الأربعاء، 16 يونيو 2010

الفصل السابع من رواية فتنة كارنيليان

الفصل السابع من رواية فتنة كارنيليان
أنور الخطيب
انتزع زاهر نفسه من أمام شاشة التلفزيون بقوة، ألحت عليه فكرة إلغاء اللقاء، رفضها، لكنه تذكر أن جين اعتذرت من كاترين في لحظتها. صوت من داخل زاهر سأله: من أكثر أهمية، موعد جين أم متابعة أخبار الحرب! قدم صوته تبريرا كافيا لإلغاء اللقاء، لكنه لم يفعل.
دخل زاهر سيارة أحمد، لم يفاجأ به وهو يرتدي سروالا وقميصا بدلا من لباسه التقليدي، فعلها أحمد من قبل، حين ذهبا مرة إلى صالة الرقص، كانا يبحثان عن اصوات أعلى من صوتيهما، أعلى من هواجس الغربة في نفس زاهر، وأعلى من هواجس التغيير في رأس أحمد، ويصفه بأنه تغيير نحو المجهول.
قبل ثلاثة أيام، كانا يقرآن خبرا في صحيفة الاتحاد، حول جعل لغة التدريس هي اللغة الإنجليزية، لم يؤيد أحمد الخطوة، وناقشه زاهر بأنها لغة سوق العمل ولغة الإنترنت والتواصل الثقافي مع العالم، ولغة التجارة، وكان رأي أحمد بأن سوق العمل يجب ألا يستخدم اللغة الإنجليزية فقط، لأنها أصبحت شرطا للتوظيف.
لدى أحمد أفكار مغايرة، فهو لا يرى ضرورة للعدد الكبير لمراكز التسوق، عدد السكان ليس بهذا الحجم، ويقول: ( كلما توسعنا في المشاريع، زاد الخلل في التركيبة السكانية، التنمية يا صديقي يجب أن تسير وفق حاجة السكان الأصليين، لا أن نحضر عمالة ونعمل على جذب السياح حتى تعمل أسواقنا ومشاريعنا، كلما زادت العمالة كلما تراجع التوطين).
أحمد مع الانفتاح، لكنه ضد السياحة الترفيهية، مع استثمار الأموال الداخلية، وليس إقامة مشاريع لجذب رؤوس الأموال من الخارج.
كثيرا ما تحدث أحمد وزاهر في الشؤون المحلية، قال لزاهر مرة:( أنت تحمل هم ما يحدث في بلادنا أكثر مني أحيانا) . فرد عليه زاهر: ( قد تكون جهاتي أوسع، ونظرتي أشمل، والعمالة غير العربية يا عزيزي أكثر ما يؤرقني، لأنها تشكل خطرا كبيرا على مسار النمو، على المجتمع، على الأمن الاجتماعي، وعلى المستقبل).
كثيرا ما تحدثا عن العمالة الأجنبية، التي بدأت تنظم نفسها وتتظاهر، تقطع الطرقات الرئيسية وتهاجم سيارات الشرطة وتضرب عن العمل وتوقف المشاريع وتحرق المساكن وتعتدي على المهندسين. ومنظمات حقوق الإنسان، ومنظمة العمل الدولية تراقب الأمور وترسل التقارير وتناشد وتطالب. تحدثا مرة عن تغيير الموقف العاطفي والانفعالي لدى العمال، لقد قلت نسبة طاعته، والبعض بات أرعنا.
قال زاهر لأحمد ذات مرة: لا نريد عمالا خانعين، لكن ألا خطورة في أن يخرج ثلاثة آلاف عامل في مظاهرة، أليس لديهم من يقودهم؟ هذا أخطر ما في الأمر..
رد عليه أحمد: أعلم، ما زلت أذكر ما حصل في مدينة العين، حين خرج العمال إلى المدينة، وكسروا كل ما واجههم، من محلات وسيارات، لكن ماذا يمكننا نحن الأفراد أن نفعل؟
قال له زاهر: يمكننا أن نفعل الكثير.
كان زاهر يثير إعجاب أحمد حين يتكلم بضمير الجمع، ويعقب على كلامه: (والله إنك رجال، معظم الوافدين يقولون لك: (فخار يكسر بعضه)، أو أنهم يخافون من إبداء آرائهم، يعتقدون أنهم يتدخلون في السياسة العامة).
منذ دخل زاهر سيارة أحمد، والصمت سيد الموقف، ليس بسبب انشغال أحمد بمكالمة هاتفية وقتها، فالصمت استمر حتى بعد انتهاء المكالمة، التعب كان يحتل ملامح كل منهما، لم يأخذا قيلولة بعد الغداء، الصمت لم يستمر، كسرته الحرب.
أحمد: هل ترغب في إلغاء اللقاء، واختيار مقهى آخر لمتابعة الأخبار ؟
زاهر: فكرت في الأمر، يدهشني تطابق أفكارنا أحيانا، على العموم أرى أن يحدث اللقاء، وسترى أنه في السياق..
أحمد: نحن لسنا ذاهبين إلى ندوة بالتأكيد، ولن نتحدث عن الحرب مع كاترين وصديقتها.
زاهر: إنجليزية وأمريكية وفلسطيني وإماراتي، أليست هذه ندوة؟
أحمد: ربما ..
الساعة الثامنة إلا الربع، المقهى غير مزدحم، ربما بسبب الحرب. لم يمض وقت حتى حضرت جين وكاترين. تكفل زاهر بتقديم كاترين لأحمد: كاترين، صحفية بريطانية، وتزور أبو ظبي لأول مرة، وهذا صديقي وزميلي في العمل، أحمد، ولا شك أنك جين، وأنا بطبيعة الحال، زاهر، تفضلوا ..)
كاترين: وهذه صديقتي جين، إنها أمريكية، مدرسة للغة الإنجليزية في الكلية ..
أحمد: هذا لطيف، أنا درست في أمريكا..
جلست كاترين فورا إلى جانب زاهر، وجين إلى جانب أحمد. قبل أن تحضر العاملة الفلبينية، وقبل أن يدور أي حوار، نظرت جين في الوجوه الثلاثة محاولة إبداء شقاوة ما، ثم قالت محاولة أن تحمل لغتها طابع الدعابة: هذا ليس عدلا، سأجلس إلى جوار كاترين، ومستر زاهر يجلس إلى جوار صديقه، هكذا يتم التعرف أكثر، وجها لوجه..
لم تنتظر موافقة أحد، ولا حتى كاترين، شكلت الجلسة وفق رغبتها. كان أحمد في مواجهة كاترين، وزاهر في مواجهة جين.
قالت جين مرة ثانية، وكأنها أعدت سيناريو مسبقا للحوار: هكذا يعود التاريخ إلى أوله، مع شيء من الحداثة، أليس كذلك يا كاترين؟
أومأت كاترين برأسها مع ابتسامة صفراء، لم يفهم منها إن كانت موافقة أم لا، بعد قليل، اقترحت كاترين أن تجلس قبالة زاهر، وأحمد قبالة جين، وعقبت مداعبة: حتى نواكب التاريخ..
كان لها ذلك. لم تتحرك السيدتان، تبادل أحمد وزاهر الأماكن.
أطلق أحمد دعابته قائلا: ما رأيكم أن تجلس جين وكاترين على طاولة، وأنا وزاهر على طاولة أخرى، فك ارتباط، هل نحن في جلسة مفاوضات!
ردت عليه جين: لا شيء نتفاوض عليه، كل الأمور تسير بشكل جيد..
اقترحت جين أن يجلسوا في صف واحد، لكنها تراجعت عن الفكرة، فلن تكون في مواجهة أحد..
كانت جين ترتدي بنطلونا أبيض مشدودا على جسدها، وقميصا بنفسجيا كشفت ياقته المفتوحة عن معظم نهديها المنتفخين، مكياجها كان صارخا وليليا، أما كاترين فكانت كما شاهدها زاهر يوم أمس، قليل من أحمر الشفاه، نفس رائحة العطر، تنورة فضفاضة بألون متعددة داكنة، وبلوزة سوداء.
جاءت العاملة الفلبينية بسرعة، طلبت كاترين شايا، أحمد طلب كوبتشينو، طلب زاهر عصير ليمون، اقترحت جين أن يشرب الجميع القهوة الأمريكية أولا ثم يشرب كل واحد ما يريد.
احتارت العاملة، تبادلوا جميعا نظرات استفهامية بشكل سريع، مع ابتسامات حائرة، غادرت العاملة، ناداها زاهر قبل أن تبتعد، قال لها: احضري أيضا عصير ليمون...
حملقت جين في وجه زاهر بابتسامة غامضة، وأسرت لكاترين: (صديقك كما يبدو عنيد، ولكنه وسيم)، ثم انتقلت لتنظر في وجه أحمد، تأملته مليا: ( كأنني رأيتك من قبل. ابتسامتك ليست غريبة عني).
قال أحمد بحسم: لا أعتقد بأننا تقابلنا من قبل.
جين: ألم تكن في (لابريوش) قبل أسبوعين تقريبا، ولديك سيارة جاكوار؟
أحمد: سيارتي من طراز جاكوار، نعم، وأذهب دائما هناك، أحتسي القهوة، أكتب، أقابل الأصدقاء..
جين: لكنك كنت ترتدي (دشداشة) وهذا الشيئ الذي تضعونه على رؤوسكم، ولكن، لماذا لا ترتدي اليوم دشداشة، هل حتى لا يعرفك أصدقاؤك؟ أم لأنك ستجلس مع فتيات أجنبيات؟
أحمد: لا هذا ولا ذاك، أنا أتصرف حسب راحتي ..
جين: أم أنك تتعاطف مع زاهر؟
أحمد: أتعاطف معه بشأن ماذا؟
جين: هو وافد وغريب وأنت مواطن..
قالت ذلك وابتسمت ..
ابتسم زاهر أيضا ابتسامة مجاملة: أود أن أصحح لك أمرا، أنا وافد صحيح، ولكنني لست غريبا، ربما أنت غريبة..
حاول زاهر أن يبدو مرحا..
جين: أنا لست غريبة أبدا، أنا أدخل البلاد دون تأشيرة، هل تفعل أنت هذا؟
زاهر: هذا ليس مقياسا، هذه اتفاقيات بين دول..
جين: لكن الإماراتي يجب أن يحصل على تأشيرة حتى يدخل الولايات المتحدة ..
زاهر: أيضا اتفاقيات بين دول، قريبا تصبح لي دولة، سأدخل بدون تأشيرة ..
جين: لن يحدث هذا أبدا..
زاهر: ما هو الذي لن يحدث، أن تصبح لي دولة، أم دخولي بدون تأشيرة؟
جين: لا هذا ولا ذاك، أنا صريحة، هكذا أرى ..
زاهر: يبدو أنك على استعداد لملاكمتي ..
جين: ماذا تقصد مستر زاهر ..
تجاهلها، طلب من صديقه ولاعة، أشعل سيجارة، تلفت حوله، ثم سأل كاترين: هل تعرفين شيئا عن حضارة المايا ..؟
أجابه أحمد بسرعة: كنت أعرف امرأة رائعة الجمال قبل عامين، واسمها مايا ..
زاهر: من المؤكد أنك تمزح، أنت تعرف إنها أحدى قبائل سكان أمريكا الأصليين..
ضحكت كاترين محاولة منها لتخفيف جلسة بدأت تسخن بسرعة وقالت: لماذا أنت متشائمة جين؟
جين: لست مشائمة يا صديقتي، إنما هذا هو الواقع ..
ساد المكان فجأة هدوء كامل، ارتفع صوت التلفزيون، نظر زاهر خلفه، السيد حسن نصر الله، الأمين لحزب الله يلقي كلمة. نهض أحد الشباب، رفع صوت التلفزيون أكثر، استدار زاهر ليستمع، كانت كل الوجوه تنصت إلى كلامه، تحدث عن الحرب، سيناريوهاتها، قتل المدنيين، كان زاهر يستدير تارة، ثم يلتحق بالجلسة شكليا تارة أخرى. انتهت كلمة نصر الله، ارتشف زاهر من عصير الليمون..
علقت جين باستفزاز: إنه إرهابي وكاذب؟
زاهر: الإسرائيليون يقولون بأنهم يصدقونه أكثر مما يصدقون قيادتهم ..
فورا توجه نحو كاترين: كيف كان نهارك كاترين؟
بدا الانزعاج على وجه جين، زاهر لم ينتظر ردها، لا يريد أن يدخل في حوار معها..
قالت كاترين وهي تنقل نظراتها بين زاهر وجين: لا بأس، قرأت الصحف على الإنترنت، كتبت قليلا، تابعت بعض الأخبار، خاصة أخبار الحرب، اتصلت بك (ضحكت)، ثم شربت نسكافيه، نظرت إلى الشارع من النافذة، المحلات تشبه الكثير من المحلات في بلادي، ثم قرأت في كتاب مذكرات بيل كلينتون، إلى أن عادت جين..
قالت جين فجأة موجهة كلامها لزاهر: يبدو أنك معجب بنصر الله ..
زاهر: ملايين من الناس معجبون به في هذا الظرف؟
تعمدت جين أن تعيد وصف نصر الله بالإرهابي لاستفزاز زاهر، ووضع كاترين أمام حقيقة واضحة، أو ربما لم ترغب أن يكون لكاترين موضع قدم في أبو ظبي، أو أصدقاء غيرها، حتى لا تفكر بالقدوم والعمل هنا. كاترين نفسها دهشت، لأول مرة منذ تعارفتا، بدت جين عدوانية واستفزازية، رغم أن طبيعتها مرحة وتعشق المتعة والتعرف على الأصدقاء، استجاب زاهر لاستفزازها وسألها: هل سألت الطالبات في الكلية عن رأيهن بنصر الله ؟
جين: لم يعرفن بعد بنشوب الحرب، لكنهن منذ فترة قصيرة، قمن بمظاهرة داخل الكلية تأييدا للفلسطينيين.
زاهر: تأييدا للفلسطينيين، ولكن ضد من ؟
جين: ضد الإسرائيليين بالطبع، أنا لست مع إسرائيل في كل ما تفعل، ولكنني ضد الإرهاب.
أحمد: ماذا تعني كلمة إرهاب، أوجه السؤال لكاترين، كونها صحفية، هل تسمحين؟
كاترين: كل من يستخدم العنف..
أحمد: أنا كنت في أمريكا، هنالك عنف كثير، هل هو إرهاب؟
كاترين: كل من يمارس العنف فهو إرهابي..
احتجت (جين)، دائما تحاول أن تبدو مرحة: كاترين، أنت تهاجمين أمريكا، أنت تطلقين النار على موقع صديق.
كاترين: العنف في كل مكان يا جين..
جين: ذلك عنف فردي، ولكن هنا في الشرق الأوسط يوجد عنف جماعي، تنظيمات مثل القاعدة، وحماس، وحزب الله يمارسون العنف بشكل جماعي، إرهابيون ..
زاهر: حماس اختارها الشعب لرئاسة الحكومة، في انتخابات أشرف عليها الرئيس الأسبق جيمي كارتر، واعترف أنه شهد أكثر الانتخابات نزاهة في المنطقة العربية، هل تفضلين حماس داخل الحكومة أم خارجها؟
جين: لا أفضلها أبدا ..
زاهر: إنها الديمقراطية التي تنادون بها، أحضرت لكم حماس في فلسطين، والإسلاميين في الجزائر والعراق والسودان، وربما ستحضر الإسلاميين في مصر إذا تحققت انتخابات نزيهة، أنا لا أفضل حكم الأحزاب الدينية، أؤمن بشعار " الدين لله والوطن للشعب"، لدينا في الوطن العربي ديانات كثيرة ومذاهب أكثر، ومن الصعب أن تحكم عقيدة أو مذهب كل الناس، على كل حال، أنا لدي تعريف للإرهاب، إنه العنف من أجل العنف، تهديد حياة المدنيين الآمنين، الاعتداء على الآخرين دون وجه حق، هل تتفقون معي؟
كاترين: أنا أتفق..
أحمد: أنا أتفق أيضا ..
جين: أنا لا أتفق معكم في كل شيء، يجب أن نعرف كلمة (اعتداء) ونعرف كلمة (الآخرين)، ثم نحدد القضية، هناك جماعات تهدد السلم الدولي، تهدد الديمقراطية، تهدد أساليب حياتنا، لهذا نحن نحاربهم، وعلى الجميع أن يحاربهم، العالم اليوم متوحد ضد الإرهاب، ألم تسمع بهجوم 11 سبتمبر، أنت يا زاهر، تريد أن تعطي شرعية للإرهاب وتقدمها على أنها مقاومة، إنها ليست كذلك ..
زاهر: القانون الدولي العام، وقوانين حقوق الإنسان تعترف بحق الإنسان في الدفاع عن نفسه ومقاومة من يحتل بلده ..
جين: لا أحد يحتل بلد أحد، التاريخ يصوب مجراه ويرتب أحداثه من جديد..
أحمد: نحمد الله أنك لست مدرسة تاريخ !!
زاهر: أنت تتحدثين وكأنك في مجلس الأمن، هل قرأت كتاب فرانسيس فوكوياما الأخير، (أمريكا أمام مفترق طرق، الديمقراطية، السلطة، ميراث المحافظين الجدد )، يقول فوكوياما بأن أمريكا لم تدرس تبعات حروبها وتدخلها لقلب الأنظمة، لم تحاول أن تتغلب على الفقر حتى تقضي على الإرهاب، لم تحاول التدخل في إفريقيا على سبيل المثال، لمساعدتهم في محاربة الجوع والتصحر، أمريكا لا تملك البديل حين تسعى إلى تغيير الأنظمة، باختصار يريد أن يقول، رغم أني لا أقف إلى جانبه في كل آرائه، يريد أن يقول بأن أمريكا لا تستوعب دروس التاريخ ..
جين: أمريكا تصنع التاريخ، تحمل هم السلام في العالم، تريد أن تنشر الديمقراطية، أن تساعد الشعوب على نيل حريتها وأن تمارس حقها في اختيار قادتها، صحيح هنالك أخطاء، ولكن لا تنسى، أمريكا تقود العالم، إنها تنشر مبادئ العولمة وفضائلها، لكن الإرهابيين والدكتاتوريين يقفون ضدها، يريدون أن يعيدوا التاريخ إلى عصر الخلافة الإسلامية، ما رأيكم بالقهوة الأمريكية؟
فهم الجميع أن جين ترغب في تغيير الموضوع، لكنها لاحظت أن زاهر لم يشرب القهوة الأمريكية، وقالت: العالم كله يشرب القهوة الأمريكية يا زاهر، وأنت تعترض، يبدو أنك لا تريد أن تسهر أيضا هذه الليلة.
زاهر: فهمت أنك تريدين تغيير الموضوع، فلماذا تعودين إليه؟
جين: وما دخل القهوة الأمريكية بالسياسة؟
زاهر: إنه في صلبها، تريدين أن يشرب العالم كله القهوة الأمريكية، أن يرقص الروك أند رول، يرتدي الجينز، يتناول الهمبرغر، يشرب البيبسي والكولا وربما النبيذ والويسكي، يستخدم الإنترنت، ويشاهد أفلام رعاة البقر، وأن يتحدث الإنجليزية، وأن ينفصل الشباب عن عائلاتهم عند بلوغهم الثامنة عشرة، وأن لا يطلق على شوارعه ومدارسه ومؤسساته اللاجتماعية أسماء الرموز الدينية، وأن يعدل في كتبه السماوية حتى تتآلف مع السياسة، وفي نفس الوقت، تتحدثون عن الملامح الخاصة للثقافات، هل بقي من الثقافات شيء؟
جين: لا أعتقد بأن ثقافتك تتأثر حين تشرب الكولا أو تأكل الهمبرغر وترتدي الجينز وتستخدم الإنترنت وترقص البريك دانس..
زاهر: أود أن أسمع رأي كاترين في الموضوع ؟
جين: لماذا كاترين، هل تريدني أن أختلف معها، إنها صديقتي، وهنا يجب أن تكون حليفتي (وضحكت ) ..
زاهر: نحن نتبادل أطراف الحديث فقط، كاترين، ما رأيك ؟
كاترين: نعم تتأثر الثقافة، لأن السلوك يتغير، الثقافة سلوك يعكس العادات والتقاليد والأفكار الاجتماعية والدينية ورؤيتنا للأشياء، وأي منتج نستخدمه يحمل ثقافة ما، الإنترنت يحمل ثقافة، الهمبرغر يحمل ثقافة، الموبايل يحمل ثقافة، يمكنكم أن تسألوا أحمد كيف أثرت تكنولوجيا الاتصال على مجتمعه، لقد قرأت مقالا بأن الإمارات تتصدر الدول العربية في استخدامها لتكنولوجيا الاتصال، انترنت، هواتف محمولة، وأجهزة كمبيوتر، دهشت، عدد الموبايلات أكثر من عدد السكان..
أحمد: نعم تأثرت، تأثرت كثيرا ..
جين: هل تأثرت نحو الأحسن أم الأسوأ ؟
أحمد: كل تغيير يحمل في ثناياه نتائج سلبية وإيجابية، أنا لست مع التغيير الذي يقوم على الإحلال، أولادنا الذين يدرسون في المدارس الخاصة يتحدثون الإنجليزية..
جين: وماذا في ذلك؟
أحمد: لأنهم يجب أن يتحدثوا اللغة العربية، لغتهم، لغة الدراسة شيء، ولغة الحياة شيء آخر..
جين: في الواقع، حتى الطالبات في الكلية يتحدثن الإنجليزية مع بعضهن البعض ..
كاترين: أتوقع أن يحدث هذا فجوة بين الأهل وبين الأبناء، أليس كذلك يا جين، أسألك لأنك مدرسة وتربوية، ماذا لو تحدث الطلاب في أمريكا اللغة الفرنسية؟
جين: لن يفعلوا.. أمريكا ليست في حاجة لفرنسا، أمريكا هي القوة العظمى، أقوى دولة في العالم..
زاهر: عدنا إلى نفس الموضوع، لماذا على جميع الشعوب أن تحتذي حذو أمريكا ؟
جين: ولم لا، حين تصبح بلد أقوى دولة في العالم، هذا يعني أنها على صواب، وهذا يشمل أسلوب حياتها، وقوانينها، وأفكارها وكل شيء..
زاهر: أرجو ألا تفهمي بأنني ضد الشعب الأمريكي، على العكس، تعجبني سيادة القانون هناك، والنظام وحرية الإنسان، ولكن أخشى أن يكون كلامك ليس دقيقا ..
أحمد: أمريكا ليست على صواب في كل شيء، أصبحت أقوى وأغنى دولة، لأنها جذبت العقول من كل العالم، وهناك علماء عرب ومسلمون في أمريكا يخدمون في الصناعة والمختبرات والجامعات، أعرف عالما عربيا يعمل مع وكالة ناسا الفضائية ..
جين: أنتم بلد غني، لماذا لا تجلبون العقول والعلماء من كل أنحاء العالم، تمنحونهم جنسيات، تأمنون لهم المختبرات والإمكانيات، وكل شيء، سيبدعون بالتأكيد، وتصبحون أقوى دولة في العالم في مجال المعرفة والبحوث.
زاهر: ولكن هل سيسمح قادة العولمة بأن تتصرف الدول كما يحلو لها، من حيث التنمية، والإنتاج، والصناعة وبناء العقول واستردادها، وأن تحقق كل دولة اكتفاء ذاتيا، وغيره..
كاترين: لم لا يا زاهر!!
زاهر: لأن الشركات الكبرى، شركات ما وراء البحار، ستفقد أسواقها، ولهذا تنشب الحروب..
جين: هل تعني أن قادة العولمة يفتعلون الحروب كي يفتحوا أسواقا جديدة ؟
زاهر: أنا لا أتحدث من الخيال، العراق خير مثال، بلد كامل يتحول من نظام إلى آخر في كل شيء، أسلحة، أدوية، تكنولوجيا، صناعة، إعلام ، كل شيء.. وسيبقى إلى فترة طويلة ..
كاترين: أنت تؤمن بنظرية المؤامرة ..
زاهر: لا، هنالك وقائع، الأسباب التي شنت أمريكا من أجلها حربا مدمرة على العراق كانت واهية وباطلة، لا يوجد أسلحة دمار شامل، غير متعاون مع تنظيم القاعدة، لم يستخدم الأسلحة الكيماوية، أمريكا قالت هذا، لكن الإدارة الأمريكية قالت: كان صدام ينوي فعل كل هذا، نوايا إذن.. أنا لدي نوايا كثيرة، فهل أحاكم عليها ..
داعبته كاترين: هل هي نوايا مدمرة يا زاهر !!
نظر زاهر نظرة ود لكاترين، استقبلتها بسعادة، وقال في ما يشبه الهمس: بعضها مدمر، نعم ..
قالت جين مدعية أنها تداعب زاهر: نواياك إرهابية، لا تخرجي يا كاترين معه في المرة القادمة..
التقط أحمد إشارتين، الأولى كانت حين ألمحت جين أن زاهر لم ينم ليلة أمس، والثانية خروجه مع كاترين، كأنها توحي لأحمد أن زاهر معجب بكاترين، وتريد الفصل في تلك اللحظة، فهم أحمد هذا حين قالت له بغنج: ولكن لماذا تبعتني ذلك المساء يا أحمد ؟
أحمد: أنا آسف، أنا لا أتبع النساء، إذا أردت التعرف على امرأة أحدثها بشكل مباشر..
جين: لكنك سرت بسيارتك خلفي ثم انحرفت ..
أحمد: قد تكون صدفة ..
جين: هل تفعل هذا مع بنات بلدك أيضا، أعني، إذا أعجبت بامرأة تحدثها بشكل مباشر ..
أحمد: نعم ، ولم لا ..
جين: وماذا يكون ردهن ؟
أحمد: بعضهن تعتذر، وبعضهن توافق، وبعضهن تثور أعصابها، لكنني لست مع تعدد العلاقات..
ضحكت جين بلؤم: ومتى كانت أخر مرة وافقت فيها امرأة ..
أحمد: تريدين معرفة إن كنت على علاقة بإحداهن أم لا، أنا لست على علاقة بأحداهن حاليا يا جين..
دار حديث ثنائي خافت بين جين وأحمد، وبين كاترين وزاهر، كسر الحديث صوت مذيع قناة الجزيرة، التفت زاهر وأحمد دفعة واحدة، أعلن المذيع بأن إسرائيل قصفت مطار رفيق الحريري (مطار بيروت الدولي)، اشتعلت النيران بخزانات الوقود، وقصفت الطريق الدولي بين سوريا ولبنان، وإن حصيلة القتلى المدنيين وصل إلى سبعة وأربعين قتيلا، بينهم ثلاثة عشر شخصا من عائلة واحدة، بينهم بالغون وأطفال. وفي نبأ ثان، ذكر المذيع بأن الطيران الإسرائيلي قصف تلفزيون المنار التابع لحزب الله. ثم انتقل إلى عمليات الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، بعد خطف مسلحين لجندي إسرائيلي ..
لاحظت كاترين الاستياء على وجه زاهر، نهضت وأسرت له في أذنه: يمكنك المغادرة إن شئت.
احتجت جين على تلك الحركة، قالت مداعبة أحمد: هل تود أن أهمس لك في أذنك حتى يتحقق العدل..
أحمد: لا تتعبي نفسك..
اشار زاهر للعاملة الفلبينية أن تأتي بالفاتورة، تبادل أحمد وجين بطاقات العمل، أقسم أحمد أن يدفع الفاتورة، كان له ذلك، وتفرق الجمع، مع دعوات بأمسيات سعيدة !!


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق