم عارية تداعب أمواج مايوركا في إسبانيا، لم يقرأ مثل هذا الشعر لا عند تي إس إليوت، ولا عند ووردز وورث ، هذا الشاعر العبقري الأخير كان شديد الحياء والأدب وهو يصف فتاة خجولة بجانب صخرة، أو يتحدث في قصيدة أخرى عن فتاة تتمشى على جسر وست منستر في الصباح الباكر، حيث الضباب ودخان المصانع. شعر زاهر أن لغته لا تناسب كاترين، ألهذا لم يخفق قلبه لها، كأن الحب في الذاكرة واللغة والبيئة، كأنه يعشش في التاريخ والثقافة، وربما لأنها تصرفت وكأنها في بيتها، بالروب فقط، لم تخجل أو تدعي الخجل، لم تعترض أبدا على مرافقته، أو ربما لأن وركها كان مشدودا وجلفا وغاضبا وهو يمر بجانبه ويكاد يحتك بكتفه الأيسر!! ظل زاهر يحدق ببياض صفحة الكمبيوتر، ربما تمنى في تلك اللحظة أن يكون رساما ليخلد تمدد كاترين وهي تتداخل مع لون الغروب، وتخزنه ريثما تعود إلى المساءات الباردة. ترك الشاشة، أرسل نظره عبر نافذة غرفة النوم، حيث الشمس تنحني باتجاه البحر، تأخذ معها صحو الناس، تهيؤهم لليل مختلف الألوان والأمزجة..
لم يفلح زاهر في كتابة كلمة واحدة، حاول النهوض للاطمئنان على كاترين، لكن كفين صغيرين ضغطا على كتفيه وأقعدتاه، التفت إلى الأعلى، كان وجه كاترين المتوحد بالنعاس، ينظر باستقامة إلى مشهد الغروب، الذي ألقى بسحره وغموضه على حوارهما، الذي بدا تأمليا وبطيئا، يخرج عن روحين انبثقتا من بعد سحيق:
- هل حاولت كتابة شيء ولم تفلح ؟
- نعم، المساحة حافظت على بياضها.
- أحسست ذلك وأنت تتأملني بينما كنت مستلقية .. أحسست أنك ستواصل تأملك فقط، ولن تفعل شيئا آخر..
- لماذا لم تفتحي عينيك ؟
- شعرت أنك تنظر إلي دون غريزة، تحاور معناي، وهذا لا يؤذيني..
حاول زاهر أن يصف جمالها لكنها أسكتته، وضعت يدها على فمه، طلبت منه ألا يتحدث عما عجز عن كتابته، شرحت له معنى الحيرة في التواصل مع آخرين يهبطون فجأة على مساحاتنا، يدخلون دون استئذان إلى دهاليز نفوسنا، نفرح بهم، نحزن لهم، نحبهم ولا نعشقهم، قالت له بأن الإنسان ليس في حاجة إلى محطة قطارات كي يقابل الغرباء، قد يقابلهم في بيته فجأة، هؤلاء الذين يتحولون خلال ثوان إلى أصدقاء، تتوطد علاقاتهما، يتحاورون، يضحكون كأن لهما ذاكرة مشتركة. أخبرته أن هذا لم يحدث في حياتها أبدا، سوى قبل يوم وليلة، لم يحدث أن قابلت رجلا استدرجها بكل تلك الإلفة، وانصاعت له تلقائيا: هل تعرف لماذا يا زاهر، لأن الاستدراج لم يكن نتيجة إغواء، وإنما نتيجة إثراء.
تحركت من خلفه، تقدمت نحو النافذة، ليصبح وجهها في مواجهة قرص أحمر يستعد لينقع نفسه في حضن مياه الخليج العربي، واصلت كاترين حديثها، أحس زاهر أنها تنطق بلسانه، لم يعلق أبدا، ظل يحدق في شاشة الكمبيوتر، حيث صار يرى الكلام الذي تقوله مكتوبا بحجم كبير: نعم إثراء وليس إغراء.. وأنا أعني ما أقول، قد ينبع الإثراء من إغراء ما، ليس شرطا أن يكون أنثويا أو ذكوريا، قد تنظر المرأة إلى جسد رجل لكنها ترى ما خلفه، قد ينظر الرجل إلى جسد أنثى ليرى معان أبعد مما تبوح به تضاريسها، إنها حالة اختراق لأغلفتنا، والوصول إلى الأسباب الجوهرية للتواصل، تلك التي تدفع اثنين كي يبتسما لبعضهما بعضا دون تعارف، أو يقول لها كلمة وكأنه يعرفها منذ سنين..
نهض زاهر من أمام شاشة الكمبيوتر، وقف إلى جانبها: لطالما قلت في خاطري بأننا نسير نحو أحداث تنتظرنا، دون أن أعرف لهذا أي تفسير، إلا أن ثقافتنا تقول بأن الإنسان يولد وتولد أحداثه معه، ويبدأ في استقبالها ..
- هل تعلم ماذا ينتظرك .. ؟
- لا أجزم بشيء، لم أصمم أي حدث أبدا، حتى ما يحدث لنا ...
- لكننا نستطيع أن نصنع مصائرنا ..
- نحن نخطط لمصائرنا فقط.. لكن هنالك دائما من يتدخل ..
- هل تترك نفسك دائما للأقدار .. ؟
- حتى لو لم أتركها، فهي سائرة وحدها، وحين يحدث لنا ما يحدث، نتذكر أننا رأينا هذا من قبل، أو شعرنا به منذ زمن، ألم يحدث لك أن رأيت مشهدا وتساءلت أين رأيت ذاك المشهد؟
- في الواقع نعم ..
- هناك من يقول بأن الروح التي تحل فينا تحمل معلومات كثيرة جدا، لكن الإنسان يبدأ بنسيانها، فيتذكرها كلما حدثت له حادثة، أو وقع في مصيبة ما ..
- هل هذا ما يعنيه التقمص ..
- إنه شيء أبعد من التقمص يا كاترين ..
ساد صمت، غابت الشمس، بدأ المساء يفرد عباءته اللامعة، كسر السكون رنين هاتف زاهر، منذ زمن وهو يرن، كانت كاترين تسمعه أيضا، لكن رنينه في الظلام يختلف عن رنينه في النهار، يعلو صوته أكثر، رغم أن دبيب الحياة لم يتغير بعد، الإثنان يفكران بالشيء الذي يصمت حين يحل المساء، كأن الماكينة التي تحرك الشمس تهدأ وتنطفئ، هو السكون ذاته، الذي يخيم على مكان تكسر أرجاءه معدات تحدث ثقوبا في الصخور..
حاول زاهر التحرك ليشعل الضوء، أخبر كاترين أن صديقتها هي التي تلح في طلبها..
كاترين: أعلم، إنها الأمريكية، هل تعلم، لا رغبة لي بلقائها ..
التزم زاهر الحياد، أدرك بأنها لم تنعتها بصديقتها بل بالأمريكية، لم يعلق، أشعل الضوء، عاد فأطفأ الكمبيوتر، قال لها بأن عليه ارتداء ملابسه. نظرت إليه، كأنها تراه لأول مرة يرتدي الروب، تأملت وجهه، كانت ترغب في وضع كفها على خده لتقول له: ( ماذا يكمن فيك أيها الرجل، وجهك مليء بالأسرار) لكنها لم تقل، وقالت مشاكسة: لديك ثوبان للحمام ..
- لدي من كل شيء اثنان ..
- لماذا ، هل سيحدث الطوفان ..
فوجئ بردها، وإنها تعرف قصة الطوفان، لكنه أردف: ( لست نوحا، ولا نبيا .. ) لكن كاترين اسرعت بالقول: أشعرك في لحظات كأنك نبي ..
- لا تبالغي أرجوك، في داخلي شيطان يستيقظ أحيانا، أنا بشر، هل أطلب لك رقم صديقتك، لا شك أنها قلقة عليك ..
- إنها قلقة دائما، لكنها قلقة الآن أكثر، ربما تعتقد بأننا ...
- اتصلي بها، على الأقل لتطمئن أنك بخير، وستعودين إليها كاملة غير ناقصة ..
- كلا يا زاهر، سأعود إليها بإضافات كثيرة، إلى درجة أنها قد لا تعرفني ..
- أرجو أن تكون إضافات جميلة وإيجابية..
لم ينتظر الرد، توجه إلى الحمام، انشغل بارتداء ملابسه هناك، هاتفت كاترين صديقتها (جين)، خلال أقل من ربع ساعة، كان الإثنان في السيارة، متجهين صوب شارع المطار، نزلا في النفق القريب من المجمع الثقافي، ثم مرا بمؤسسة اتصالات، ومحلات ماركس أند سبنسر، هنالك فقط دهشت كاترين: هل لديكم هذه المحلات في أبو ظبي؟
لم يعلق زاهر، قاد سيارته بصمت حتى وصلا بناية (جين).
قالت كاترين: لا أعلم كيف أشكرك، لكنني سأراك ثانية بالتأكيد، سأحتفظ برقم هاتفك، وسأتصل بك إذا أذنت لي.
- آمل أن تكوني قد قضيت وقتا ممتعا..
- بل مفيدا ..
تصافحا بحرارة، نزلت كاترين من السيارة، واصل زاهر قيادته، دون أن يحدد وجهته، لكن المدينة كبيرة بما يكفي، كي يضيع فيها غريب بحجم زاهر ..


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق