الفصل الثاني عشر من رواية فتنة كارنيليان
أنور الخطيب
انتهى دوام زاهر في الساعة الثالثة عصرا، لم يشأ العودة إلى المنزل، ساعة واحدة لا تكفي لإيداع التعب في البيت، استغرب للمكان الذي ضربوا له فيه موعدا، اندهش للتوقيت أيضا، مباشرة بعد انتهاء العمل، كأنهم يريدونه منهكا غير قادر على التفكير، ويراهنون على أسئلتهم التي قد تزيده تشوشا.
مستشفى الطب النفسي، حيث يجد المجهدون راحتهم، حيث الحديث ينطلق دون مطبات. في طريقه إلى المكان، أقنع نفسه أن لجنة التحقيق ستضم طبيبا نفسيا، أمر غير متوقع على الإطلاق، إن مجرد العلم بذلك يشكل أزمة نفسية، استبعد زاهر الفكرة، لكنها بقيت محتملة.
وصل قبل الوقت، في الساعة الثالثة والنصف عصرا، أوقف سيارته بعيدا عن مدخل المستشفى، اشعل سيجارة، استعاد كل جلسات التحقيق التي تعرض لها، كل مقابلات العمل التي، حسب رأيه، لا تختلف عن التحقيق، وإلا ماذا يعني أن يطلب منك أحدهم طلبا عجيبا (حدثنا عن نفسك)، بينما السيرة الذاتية التفصيلية أمامه أو أمامهم، ويعتقد زاهر أنه أسخف طلب يمكن توجيهه لإنسان يمتلك من الخبرات والأفكار والقراءات، ما يجعل لجان المقابلات والتحقيقات، البقاء لساعات طويلة أمامه، لكنهم يتذرعون بالقول أنه اختبار شخصية، هل يجيد الكلام والنطق؟ هل يتحمل مشاكسة المدير؟ هل يعرف كيف يبتسم وقت الأزمات؟ هل يتحدث الانجليزية بطلاقة؟ إنها جلسة أقرب إلى جلسات الاعتراف أمام طبيب نفسي، يذهب الناس إليه طواعية ليتحدثوا بحرية.
يعرف زاهر ويدرك أن المقابلة التي ستتم بعد دقائق ليست مقابلة للحصول على وظيفة، ربما تكون مقابلة للخروج من الوظيفة، فبعد السؤال الأول، حدثنا عن نفسك، سيقاطعه المحققون بالسؤال عن الدراسة الجامعية، وحين تحضر إليه أجمل أيام حياته، وأجمل امرأة قابلها في عمره، يقاطعونه بسؤال حول انتمائه السياسي، وهل انخرط في دورات للتدريب على السلاح، ومع أي تنظيم...
قرر زاهر ألا يجهد نفسه في وضع سيناريوهات للمقابلة، أسوأ شيء سيكون مغادرة الدولة إلى دولة أخرى. كان زاهر يعتقد أن أماكن الغربة متشابهة، لكنه بعد إقامته في الإمارات اكتشف أنها ليست متشابهة على الإطلاق، أبو ظبي امتصت غربته، ربما لطول بقائه، ربما للحياة المنفتحة، ربما لأناسها الطيبين، وشعر أن الغربة الحقيقية ستكون في المغادرة الفعلية، فزاهر لا يعتاد الأماكن بسرعة، ولا يعتاد الشعوب أيضا بسرعة، يحتاج فصولا كي يتأقلم مع روائح التربة والرمال وهدوء البحار أو أعاصيرها، يحتاج زمنا كي يعرف للنوم مسارا هادئا.
استخلص أخيرا بأنه المسألة عادية جدا، إنسانة أصيبت بنوبة قلبية، التدخين والقهر والنبيذ والروبيان، تساوي أول أوكسيد الكربون والنيكوتين والدهنيات والكلسترول، معادلة واضحة ..
منذ زمن لم يدخل زاهر في تجربة المراقبة أو الرصد، شكر الله أن الوقت المتبقي على المقابلة قليل، وإلا سيبدأ برؤية الجماد يتحرك، والأشجار ترقص، والملامح تتشابه.
لم يلحظ زاهر دخول شخصيات رسمية أو استعدادات غير طبيعية، تساءل: أتراهم وصلوا في الساعة الثالثة؟
حين دلف زاهر من الباب الرئيس، استقبله شاب وسيم، لا هو بالغربي ولا بالشرقي، لا هو بالقصير ولا الطويل، لا هو مبتسم ولا عابس، لا هو نحيف ولا سمين، لا يوحي بالراحة ولا بالتوتر، لا يحب ولا يكره، شعر زاهر أنه أمام إنسان آلي. قابله الشاب مبتسما مرحبا، قاده عبر ممرات كثيرة، على جدرانها صور وإرشادات وتعليمات، أشعره أنه يحفظ المكان عن ظهر قلب، توقف عند باب مقفل، فتحه بسهولة، رجاه أن يدخل، وجد زاهر نفسه في غرفة واسعة، جدرانها بيضاء، عارية تماما، لا أثاث فيها، كرسي فقط يتوسط الغرفة، أمامه طاولة صغيرة جدا، عليها مطفأة تتسع لأعقاب ثلاثة سجائر، دعاه للجلوس، غادر الشاب، أقفل الباب خلفه، بقي زاهر في الداخل، أغمض عينيه قليلا، سحب شهيقا عميقا حتى امتلأت رئتاه، أطلق الهواء بهدوء وببطء، كرر ذلك خمس مرات، أدخل البياض كله في شرايينه كأنه موجات ضوء، رسم على جدران الغرفة بساتين من البرتقال، وحقول نرجس وشقائق نعمان وجداول مياه، رسم نسيما يهمس لأغصان الأشجار ويقبل أوراق الورد، وحين فتح عينيه جاءه صوت ظن زاهر أنه يأتي من كل الزوايا والسقف وأرضية الغرفة: هل انتهيت ؟
زاهر : لم أبدأ كي أنتهي ..
الصوت: كيف حالك يا زاهر؟
زاهر: الحمد لله.
الصوت: هل تمارس اليوغا ؟
زاهر: كلا ...
الصوت: ماذا كنت تفعل إذن؟
زاهر: شأن داخلي ..
ضحكت جدران الغرفة
الصوت: هل تجلس كثيرا في مركز المارينا ؟
زاهر: أحيانا..
الصوت: هل تشرب القهوة؟
زاهر: العربية فقط ..
الصوت: هل تتردد كثيرا على الهمنغواي كلوب؟
زاهر: حين أريد صوتا أعلى من صوتي ..
الصوت: هل يعجبك النبيذ ؟
زاهر: توقفت عن شربه منذ سنوات؟
الصوت: ولم، إنه يقوي الدم..
زاهر: مغشوش في معظم الأحيان..
ضحك سقف الغرفة
الصوت: هل تعجبك كاترين؟
زاهر: مثقفة ..
الصوت: وماذا أيضا؟
زاهر: منفتحة ومحبة للسلام..
الصوت: هل تشاهد التلفاز كثيرا ..
زاهر: الأخبار.. خاصة هذه الأيام ..
الصوت: ما هي مشاريعك الأدبية القادمة؟
زاهر: رواية ..
الصوت: هل يمكن التعرف على موضوعها؟
زاهر: أنا ..
الصوت: من أنت ؟
زاهر: تماما، كما تجدني في هذه الغرفة ..
الصوت: هل أنت منزعج؟
زاهر: دائما ..
الصوت: متشائم ؟
زاهر: كلا ...
الصوت: متفائل ؟
زاهر: كلا
الصوت: لماذا لم تتزوج حتى الآن ..
زاهر: حتى لا تمتلئ هذه الغرفة ..
ضحكت الأرض ..
الصوت: هل ستقابل كاترين هذا المساء ..
زاهر: لا بد من الجلوس إليها ..
صفقت الجدران والسقف والأرضية ..
الصوت: شكرا، ونأسف على إزعاجك..
زاهر: لا يوجد إزعاج ..
الصوت: ماذا يوجد إذن؟
زاهر: فصل آخر في رواية، تجربة أخرى ..
الصوت: تجربة مهمة؟
زاهر: نحن نعطي التجارب أهميتها ..
الصوت: نحن معجبون بإجاباتك، سنلتقي ذات يوم ..
زاهر: ....
الصوت: بإمكانك المغادرة، شكرا مرة ثانية ..
دخل الرجل ذاته، مبتسما كعادته، صافحه بحرارة، شكره لحضوره، قاده عبر الممرات ذاتها، ودعه عند باب المبنى الزهري، واختفى ..
وثب زاهر إلى سيارته، كانت الساعة تشير إلى الرابعة والنصف، لم يفكر بالمقابلة / التحقيق، لم ينظر إلى مدخل المستشفى، انطلق فورا ولكن بهدوء، قرر زاهر الذهاب إلى السينما، اختار فيلما مصريا كوميديا (الكتكوت) عمدا، ما يميز الممثل محمد سعد أنه يجسد الرسوم المتحركة في حركاته وأدائه، يغرق في المبالغة، يعيش دوره حتى الثمالة. ضحك زاهر أكثر من كل الحاضرين، ضحك للمشاهد التي لا تثير الضحك، انتهى الفيلم وهو يضحك، كتبت النهاية وهو يضحك، غادر المشاهدون مقاعدهم وبقي على مقعده يضحك، أدرك أنه وحيد في صالة السينما، حين نظر إلى المقاعد الفارغة ازدادت قهقهاته، تمنى لو يستطيع حجز كل مقاعد صالة السينما، يجلس على المقعد الأخير، يضع قدما على أول مقعد في يمين الصالة، والقدم الأخرى على أول مقعد على يسارها، ذكرته الصالة الفارغة بالغرفة الخالية، بالتحقيق، خيل إليه أن الأسئلة القادمة ستكون: هل تحب الكتكوت، هل تحب الضحك، هل أنت معجب بمحمد سعد، هل أنت مع الثأر، ولماذا تريد أن تجلس وحدك في صالة السينما؟ تخيل الصوت وهو يطرح الأسئلة وهو يضحك، سار في ممرات المارينا مول وهو يضحك، اتجه إلى ذات المقهى الذي قابل فيه كاترين، تلاشى ضحكه تدريجيا، كانت الساعة تشير إلى الساعة السابعة والنصف، وضع هاتفه وسجائره ومفاتيح سيارته على الطاولة، سمع صوتا يسأله باللغة الإنجليزية: هل بإمكاني استخدام هاتفك للحظات يا سيدي؟
أجابها: وهل ستدفعين؟
قالت: سأدفع، استعدت محفظتي وكل أوراقي الثبوتية ..
ضحكا، جلست كاترين، واصل هو الضحك حتى دمعت عيناه، دهشت للأمر، ما لبثت أن شاركته ضحكه، توقفا تدريجيا ..
كاترين: ما سر هذا الضحك يا زاهر .. ؟
زاهر: هذا ليس ضحكا يا عزيزتي، هذه نوبة ضحك، تشبه تماما النوبة القلبية، لكن الفرق بين النوبتين، أن الناس ينظرون إلى من يصاب بنوية الضحك على أنه مجنون أو على مشارفه، بينما يصفون من يصاب بنوبة قلبية بأنه مريض..
كاترين: وهل تصاب دائما بنوبات الضحك هذه؟
زاهر: هذه أول مرة، ربما بسبب ما مررت به اليوم ..
كاترين: وهل يمكنني معرفته ؟
زاهر: في مناسبة أخرى ..
كاترين: هل تدري، بغض النظر عن نوبة الضحك هذه، والتي أفهمها جيدا، إلا أن ضحكتك رائعة، وابتسامتك جذابة، هل يمكنني قول ذلك ؟
زاهر: قلت أكثر وفعلت أكثر، استئذانك يثير فيّ الضحك، فلا تستأذني مرة أخرى، وقولي ما شئت، هنالك حرية في التعبير يا عزيزتي، حرية في طرح الأسئلة، حرية في الأجوبة، حرية ..
كاترين: لا تشعرني بأنك غير طبيعي اليوم ..
عاد زاهر إلى جديته: بالله عليك، وإلهنا واحد، رغم أن إلهكم دللكم كثيرا، اذكري لي أمرا طبيعيا واحدا حدث أمامك اليوم؟
كاترين: معك حق، واصل الضحك إن شئت، ولكنني لا أستطيع مشاركتك، هل يمكنك مرافقتي إلى المحل الذي رأيت فيه عقد العقيق .. الكارنيليان ؟
زاهر: توقفي عن الاستئذان يا كاترين، أرافقك بالطبع، ولكن أخشى ألا تجدي العقد..
كاترين: ربما لا أجده، ولكنني لست ذاهبة بهدف شراء العقد..
في اللحظة التي قررا فيها المغادرة، اقتربت العاملة الفلبينية روز، تأسف لها زاهر، وعدها بالعودة خلال دقائق معدودات ..
اختارت كاترين حجر عقيق كبير الحجم، اخترقه خيط ثخين، تداخلت فيه درجات الأحمر (الكارنيليان)، دفعت ثمنه، خرجا من المحل، أخبرت زاهر بأن العقد الذي أسرها لم يعد موجودا، اشترته إحداهن أو أحدهم، وصلا المقهى، حضرت روز مسرعة، طلبا عصير ليمون لزاهر ونسكافيه بالحليب لكاترين. تأملها، ابتسم لها، سألها إن كانت تستعد للسفر!
كاترين: ما دعاك لقول هذا؟
زاهر: شراؤك للكارنيليان، هذا يعني أنك تستعدين للمغادرة..
كاترين: أولا، ليس من الصداقة أو الإنسانية أن أترك صديقتي وهي مريضة، ثانيا، لم أشتر الكارنيليان لنفسي وإنما لـ (جين)، قد يساعدها على استعادة طاقتها، رغم أن..
لم تكمل كاترين كلامها، ربما أرادت التعليق على طلبهم منها عدم البقاء إلى جانب صديقتها، ربما سمعت شيئا حول التحقيق، ربما حققوا معها هي أيضا، تذكر زاهر الأسئلة، أدرك أنهم فعلوها، وربما عاملوها كشاهدة ..
غرقت كاترين في حزن شديد، حاولت إخفاءه بابتسامة باردة، قالت: في الواقع لدي رغبة شديدة في العودة إلى بريطانيا، على الأقل قبل أن أصاب بنوبة قلبية، أو نوبة ضحك، لكنني لا أستطيع الآن، يجب أن أودعها، يحزنني أنني لا أستطيع وضع حجر الكارنيليان حول رقبتها، أنت تعلم بأنه يقوي الروح ويرفع المعنويات، ربما لا تؤمن جين بهذا، ولهذا كنت أود أن أمنحها من طاقتي وأنا أضعه حول رقبتها، أخشى ألا أتمكن من ذلك، تحولت غرفة جين إلى ما يشبه الحصن المنيع، حتى أنا يا زاهر لا أستطيع زيارتها إلا ضمن ترتيبات معينة، وأنا لا أريد أن يخضع هذا الكارنيليان للفحص، يجب أن يكون نظيفا من البصمات، لا بأس، لا بأس ...
زاهر: لقد قمت بواجبك، نقلتها إلى المستشفى رغم أنك غريبة هنا، وقضيت الليل إلى جانبها، وتحضرين لها الآن هذا الكارنيليان المسكون بالعفاريت والقوة، لست مسؤولة عن مرضها ..
كاترين: هل تعلم، أخشى أن يحملني أهلي السبب، فيقولون أنها اضطرت للسهر معي والترفيه عني، فزاد استهلاكها للشراب والسجائر والطعام وربما ممارسة الجنس، ومنعت نفسها من النوم فأصابها الإرهاق، واضطربت دقات قلبها ..
فضل زاهر الصمت، ألقى نظرة على مدخل مركز المارينا، شاهد امرأة تمشي بهدوء، تحيطها هالة حزن، وضعت قدمها على أول الدرج الكهربائي فابتلعها، وغابت عن أنظاره.. تذكر سطورا متفرقة من قصيدة للشاعر الفرنسي بودلير، فقالها باللغة العربية، مستعينا بترجمة حنا وجورجيت الطيار..
( عيناك الجميلتان متعبتان/ أيتها العاشقة المسكينة/ احتفظي بهما مغمضتين طويلاً/ في هذا الوضع الفاتر الذي فاجأتك عليه اللذة .. ) كاترين: ماذا تقول، لم أفهم العربية بعد..
زاهر: هذه أبيات للشاعر بودلير، من ديوان أزهار الشر، سأحاول ترجمتها لك ..
كاترين: هل تحفظ التكملة ...
زاهر: النافورة تثرثر في الفناء ولا تسكت/ لا في الليل ولا في النهار/ إنها تغذي بهدوء, النشوة التي أغرقني بها الحب هذا المساء ..
كاترين: وهل تشعر بالحب هذا المساء؟
زاهر: أشعر أنني في حاجة إلى الحب، حين قرأت عن حياة الشاعر بودلير، شعرت بأنني أشترك معه في أمر مهم جدا، البحث عن حنان الأم في الحبيبة، وجدته مرة، ولم أعثر عليه مرات ..
كاترين: حدثني عن بودلير ..
زاهر: أعلم أنك قرأت عنه، أكاد أجزم بذلك ..
كاترين: حدثني أرجوك ..
زاهر: كانت طفولته تعيسة، فضل التشرد على كل شيء، كان يبدد كل النقود التي يحصل عليها، كان يمنحها للنساء بشكل خاص، كان محط استغلالهن، سوى امرأة واحدة، ويا للصدفة اسمها جين ..
كاترين: جين ؟!
زاهر: نعم جين دوفال، كان يقول عنها: "إنها تضمد الجراح التي في عقلي.." كان بودلير يا عزيزتي يبحث عن حنان الأم في النساء، لكنه لم يجده على ما يبدو، وزادت معاناته حين تزوجت أمه للمرة الثانية من رجل عسكري قاس، كان بودلير في نظره مجرد إنسان بائس شاذ. لم تعد أمه إليه إلا وهو ممدد على سرير نهايته، لا يتحرك فيه سوى عينيه، كان يتمتم بكلمات مبهمة: (الدنيا تزداد شحوبا، إني أرتجف، أريد أن أنام.. )، ونام إلى الأبد، هل هذا ما أردت معرفته؟
كاترين: هل تعلم، حين يضع الشاعر عصارة روحه في أشعاره، ثم يأتي ناقد لا يرى من الأشياء سوى مظهرها، ويكيل إليه التهم، كانت التهم بحق بودلير عنيفة جدا، خاصة المقالة التي نشرت في جريدة لوفيغارو، والتي خيبت أمل بودلير كثيرا، اتهمته بالأباحية، والشذوذ والجنون، وبأن كلماته بذيئة ومقرفة، لكن يكفيه أن فيكتور هوجو أنصفه، فقد خاطبه قائلا: " لقد أحدثت بديوانك هذا زلزالا جديدا في سماء الفن والثقافة".
زاهر: هل تعلمين، في مثل هذا الشهر قبل مائة وخمسين عاما تقريبا، وجه المدعي العام تهمته لبودلير، وكانت نتيجة المحاكمة، تغريمه بمبلغ قدره ثلاثمائة فرنك، ومنع ديوانه من التداول بتهمة دعوته للإباحية .بينما حكم عليه بالبراءة من تهمة تنديده بالأعراف والقيم الدينية في نفس الديوان. كاد المدعي العام يود سجنه، لكنه لم ينجح..
كاترين: هل تعلم متى رفع الحظر عن ديوانه؟ كان ذلك في 31 مارس 1949، أي بعد حوالي مائة عام، هذا حدث في فرنسا الحرة، وذاك حدث في بريطانيا الديمقراطية،،
زاهر: ما رأيك بما تعرض له المفكر الفرنسي جيرودي؟
كاترين: بغض النظر عما كتبه جيرودي، أنا ضد مقارعة البحث العلمي بالسلطة، لقد كتب بحثا علميا، كان يجب أن يرد عليه خصومه ببحث علمي آخر، أليس كذلك ..
زاهر: هل حقا هذا رأيك ؟
كاترين: أنت مندهش بالتأكيد، وأعرف سبب اندهاشك، ولكن، ألم تسمع بالكاتب جون روز، وألم تقرأ عن فرقة يهودية تعتبر قيام دولة إسرائيل وبالا على اليهودية والعالم، أنا منهم، إذا أردنا أن نتحاور، ويفتح العالم عقله على الحب والسلام، لنبدأ من هنا، من أنه من المستحيل أن تعيش دولة تستند إلى عقيدتها، بينما كانت محصلة التاريخ وجود كثير من المسلمين والمسيحيين في فلسطين.. أعترف بأن اليهود كانوا قلة، وأكرر معك أنه لو بدأ كل فرد في البحث عن أصله ونسبه وحقوقه الدينية والتاريخية، لتبدلت خارطة العالم الديمغرافية والثقافية والعرقية، ولوجدنا أقواما عديدين يتحدثون لغات عديدة في كل كيلومتر مربع ..
صمت زاهر ثم ردد مقطعا من قصيدة لبودلير: ( ما همني أن تكوني حكيمة عاقلة/ أريدك جميلة حزينة/ فالدموع تضفي على الوجه/ السحر الذي يخلعه النهر على الطبيعة/ كالعاصفة تجدِّد شباب الأزهار/ أحبك عندما يهرب الفرح من جبينك المُرتاع/ وعندما يغرق قلبك في الرُّعب/ وعندما تنتشر على حاضرك/ غيوم ماضيك المثقل بالخطيئة/ أحبك عندما تذرف عيناك الواسعتان/ دمعاً ساخناً كأنه الدم .. )
كاترين بعد سماعها لترجمة بالإنجليزية: كأنك تخاطبني ..
زاهر: ليس تماما، بودلير يبجل الدمع لدوره في تطهير النفس ..
كاترين: وأنا أحتاج لهذا الدمع أحيانا ..
زاهر: وهل غيوم ماضيك مثقلة بالخطيئة؟
كاترين: لا تعزف على وتر آخر، كأنك لا تصدقني ..
زاهر: بل أصدقك ..
كاترين: وهل تصدق أنني أرغب في توسد صدرك؟
زاهر: يبدو أنك خضعت للتحقيق ..
رن هاتف زاهر، ظهر اسم أحمد: مرحبا أحمد ..
جاءه صوت أحمد وهو في سيارته: هل تتردد دائما على قصر الإمارات؟ هل تحب تناول القريدس؟ لماذا ترتدي البنطلون والقميص أحيانا؟ كم ساعة تنام في النهار؟ لماذا لم تتزوج حتى الآن؟ ما هي آخر مشاريعك البحثية؟ هل تهوى القنص بالصقور، لماذا لا تطلق لحيتك ؟
كان أحمد يغضب ساعة ويضحك أخرى، وزاهر يهون عليه، استمر أحمد في طرح الأسئلة: هل تحب النساء الأوروبيات؟ النحيفات أو السمينات، ذوات الصدور العارمة أم الصدور الصغيرة؟ هل تحب القهوة التركية، هل تتردد على لابريوش كثيرا ؟ ما هي آخر قصائدك ؟
زاهر: أنت في حاجة ماسة إلى (الكتكوت ..)
أحمد: هل ترافقني؟
زاهر: أنا مع كاترين حاليا ..
ضحك أحمد ضحكة عالية، استمر يقهقه كأنه ثمل، وقال: وأنا أقود سيارتي بسرعة مائة وسبعين كيلومترا في الساعة باتجاه مدينة العين، بعد قليل سأنحرف إلى الصحراء، هل تصحبني ..؟
زاهر: أنا وكاترين؟
أحمد: أنت وكاترين وكل العالم، تعالوا إلى الصحراء، أنا في انتظاركم، تعالوا، سألقي عليكم خطبة الفراغ والليل والخيل والبيداء لا تعرفني.. قهقه مرة أخرى، واقفل الهاتف ..
أرسل له رسالة هاتفية: سلم على الصحراء، ولكن عد بأمان ..
زاهر: هذا أحمد، أصيب بنوبة ضحك، وذهب للصحراء ليداوي نفسه ..
كاترين: ما رأيك لو نتبعه؟
زاهر: سيارتي لا تسير بالدفع الرباعي، حتى لو كانت كذلك، فأنا لم يسبق لي السير في الصحراء باستثناء مرة واحدة، أخذتني امرأة بدوية خارج المدينة، وكان الأمر مدهشا ..
كاترين: هل تمانع لو طلبت منك تغيير المكان، فكرة الصحراء جعلتني أشعر بحاجتي لمدى واسع..
وافق زاهر فورا، دفع الحساب لروز، خلال دقائق كانا في السيارة، خلال دقائق أخرى، كانا على الطريق السريع خارج المدينة، بعد عشرين دقيقة انحرف زاهر يسارا، بدا الشارع مستقيما وطويلا ومضاء، على جانبيه عتمة يبعثرها ضوء قمر مكتمل، عكس نوره على بعض التلال فظهرت تكوينات وأشكال يلفها غموض أليف.
كاترين: حدثني عن تلك المرأة البدوية ..
زاهر: المرأة البدوية مثل هذه الكثبان الرملية تحت ضوء القمر، فيها غموض أليف، والفة غامضة، بالقدر الذي كنت اشعر أنني كنت أدخل عالمها، كنت أشعر بالقدر نفسه، أحيانا، أنني على حوافه، كانت ذكية إلى درجة الإرباك، النظر إليها دخول في المجهول اللذيذ، والارتماء في أحضانها حفلة عطر مسكرة، كانت شاعرة، هذا المكان يهيج الشعر لديها، كانت تقول لي: لا أريد من الدنيا غير وجودك وهذه الصحراء .. وتنشد الشعر الشعبي. كنت معظم الوقت في حالة إصغاء، أعقب بجمل قليلة، كانت ترى كلماتي فلسفة تستفز أفكارها، قالت لي بأنها دائمة القدوم إلى هذا المكان، حيث كل شيء يعود إلى أصله. طلبت مني أن أوقف مكيف السيارة، وأقلل سرعتها، وأفتح النوافذ، هل تعلمين يا كاترين، دخل هواء صاف، لم يكن باردا ولا حارا، لكنه كان خفيفا ومنعشا، كأن حبيبات الرمل الناعمة عملت على تصفيته، دخلنا إلى منطقة رملها صلب، ووقفنا داخل الصحراء .. وترجلنا ..
كاترين: هل عانقتها في هذه الصحراء عناقا حرا ..
زاهر: نزلنا من السيارة، ابتعدنا عنها، بدت المرأة وكأنها تسير في حديقة بيتها، وقفنا، طلبت مني الاستماع للصحراء، للأصوات البعيدة القريبة، لحديث القمر مع الكثبان الرملية، لم أعانقها، وقفنا متجاورين، شعرت أننا وحدنا في هذا العالم، وثمة ما يجذبنا للدخول أكثر، لكننا لم نفعل، مشينا يدا بيد، للصحراء حياء يفرضه وضوحها، منبسطة كجبين طفل، متعرجة كوجه امرأة مسنة، أدركت حينها مصدر الحكمة، ومعنى العشق، بل أدركت أيضا معنى الموت والغياب ..
كاترين: وأنا الآن أدرك معنى التيه ..
سحبت كاترين حجر الكارنيليان من حقيبتها، وضعته في راحة كفها، عانقت أسراره ضوء القمر، بدأ الحجر يتلون، عينا كاترين تحملقان به، اخترقته، تراءت لها جموع تائهين في الصحراء، بحر ينشق، غيوم حمراء سوداء تلبد السماء، رعد يخترق الآذان، مطر حار يلسع وجوه الجموع، ثم انقشاع وانفراج وصمت وعزلة شديدة، قوم داخل مكان يحيطه سور يرتفع ليلامس الغيم الأبيض، وقرقعة حرب .. قبضت كاترين على حجر الكارنيليان، أغمضت عينيها لثوان ثم فتحتهما، كان وجه زاهر يعانق المدى الساحر، يحاكي القوافل القديمة والرايات، وصوت أحمد وهو يردد أشعار أبي الطيب المتنبي، وصورته وهو يود أن يخطب بالفراغ والخيل والليل والبيداء ..
فجأة، ركضت كاترين، كالأطفال الذين تأخروا عن اللحاق بأهليهم، وحين لم تتوقف تبعها زاهر، ظلت تركض حتى وصلت تلة، صعدتها إلى نصفها، رمت جسدها فوق الرمل المعجون بضوء القمر، استلقت على ظهرها، وصلها زاهر، وفجأة وجد نفسه مستلقيا على جانبه بقربها، ينظر في وجهها، أقفلت عينيها: ( قبلني .. قبلني .. عانقني.. أكاد أموت ..). وضع زاهر كفه على يدها التي كانت على بطنها، نقلها إلى شعرها، مسد جبينها، قرب فمه من فمها، في تلك اللحظة سمع حركة في المكان، استنفرت كل حواسه، مسح المكان بعينيه، كانت ناقة تنظر نحوهما بعنين لامعتين، تحركت بعدها باتجاه أضواء الشارع التي لم تكن بعيدة، أخبر كاترين أنه من الأفضل العودة إلى السيارة ومغادرة المكان بسرعة..
كاترين: لا تعطل علي متعتي، إنها أعظم تجربة تمر في حياتي، عانقني لدقيقة واحدة فقط، سأسجل هذه اللحظة في تاريخي.
مد زاهر يده طالبا منها النهوض: المكان مسكون يا كاترين، رأيت ناقة هناك..
كاترين: لا أرى شيئا ..
زاهر: إنني أراها، إنها تبتعد ببطئ
كاترين: سيعود المكان لنا ..
نظر زاهر إلى الناقة، لم يكد يلحظها حتى اختفت: ( اختفت الناقة يا كاترين .. )
كانت كاترين لا تزال تمسك بحجر الكارنيليان، تشد عليه بقبضتها، شدت أكثر حين أخبرها باختفاء الناقة، نهضت، فتحت يدها مرة أخرى، شاهدت شكل ناقة داخل الحجر، أعادته إلى حقيبتها: دعنا نعود ..
أمسك بيدها، مشت كاترين بقلب ينتفض، وصلا السيارة، واجهته قبل أن يدخلا، قالت له بصوت هادئ هامس: أنا مذعورة وخائفة وتائهة ألا تهدئ من روعي؟
زاهر: وماذا لو ظهرت الناقة ثانية، صافحي الصحراء بجبينك، خذي شهيقا عميقا، أدخلي ضوء القمر إلى رئتيك وشرايينك وأطرافك ..
فعلت كاترين، دخلا السيارة بهدوء، خرجا من الصحراء، وقبل أن تلامس عجلات السيارة الشارع الإسفلتي المضاء، ظهرت الناقة من جديد ثم اختفت: صرخت كاترين: الناقة، إني أراها..
هواء الطريق إلى المدينة لم يكن منعشا وباردا، ظلت كاترين حبيسة تساؤل عن سر تردد زاهر في تقبيلها واحتضانها، ظلت تفكر بالمكان المأهول والناقة التي ظهرت في الصحراء، حجر الكارنيليان، بانطلاقتها المفاجئة فوق الرمال واستلقائها على منتصف التلة، لكن السؤال الأكثر حيرة، والذي ظل يدور في رأسها هو تردد زاهر في تقبيلها. فكرت في أن تسأله أو تعاتبه، لكنها أحجمت، نظرت إلى صمته وهو يقود سيارته بهدوء في شارع مستقيم خالته بلا نهاية، لكن الطائرات المقلعة والهابطة من وإلى مطار أبو ظبي أشعرتها باقترابها من المدينة، ومن حركة الحياة من جديد. لم ينظر إليها زاهر، طلبت أن تسمع شيئا من الموسيقى، لكنه فاجأها بسؤاله: ماذا رأيت في حجر الكارنيليان حين رفعته في الصحراء؟
- وهل ستتقبل رؤيتي؟
- ليس بالضرورة، لمجرد العلم، هي رؤية خاصة بك؟
- رأيت جموعا تائهة في الصحراء، ثم رأيت نفس الجموع في مكان محاط بأسوار تلامس الغيوم.
- ألم ينتهي التيه بعد ؟
- هل سمعت بجماعة أنطوري كارتا؟
- كلا ..
- يبلغ عددهم حوالي نصف مليون يهودي خارج إسرائيل أو فلسطين كما تشاء، يؤمنون بأن إسرائيل انحرفت عن الوصايا الثلاثة للرب بعد خروجهم من المنفى، والوصايا هي: ألا يؤذوا الآخرين، وألا يحتلوا أرض إسرائيل بالقوة، وثالثا ألا يتعجلوا الأمور. أنا متأكدة بأنك قرأت قصة موسى، وقصة الأربعين سنة ..
- وقرأت ما فعله نبوخذ نصر في بابل، وحروبهم مع المسلمين في شبه الجزيرة العربية.. كاترين: قد يكون هذا في التاريخ البعيد، لكن الملك إدوار الأول طردهم من بريطانيا في العالم 1320، وطردوا من المجر في العام 1360، ومن هولندا عام 1444، ومن إسبانيا عام 1492، كان ذلك مباشرة بعد سقوط الدولة الإسلامية هناك، وبعضهم هاجر مع المسلمين، وطردوا من ألمانيا عام 1515 ومن إيطاليا عام 1540، ولم تسمح السويد بدخولهم إلا عام 1782، والنرويج عام 1814، وتعرضوا لقتل كثير في روسيا وبولونيا بين عامي 1881 و1882، حتى وجدوا أنفسهم داخل أسوار عالية جدا، وها هو جدار الفصل يؤكد هذا الكلام، آسفة أن أكون كالمحاضرة في الموضوع..
- أنت تحفظين التواريخ بشكل جيد ..
لم تجب كاترين ..
- ألهذا يشردون الشعوب الأخرى ويبعثون بهم إلى التيه والشتات ..
كاترين: أشعر كأنك تحاكمهم الآن في هذه الصحراء التي كان بعضهم فيها ذات يوم وأخرجو لسوء أفعالهم..
- لسنا في محاكمة، لكن للتاريخ لغة قد لا يفهمها الإنسان، الذي يعتقد أنه يصنع التاريخ ..
- ربما تقصد القدر، و ليس التاريخ ..
- هل سمعت بالحاخام موسى فريدمان، رئيس الجمعية اليهودية الأرثوذوكسية في النمسا؟
- فريدمان يقول بأن حل مشكلات العالم تكون بزوال الصهيونية، أعرف كل هذه المعلومات ..
وصلا المدينة، كانت الساعة تشير إلى ما بعد منتصف الليل بقليل ..
- هل ستتركني أبيت وحدي في شقة جين؟
- لست أدري، كما تشائين، لكن الوقت تأخر، وغدا يوم عمل..
- هل أفهم من كلامك أنك ترفض استضافتي في شقتك هذه الليلة؟
- لا أدري ..
- لا تخشى شيئا، سأدعك تنام، أريد أن أشعر أنني لست وحيدة هنا ..
لم يجب زاهر ..
- لماذا لم تعانقني في الصحراء، كنت في أمس الحاجة إلى الاحتواء ..
- لا أدري ..
- أنت تدري، لكنك تحجم عن القول ..
ساد صمت استمر حتى توقفت السيارة، نظرت كاترين حولها، رأت المسجد ومواقف السيارات، ابتسمت، قربت وجهها من زاهر وقبلته: شكرا لأنك ستستضيفني هذه الليلة..
- ألا ترغبين في إحضار بعض ملابسك من شقة جين ؟
- لديك دشداشة جميلة، وروب أجمل ..
- فعلا، أنا في حاجة إلى حمام ساخن بعد هذا النهار الطويل ..
قبل أن يغادرا السيارة، رن هاتف زاهر وظهر رقم أحمد، ثم صوته: هل وصلت الشقة، إذن أنا قادم إليك خلال عشرين دقيقة..
لم ينتظر رد زاهر ..
هجمت جحافل وجوم على وجه كاترين حين علمت بقدومه. كانت فرحة تحلم بحمام منعش، وباستلقاء حر على الأريكة، وباستمتاعها وهي تلمس نظرات زاهر على نهديها وساقيها، وبإحساس الأميرات وهو يتأمل وجهها بلغة شاعر.. لكن حلمها سقط على أرض رغبة أحمد في الحضور، وربما المبيت، وربما أشياء أخرى، هذه الأشياء الأخرى أرعبتها ..
طلب منها زاهر أن تدخل هي أولا لتستحم، نزولا عند رغبتها التي أبدتها وهما في طريقهما إلى الشقة، ، لكنها تراجعت، طلبت منه بصوت متوتر أن يستحم هو أولا، حتى يستطيع الجلوس مع صديقه أحمد، الذي وعد بوصوله خلال ثلث ساعة..
استدعت كاترين حلمها الذي استيقظت بعده على قلب جين المريض، وقبله جنون زاهر وهو يعاشرها ويصهل كخيل جامحة، استعادت الجلسة التي جمعتهما الأربعة في الكافتيريا، اقتناصها لنظرات أحمد الفاضحة، هكذا استقبلتها، وعللت عدم رغبته بـ جين بانتظار فرصة ينقض فيها عليها. اقتحمتها فكرة جعلت ركبتيها واهنتين ترتعشان، فكرة أن يتناوب عليها زاهر وأحمد اغتصابا بعد أن تعرضا للتحقيق، وتفاعلا مع نتائجه بعبث، بضحك هستيري، ذاك الضحك الذي يتبعه الغضب والانتقام أو البكاء، لكن أحدا منهما لم يبك، إنه الانتقام إذن، وقد قرأت قصصا تتحدث عن شراسة العربي في ممارسة الجنس، تخيلت جسدها قطعة لحم يتقاذفها الصديقان ..
فكرت كاترين بالهرب، قررت، بدأت تتفقد أجواء الشقة، استرقت السمع من خلف باب الحمام، جاءها صوت الماء المتدفق على جسد زاهر، تخيلت عريه، أغمضت عينيها، استعذبت الصورة التي رسمتها، تذكرت وجهه الذي لم يكن يفصله عن وجهها في الصحراء سوى خطوة شفتين، وتردده في تقبيلها، بل بقراره الداخلي بعدم تقبيلها، ورفضه احتضانها بالقرب من السيارة، توصلت إلى قناعة إلى أن زاهر لا يمكن أن يفعلها ويغدر بها، كانت أمامه فرصة حتى لقتلها في الصحراء، أن يعبث بها كما يشاء، لكنه لم يفعل، تذكرت أنه لامس يدها وشعرها، لولا تلك الناقة..
بعد دقائق قليلة من قرارها بالبقاء، واستلقائها على الأريكة، قرع جرس الباب، ثم طرقات متعجلة، رغم قناعتها أصيبت بالرعب، أنقذها خروج زاهر من الحمام في تلك اللحظة، وتوجهه مسرعا وهو يرتدي الروب لفتح الباب، سمعت ضحكات أحمد، وحديثا سريعا وهامسا قرب الباب، ظنت أنهما يتآمران عليها، ويمنيان نفسيهما بوليمة.
دخل أحمد الصالون، ارتبك لوجود كاترين، نظر إلى زاهر معاتبا وهو يرتدي الروب، ظن أن في الأمر اقتحام خصوصية ما، تاسف واعتذر لأنه لم يكن يعلم ..
- لا تتاسف أنت في بيتك، امنحوني خمس دقائق فقط لأرتدي ملابسي ..
جلس أحمد مرتبكا في مواجهة كاترين، تعلو وجهه ابتسامة غامضة: تاسف مرة ثانية: ( صدقيني لم أكن أعلم بوجودك هنا، لو كنت أعلم لما .. )
- كما قال لك أحمد: أنت في بيتك، على الأقل نطمئن عليك بعد عودتك من الصحراء، نحن أيضا ذهبنا إلى الصحراء، يمكنك القول بأننا لامسنا طرفها ..
أحمد: لم يخبرني زاهر بذلك، هذه خيانة، هل وقف على كثيب رملي وألقى خطبة عصماء ؟
كاترين: بل أنا التي وقفت، شعرت بحاجة ماسة لفضاء وهدوء، الصحراء تعني لنا الشيء الكثير، نبشت أفكارا وذكريات عمرها ألاف السنين، وبدلا من التخلص من الأعباء والذاكرة، عدنا برؤوس ثقيلة، لكن الحديث مع زاهر ومرافقته متعة لا يمكن تفويتها ..
اقتحم زاهر حوارهما باللغة الإنجليزية: قراراتك سريعة تشبه قيادتك للسيارة، لكنك لا تفكر برغبات الآخرين الجائعين الذين لم يتناولوا طعاما منذ الصباح ...
التقط أحمد هاتفه : حتى أنا أشعر بالجوع، أنتم مدعوون للعشاء، ماذا تريدون، هل نطلب سمكا وسلطة روبيان، لا لا ، كل شيء إلا الروبيان، هل نطلب البيتزا، ما رأيكم بالمكبوس أو البرياني بالدجاج .. لا تحيروني ..
لا تزال كاترين تحت وطأة الخوف والشك رغم إبداء أحمد لنواياه وتصرفه بخجل، حاولت التصرف وكأنها في بريطانيا مع أصدقائها: لنطلب البيتزا بالدجاج وخبز الثوم وبيبسي كبيرة الحجم ..
أحمد: باختصار، وجبة لثلاثة اشخاص ..
جلس الثلاثة في صمت، لا أحد ينظر للآخر بشكل مباشر، إلا أن كل واحد كان يراقب الآخرين بحدسه وإحساسه، خاصة كاترين، التي نجحت قليلا في استعادة ثقتها، ما لبثت أن خسرتها حين سألها زاهر: ألا تستحمين، كنت تحلمين بحمام منعش، لا تخجلي، أحمد مثل أخي، إنه أخي ؟
كانت كاترين قد قرأت في إحدى المقالات عن قدرة العرب الفائقة على إخفاء نواياهم، ترددت كثيرا قبل موافقتها، نهضت مباشرة إلى الحمام، أقفلته بإحكام، لم تخلع ملابسها، لكنها فتحت الدوش موهمة الآخرين بأنها تستحم، قربت أذنها من ثقب المفتاح لتسمع ما يدور بين الصديقين، لكن صوت مذيع التلفزيون كان أعلى، لا شك أنهما يشاهدان نشرة الأخبار، هكذا أقنعت نفسها، بدأت تتعرى بهدوء، وقبل أن تضع ساقها في المغطس، فكرت: (كيف كنت سأفهم ما يدور بينهما وهما يتحدثان باللغة العربية .. )، نظرت إلى حيث كان الماء يتساقط غزيرا، جسد زاهر حضر كما تخيلته قبل دقائق، تراءى لها وهو يمد يده نحوها، لتدخل معه تحت الماء، تلقي برأسها على صدره وكتفه، والماء يغسلهما من كل شيء، يعجن عناصر تكوينهما مرة ثانية ويعيد تشكيلها من جديد، يعيد السنوات إلى الوراء كثيرا. جلست على حافة المغطس، لم تندم على مجيئها، لم تشعر أنها في ورطة، شعرت أنها تعيش واقعا مختلفا، حقيقة طالما كانت في مخيلتها، مأزقا فكريا وتاريخيا ينغص عليها انسجامها، فجأة داهمها سؤال : هل يمكن لزاهر أن يتزوجني؟ نهضت لتقف تحت مرش الماء، غسلت السؤال من رأسها، قررت الاستمتاع بالحمام وكأنها وحيدة في الشقة، أو أن زاهر ينتظرها وحده في الخارج، أملت نفسها بمغادرة أحمد سريعا حتى تعود إلى طبيعتها، حتى يتوقف قلبها عن الارتجاف، لا شك أنه سيتناول البيتزا ويغادر ..
كان أحمد وزاهر تحت وطأة سيل الأخبار المنهمر: محاصرة بنت جبيل، سقوط تسعة جنود لبنانيين بغارات جوية، قصف مرفأ بيروت، إسقاط طائرة مروحية إسرائيلية، إطلاق صواريخ على حيفا وجرح ستة إسرائيليين، سقوط عشرات المدنيين في أماكن مختلفة من لبنان، إيهود أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي يطرح ثلاثة شروط لوقف اطلاق النار: تحرير الجنديين الإسرائيليين الأسيرين، ووقف اطلاق الصواريخ، وتطبيق قرار مجلس الامن الدولي رقم 1559 .
أحمد: ألن تنتهي هذه الحرب، الناس يموتون، والبنية التحتية تتعرض للدمار، شوارع وجسور وبيوت وبنايات تسقط على أصحابها وساكنيها..
زاهر: يبدو أنها البداية، يسترنا الله من العواقب، المقاومة صامدة حتى الآن، ويبدو أنهم حسبوا حساب كل شيء، هذا واضح من التكتيك العسكري ..
أحمد: لماذا لم تقل لي بأن كاترين تزورك..
زاهر: يبدو أنها ستبيت الليلة، ليست مجرد زيارة، تخشى الوحدة في شقة جين، وهي غريبة هنا، أصدقك القول، هذه المرة الثانية التي ستبيت هنا، ولكن صدقني، لم يحدث أي شيء بيننا على الإطلاق..
أحمد: قل بصراحة، ألم تنجذب نحوها ؟
زاهر: إنها مغرية وجذابة في كل شيء، حديثها، ثقافتها، جسدها، والأهم من ذلك مواقفها، لكن ثمة هوة بيننا، تحاول هي ردمها، ربما لأنها لم تعش في فلسطين المحتلة، ولا تتابع ما حدث لنا على مدى ستة عقود، هنالك أمر لا أستطيع التغلب عليه..
أحمد: ارتبكت كاترين عندما حضرت، رأيت الرعب في عينيها، هل تعتقد بأنها ظنت...
زاهر: ربما، عقليتهم لا تطمئن لأحد إلا نادرا .. وكامرأة، يزيد حذرها، لو كانت رجلا لاختلف الوضع، ليس هنالك ما يدافع عنه سوى حياته ..
أحمد: كيف كانت الرحلة الصحراوية ؟
زاهر: كانت مثيرة إلى درجة لا تصدق، امتزج السحر بالخيال بالحاضر بالتاريخ، حين ركضت كاترين في الصحرا، تبعتها، لم أكن أعلم دوافعها، ربما كانت تطارد شيئا رأته في حجر الكارنيليان، استلقت على ظهرها في منتصف تلة صغيرة، ولمع تكور نهديها تحت أشعة القمر، وجدت نفسي قريبا من وجهها حتى أنني شعرت بأنفاسها، طلبت مني أن أقبلها، رغبت في تقبيلها، في اللحظة التي اقتربت شفتاي من شفتيها، في تلك اللحظة مرت ناقة، كانت جميلة إلى درجة أخافتني، نظراتها إلينا لم تكن نظرات حيوان تائه أو يعبر باتجاه معين، اختفت الناقة بعدها، ما جعلني أطلب من كاترين النهوض والعودة من حيث أتينا، شعرت بأننا تطفلنا على مكان ليس لنا..
أحمد: وهل كانت الناقة جنية، على سبيل المثال؟
زاهر: ألا تعني لك الناقة شيئا سوى أنها جنية، رأيتها وحدي في المرة الأولى، وقالت كاترين أنها شاهدتها ونحن نخرج إلى الشارع الرئيس...
أحمد: اسمع يا زاهر، يجب أن أغادر قبل أن تخرج كاترين من الحمام، وادفع أنت ثمن البيتزا يا صديقي، يعينك الله ..
زاهر: سأدفع أنا، ولكن عليك البقاء، من سيحضر لك العشاء في هذه اللحظة، الطباخة نائمة ..
أنهى أحمد النقاش مع زاهر بقرار حاسم، يجب أن يغادر، نهض وهو يمازحه ويوصيه بالاهتمام بكاترين. في اللحظة التي كان يهم فيها بالخروج، خرجت كاترين من الحمام، ترتدي كل ملابسها، وعلى رأسها فوطة بيضاء، طلبت من أحمد أن يبقى، حاول الاعتذار لكنها رجته فاستجاب، استأذنت لتنشيف شعرها، عادت بعد دقائق قليلة، وجدت الصديقين يشاهدان التلفزيون ..
كاترين: ألا تملان من مشاهدة التلفزيون ؟
زاهر: قد يدهشك الأمر، أحيانا أبقى حتى الصباح لمتابعة ما يجري، حرب كبيرة، وتصريحات أكبر..
أحمد: ماذا تعني ..
زاهر: أعني تصريحات كونداليزا رايس، وزيرة الخارجية الأمريكية، وحديثها عن شرق أوسط جديد بدأت تتضح ملامحه..ربما اعتقدت بأن ساعة هزيمة المقاومة قد أزفت، وإن المنطقة ستكون خالية من التنظيمات المسلحة، خاصة إذا ما تم تطبيق القرار 1559 .. لكن الأمر في غاية التعقيد، إنه أكبر من نظرية تطرح في مؤتمر صحفي، وأمنيات تطلق من عواصم عربية أو شرق أوسطية ..
كاترين: هل يمكن أن أتطفل وأقول رأيي، رغم أنني خارجة لتوي من حمام منعش، لا بأس، ورغم أنني أمقت السياسة، إلا أنني مجبرة على تعاطيها، مثلكما بالضبط، لا تزعل يا أحمد، أود القول بأن الفوضى البناءة التي يطرحها الرئيس الأمريكي بوش هي الهدف الكبير، شرق أوسط تقطع الفوضى أوصاله، وأكاد أزعم أنه يتمنى أن تحدث الفوضى في إسرائيل أيضا.. وحسب تحليلي المتواضع، فإن السياسة الأمريكية تريد شرق أوسط يضج بالتناقضات، حتى تبقى صاحبة الكلمة العليا ..
أحمد: هل تعنين بأن بوش لا يرغب في تطبيق سياسة الدولتين، دولة فلسطينية ودولة إسرائيلية؟
كاترين: لا أعتقد، لأن السلام خطر على الإسرائيليين، هل تعلم ماذا يعني وجود دولة تسمى إسرائيل، وتربطها اتفاقيات مع الدول العربية المحيطة بها، ووجود دولة فلسطينية، واختفاء المشاكل؟ بكل وضوح، يعني ظهور تناقضات المجتمع الإسرائيلي على السطح، ولا أستغرب نشوب حرب أهلية ..
زاهر: أذكر أنه عندما قررت الحكومة الإسرائيلية الانفصال عن قطاع غزة والضفة، نشب حوار ساخن بين الأطراف، بل تحدث كثيرون عن احتمال نشوب حرب أهلية، ومن بينهم وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك سيلفان شالوم الذي قال في مقابلة اجرتها معه صحيفة «معاريف»، أنه لا يستبعد وقوع حرب أهلية في إسرائيل، على خلفية اخلاء مستوطنات في اطار الفصل.
كاترين: القضية أكبر من تصريح شالوم، أو اختلاف بين السياسيين ورجال الدين اليهود حول خطة الفصل، اسمحوا لي أن أتحدث قليلا عن الطوائف والفرق اليهودية، لا أدري إن كنتم تسمعون بها أو ببعضها ..
أحمد: أنا أعرف القليل ..
زاهر: تكلمي براحتك ..
كاترين: سأتحدث باختصار، هنالك جماعة (الشوميرونيم)، ويُطلقون على أنفسهم " بنو اسرائيل" ويقولون بأنهم من سلالة السامرة، الذين لم يرحلوا عن فلسطين بعد تدمير المملكة عام(722ق.م)، وعددهم لا يزيد على 620 نسمة ، يعيش أكثر من نصفهم في نابلس مع الفلسطينيين،وتعاملهم إسرائيل كما تعامل الفلسطينيين. وهناك (الفروشيم)، و يمثلون غالبية اليهود، يشكلون عصب حزب الليكود وهم أكثر اليهود تطرفا. وهناك (الأبيونيين)، ويتفقون مع المسلمين بأن عيسى لم يصلب، ورفعه الله إليه، وهناك (الدونمة)، وتعيش هذه الفرقة في تركيا ويرفض أتباعها العودة إلى إسرائيل، وهناك (الريفوريست)، ويرى أعضاؤها بأن اليهودية دين وليست جنسية، والغريب أن هذه الحركة نشأت في ألمانيا، الدولة التي يفترض أنها قامت بحرق اليهود في أفرانها، وينتشر أتباعها الذين يتجاوزن المليونين في أمريكا وروسيا وأوكرانيا، وهناك (المحافظون)، ويقفون موقفا وسطا بين اليهودية الأرثوذوكسية والإصلاحيين، حتى أنهم عينوا امرأة في منصب حاخام، وهذه الحركة مرفوضة من قبل اليهود المتشددين، ولكنها تدعم الصهيونية. وهناك (اليهودية الأرثوذوكسية)، وهذه الفرقة أو المذهب تسيطر على الحياة الدينية في إسرائيل. وهناك (الحسيديم)، وهي حركة صوفية، وهناك فرق اندثرت مثل الصدوقيون، و القناؤون والإسيين.
أوقف جرس الباب المعلومات التي بدت كاترين تحفظها عن ظهر قلب، نهض زاهر، استلم البيتزا، دفع الثمن، وعاد ليرتبها على الطاولة: حضرت البيتزا مع الحرب الأهلية ..
أحمد: انظر إلى شكل البيتزا، كأنها تعرضت لحرب أهلية ..
زاهر: توقف عن هذا الوصف، لا تعطل شهيتنا ..
كاترين: فعل الأفران أكثر من فعل الحرب الأهلية ..
صمت الجميع، تعكر مزاج زاهر قليلا، ظهر الانزعاج على ملامح وجهه، اعتقد أن كاترين تلمح لأفران الغاز التي يقول الإسرائيليون أن هتلر حرق اليهود بداخلها، لم يصبر ووجه كلامه لكاترين: هل تقصدين أفران النازية ..
كاترين: بالطبع لا، يبدو أنني أسأت التعبير، أقصد أفران البيتزا، وما تفعله بالعجين والجبنة والبصل والسلامي وغيرها ..
رغم توضيح كاترين، إلا أن زاهر شعر بالريبة والنفور، اعتقد بأنها تمادت في التلميح، اندمجت في حديثها عن اليهود، وإنها تظن بأن الساحة باتت مفتوحة لتقديم أفكارها بشكل مباشر، طالما أن الثلاثة أصبحوا أشبه بالأصدقاء، تجمعهم البيتزا ..
انهمك الجميع في تناول البيتزا، بعد أن قامت كاترين بتوزيع سلطة الملفوف والجزر بالمايونيز على الثلاثة، لكن زاهر أحس بالشبع منذ القطعة الأولى، قدمت كاترين قطعة ثانية له، رفضها، أصرت، قبلها، حاول أن يستعيد الحوار من جديد، سأل كاترين: ولكن، كيف ستنشب حرب أهلية، إذا كانت بعض الفرق في أمريكا والأخرى في تركيا وأوكرانيا ..
كاترين: لا تنسى أن لهم الكثير من الأتباع في إسرائيل، ورغم ذلك، فإن الفكرة ليست هنا، هنالك تناقضات كثيرة في العقيدة واختلافات أكثر في المواقف، خاصة أن دولة إسرائيل كما يقولون قامت على وعد إلهي، أي تحكمها أفكار دينية، يختلفون على قدسية التوراة والإنجيل، وعلى عودة عيسى المسيح، يختلفون على إقامة الدولة ذاتها، منهم من يقول بأن اليهودية ديانة شأنها شأن المسيحية، واليهودي يمكن أن يكون أمريكيا أو عربيا أو روسيا أو ألمانيا، ومنهم من يقرأ الكتاب المقدس بلغته وليس شرطا أن تكون العبرية هي لغة الصلاة، يختلفون في طقوسهم، في نظرتهم للمرأة، والسلام يا عزيزي، سيفجر هذه التناقضات ..
أحمد: أنا لا أعتقد أن السلام سيتحقق، لأن المتشددين سيحافظون على سيطرتهم على الشارع اليهودي، وفي المقابل، هنالك تشدد في بعض التنظيمات الفلسطينية الإسلامية، ومن خلفها تنظيمات أخرى مثل القاعدة وغيرها، وهذه الأخيرة تسمح لنفسها بانتقاد التنظيمات الفلسطينية الإسلامية، رغم أنها لم تقم بعملية واحدة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة ..
كاترين: أنا قد أختلف معك، السلام يمكن أن يتحقق، ولكن ظهور التناقضات لن يحتاج إلا سنوات قليلة جدا ليظهر، وربما يظهر إلى السطح خلال شهور، بل ربما يكون السلام ذاته هو السبب، لقد شاهدتم كيف اصطدم سكان المستوطنات في قطاع غزة والضفة الغربية بالجنود الإسرائيليين وهم يخلونهم قسرا من منازلهم، كان بعض المستوطنين المتطرفين على استعداد لإطلاق النار على الجنود..
زاهر: كل الاحتمالات واردة، قرأت قبل فترة مقالا للكاتب الأردني إبراهيم غرايبة في مجلة (العصر الجديد) الإلكترونية، نقل فيه اعتقادا للنائب أفشلوم فيلان، بأن ثمة فرصا لحرب أهلية في إسرائيل، قائمة على الانقسام الكبير في المجتمع الإسرائيلي بين المتدينين والعلمانيين، واحتمال الصدام المسلح بين الحكومة الإسرائيلية والمستوطنين، وهناك انقسامات أخرى عميقة بين الإثنيات اليهودية المتعددة والمختلفة، وبخاصة الانقسام التقليدي والتاريخي بين الشكناز (اليهود الغربيون) والسفارديم (اليهود الشرقيون)، ويدعم قوله باغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحق رابين على يد جماعة غوش أمونيم الأصولية، والتي تعتقد بأنها جديرة بحكم إسرائيل بدلا من القيادة المترهلة في تل أبيب، وقد تلجأ إلى أي وسيلة، بما فيها العنف، وهم يشبهون في ذلك، الحركات الإسلامية التي تطمح إلى إنشاء إمارات إسلامية لتعيد عصر الخلافة ..
كاترين: الصحف الإسرائيلية ذكرت أكثر من هذا، ونقلت عن مسؤولين في الشاباك، وهو جهاز الأمن الإسرائيلي، حيث تحدثوا عن تنظيمات عسكرية سرية تخطط لاغتيال مسؤولين إسرائيليين، تنظم الشباب وتخزن الأسلحة ..
زاهر: على كل حال، الكاتب غرايبة يقول أن هناك مبالغة في الحديث عن حرب أهلية، ولكنه يرجح صراعا مسلحا وانقساما سياسيا، سيؤدي إلى تصاعد الهجرة الإسرائيلية إلى الخارج ..
كاترين: الحمد لله أنني لن أضطر للهجرة ..
انطلاق كاترين في الكلام، وإفصاحها على أنها يهودية، كان يعيد المشاعر إلى نقطة الصفر، يعطل شهية تناول البيتزا قليلا، وكان شريط الأخبار الذي يتابعه زاهر بين لحظة وأخرى، يزيد من التوتر، الذي لا يلبث أن يتراجع خلف جلسة فيها الكثير من الحذر، رغم الأحاديث التي كانت تبدو تلقائية.
قطع أحمد الصمت قائلا: حصلت على مفاتيح معلومات هذه الليلة تكفي للبحث فيها لمدة أسبوع، وأنا أشكركما معا ..
زاهر: لا تنسى أن عليك واجبا آخر يجب أن تبحث فيه ..
أحمد: ولهذا، أستأذنكما بالرحيل ..
اصطحب زاهر صديقه إلى الباب، ثم إلى المصعد، وحين عاد وجد نفسه وجها لوجه أمام كاترين التي بادرته بالقول: الآن أستطيع ارتداء دشداشتك، إلي بها، تكاد ملابسي تخنقني ..
ذهب زاهر لإحضار الدشداشة، وحين عاد إلى الصالون كانت كاترين قد فكت ثلاثة أرباع أزرار قميصها، قدم لها الدشداشة وغادر الصالون مسرعا إلى غرفة نومه، أقفل الباب وبدأ بتغيير ملابسه بهدوء بالغ، كان يفكر بطبيعة الحالة التي وصلت إليها كاترين، برغبتها في عناقه في الصحراء، والمبيت في شقته، مر في خاطره أن هؤلاء القوم لا يؤمنون بالعاطفة السريعة، خشي أن الغربة وحدها هي التي تحركها، ومرض جين هو الذي يقربها منه، فكر أيضا بقلبه الذي لم يتسارع نبضه، بتردده أو عقلانيته، لو كانت امرأة أخرى لربما عاشرها في قلب الصحراء، تقلب معها على الرمل كقطين بريين، لكان قد ملأ الليل ركضا، والقمر شعرا وجنونا، لكن كاترين وضعته في مأزق لم يتوقعه طيلة حياته، فقد مرت سنوات كثيرة من عمره وهو يعتقد أن أشكال هؤلاء مختلفة كليا، قبل أن تبدأ الفضائيات العربية باستضافتهم، والعواصم والمؤتمرات باستقبالهم، قبل أن يرفرف علمهم في قلب بعض المدن العربية، ولو كان يعرف منذ البداية أن كاترين يهودية، لربما لم يفتح أحاديث معها، لربما أدار لها ظهره وراقب تحركاتها، ربما اعتقد أنها تتحرش به لهدف ما، لكن كاترين رتبت أفكاره من جديد، دوزنت إيقاعه على وقع واقع جديد، ربما ساهمت قراءاته عن بعض مفكريهم ومجموعاتهم السلمية والدينية التي لا تؤمن بالصهيونية باتساع أفقه، ربما لأنه ابتعد كثيرا عن ساحة الصراع والحدود والبندقية، تذكر حين كان في الصف الأول ثانوي، حين قضى وأصدقاؤه المسلحون ليلة كاملة تحت المطر حول المخيم، بعد وصول أخبار عن احتمال تعرض المخيم أو بعض مواقعه لعملية إنزال عسكرية إسرائيلية، لم يحدث الإنزال، وقضى اليوم التالي يعاني من نزلة برد شديدة منعته من الذهاب إلى المدرسة.
تذكر أمه وهو ينظر إلى وجهه في المرآة الكبيرة المقابلة لسريره، ماذا ستقول له لو علمت أن يهودية شاركته سريره أو شقته أو طعامه، أو أنه صرف عليها من أمواله في المطاعم والنوادي الليلية، قد لا تغضب، فجدته كانت تسرد له تفاصيل جزء من حياتها في عكا، حين كانت جارتها يهودية، تذكر حلمه الذي رأى فيه جدته التي تحولت إلى إنسانة متطرفة ضد كل دين غير دينها، بعد تهجيرها من قريتها (مجد الكروم) ، بل كانت تنعتهم بالكفار، فهل سيكون رد فعل أم زاهر مشابها لرد فعل جدته لأبيه، خاصة أنها خرجت من عكا صبية في العشرينات من عمرها، والآن قد تجاوزت الثمانين، ورغم ذلك، تتحدث عن ماضيها كأنه حدث أول أمس، وكثيرا ما تقول (البارحة )، وهي تسرد بعض القصص، لكن ( البارحة ) يكبر، حين تتذكر أسماء كثيرة انتقلت إلى رحمة ربها، ومن بين تلك الأسماء زوجها وبعض أولادها، ويبتعد ( البارحة) كثيرا حين تتحسس ركبتيها اللتين لا تستطيع ثنيهما من التيبس والخشونة والصدمات. ويصبح ( البارحة) نقطة بعيدة في مدى بعيد حين تتذكر شقاءها وعملها في البساتين منذ الفجر حتى مغيب الشمس، وتستعيد المطر وهو يندفع إلى قلب الخيمة، وألواح الزينكو وهي تتطاير في الليالي العاصفة، وهي المدللة ابنة الأصول العريقة، وابنة أكبر عائلة في قريتها.
لبس الحزن زاهر كجلده، استدار ليواجه الليل المنتشر خارج النافذة، يمسح بعينيه المتعبتين المسجد القريب والأضواء والمنازل المتفرقة وأشجار النخيل، انحنى قليلا، أسند كوعيه على حافة النافذة، كبرت الغصة في داخله، توزعت على مسامات جلده، انكمشت خلاياه، بات مخلوقا شفافا، تثير دمعته كلمة واحدة، أو لمسة يد حانية، تمنى لو تحدث معجزة، فيجد رأسه على فخذ أمه، ويدها تمسد شعره وظهره، بينما يعمل على تفريغ كل الأفكار من دماغه، يطرد كل الماضي، ولا يفكر في المستقبل، وينام، ينام كالأطفال، أو كالملائكة..
في تلك اللحظة التي التصق فيها زاهر بروحه، شعر بحضن يطوقه من الخلف، برأس يستند على ظهره، بثديين صلبين يكادان يقطران حليبا من سخونتهما، حتى أنه شعر في لحظة ما أن مساحة من ظهره باتت رطبة، إذ لم يكن يرتدي سوى الفانيلا، استسلم للدفء للحظات، ثم أدرك أن المعجزات انتهت، وإن معجزته المشتهاة كانت إلقاء رأسه على ساق أمه، وإلقاء تعبه في جرن حنانها لتغسله، كما أدرك أن ظهره تحول إلى مهبط أحزان، استعاد وعيه تدريجيا، بات على وعي بهوية حاضنته، استقام بهدوء، استدار بلطف، كانت كاترين أمامه، رسمت وجهها بمساحيق التجميل، أول مرة يراها بأحمر شفاه قان ولامع، وكحل عريض في عينيها، وتورد يسكن خديها، بينما أسدلت شعرها على وجنتيها بطريقة مفعمة بالرغبة وبالاستعداد للانصهار. تأمله بوجهها لم يخلصه من حزنه العميق، تأمل أكثر بحجر الكارنيليان الذي أحاطت به رقبتها ولامس تلك العظمة البارزة اسفل جيدها. أدرك ما أرادت أن توصله كاترين في طريقة تجميل نفسها، لم يشأ خذلانها، قال لها بصوت قادم من أقاصي الصمت: أي جنية ساحرة خرجت من القصر لتسكن شقتي المتواضعة ..!
- سأمارس عليك سحرا لم تشهده عيناك من قبل ..
- بفتنة الكارنيليان؟
- بفتنة الحزن الذي يسكن عينيك..
مدت كفيها المرتجفين الساخنتين لتمسحا وجنتيه، ركزت نظراتها الناعسة في عينيه، أغمضت عينيها: حرر ذاكرتك من كل شيء واتبع أنفاسي، نحن أبناء هذه اللحظة الخالدة، خلقنا من الغربة والتيه، عمدنا الألم والدم، وسنكتب بأنفاسنا آية جديدة، وسفرا جديدا ..
أمسك زاهر كفيها، شد عليهما، أبعدهما ببطء عن وجهه، قربهما إلى وجهها، باتت تحضن وجنتيها بكفيها وكفيه، لم ينطق بحرف واحد، أبعد كفيه، أنزلهما على كتفيها بلطف، فتحت عينيها، ابعدها قليلا، لاحظ أنها ارتدت دشداشته على لحمها، تحرك بهدوء: اسمحي لي أن أكمل ارتداء بيجامتي ..
خطا عدة خطوات، صارت خلفه، قالت معاتبة: لماذا ترفضني يا زاهر ؟
لم يلتفت، الحت بنفس سؤالها، ارتدى جاكيت بيجامته، كررت سؤالها بصوت مرتجف: لا تخيب أملي، لا تقبلني ولا تعانقني ولا تمارس الحب معي، ولكن لا تشعرني بأنني كالمرض المعدي، يجب أن نتحدث، أن نواجه أنفسنا ..
رقت أكثر، شعر بها خلفه تحاول احتضانه من ظهره مجددا، يقتله التصاق نهديها بظهره، تقدم خطوة والتفت مرتبكا: أنا لا أرفضك.. ولكن ..
- هل تعاني من شيء ما ..
- مثل ماذا .. ؟
- ضعف جنسي مثلا ..
- لقد ذهبت بعيدا، المسألة ليست جنسية كما تعتقدين، أم أنك تستفزين الذكر العربي في داخلي..
- لا أتعامل معك كذكر عربي، أحببت ثقافتك وسعة أفقك وصدرك، يجلدني الحزن الساكن في عينيك، مذ عرفتك لم أر صفاءهما، عيناك جميلتان ولكن مساحة البياض فيهما قليلة، ابتسامتك عذبة لكنك تبخل بها على نفسك ..
أمسك زاهر كاترين من يدها، سار إلى الصالون، طلب منها الجلوس وتهدئة نفسها، جلس قبالتها وقبالة التلفزيون: أنا سعيد بهذا الإعجاب، ويريحني فكرك ولكن ..
- هل تشعر بأنني أدعي كل ما أفصحت عنه ..؟
- لا أظن ذلك ..
طأطأت كاترين رأسها، أمسك زاهر بجهاز التحكم عن بعد ( ريموت كنترول التلفزيون)، رفع مستوى الصوت، أعاد المذيع النشرة السابقة، مع بعض الصور الجديدة لمدنيين قضوا حرقا، غير القناة إلى قناة أخرى ناطقة باللغة الإنجليزية، كانت تعرض الصور ذاتها، تابعتها كاترين، نظرت إلى زاهر بعينين دامعتين، لاحظت صمود دمعه في مآقيه، اندفعت نحوه معانقة، طال عناقها له، أجلسها إلى جانبه، ألقت رأسها على كتفه، أقفل التلفزيون، أسند ظهره إلى الأريكة، نقلت كاترين رأسها من كتفه إلى فخذه، وضع راحة كفه على وجهها، مسد شعرها، تكورت كطفلة مدللة، أغمضت عينيها، نظر إلى الأعلى، عانق وجهه سقف الغرفة، أغمض عينيه، سافر إلى مكان بعيد، سمع صوت المطر على سقف الزينكو، والرعد المنفجر بالقلوب، ولا شيء يمكن فعله سوى انتظار رحمة الله.
استيقظت كاترين على آذان الفجر، رفعت رأسها، استفسرت عن الوقت، عادت فوضعت رأسها على كتفه، وصوتها يعتذر لتسببها في عدم نومه ..
- المشكلة ليست في النوم يا كاترين، علي أن أذهب في الصباح للعمل ..
- وكيف ستواصل حتى الساعة الثالثة عصرا، ألا يمكنك أخذ إجازة ؟
- يمكنني، ولكن علي أن أنهي مشروعا أعمل عليه أنا وأحمد، ويحين موعد تسليمه في الغد، يمكنني الذهاب متأخرا بعض الشيء، لقد أنجزت معظمه ..
- هل يمكنني المساعدة ؟
- أنت في حاجة للنوم أيضا، لا أحد يعلم تطورات صحة جين، ربما عليك زيارتها في المستشفى غدا، رغم أنني فهمت من كلامك أنها أصبحت بعهدة فريق طبي يمنع عنها الزيارة ..
- لا أعتقد أنهم سيحولون بيني وبينها، هاتفها معي، وبعض أوراقها أيضا، ومفتاح شقتها، ولا بد ستسأل عني حين تستيقظ .. وحين تفعل، سأكون إلى جانبها، وأعطيها حجر الكارنيليان، إنه مشبع الآن بالعاطفة والقوة والتفاؤل، قبولك لرأسي في حضنك وعلى كتفك، راحة كفك وهي تمسد شعري وتلمس وجهي، زرعت في روحي التفاؤل، والراحة، يجب أن أشكرك ..
- هل تفهمين ما يدور بداخلي ؟
- أفهمك كثيرا، اعذر الأنثى التي تمردت على المثقفة كاترين، أنت تعلم حالة المرأة حين يرفضها رجل أعجبت به ..
- أكرر قولي يا كاترين، أنا لا أرفضك، لكنني في حاجة إلى وقت طويل حتى..
- ما زلت تتردد في البوح، لم تكن كذلك قبل معرفتك بديانتي، أنا لست متطرفة، ولست صهيونية، والله لم أسبب أذى لأي إنسان منكم ..
- أحتاج وقتا حتى أبادر وأعانقك .. هل تفهمين ..
كاترين: صحيح أن اياما قليلة هي التي جمعتنا، لكنني أشعر أنني أعيش معك منذ عقود، ألفتك بسرعة، ولن أنفر منك بنفس السرعة، لأنك تعاملت معي باحترام وذكاء شديدين ..
- أعتذر للأنثى التي ..
- لا تعتذر، أنصحك بمحاولة النوم ولو لساعات قليلة ..
- قد أنهض قبلك في الصباح، تصرفي وكأنك في بيتك ..
- ماذا لو نهضت أنا قبلك ولم تجدني ..
- سأتصرف وكأنني في بيتي ..
ضحكا كالسكارى، ذاك ما يفعله النعاس ..
- هل لديك بيت في مكان ما ؟
- سنتحدث عن هذا في ما بعد، لأنك تفتحين التاريخ كله، و التاريخ بيت ..
- يعجبني هذا الكلام ..
- وحتى نضمن النوم ولو لساعات قليلة، سننام كل في غرفته ..
ابتسمت كاترين، تمنت له نوما هادئا ومريحا، مشت نحو غرفتها، وجسدها يتموج داخل الدشداشة.. غابت عن ناظري زاهر، الذي شعر لأول مرة منذ لقائهما، برغبة نحوها ..
انتهى دوام زاهر في الساعة الثالثة عصرا، لم يشأ العودة إلى المنزل، ساعة واحدة لا تكفي لإيداع التعب في البيت، استغرب للمكان الذي ضربوا له فيه موعدا، اندهش للتوقيت أيضا، مباشرة بعد انتهاء العمل، كأنهم يريدونه منهكا غير قادر على التفكير، ويراهنون على أسئلتهم التي قد تزيده تشوشا.
مستشفى الطب النفسي، حيث يجد المجهدون راحتهم، حيث الحديث ينطلق دون مطبات. في طريقه إلى المكان، أقنع نفسه أن لجنة التحقيق ستضم طبيبا نفسيا، أمر غير متوقع على الإطلاق، إن مجرد العلم بذلك يشكل أزمة نفسية، استبعد زاهر الفكرة، لكنها بقيت محتملة.
وصل قبل الوقت، في الساعة الثالثة والنصف عصرا، أوقف سيارته بعيدا عن مدخل المستشفى، اشعل سيجارة، استعاد كل جلسات التحقيق التي تعرض لها، كل مقابلات العمل التي، حسب رأيه، لا تختلف عن التحقيق، وإلا ماذا يعني أن يطلب منك أحدهم طلبا عجيبا (حدثنا عن نفسك)، بينما السيرة الذاتية التفصيلية أمامه أو أمامهم، ويعتقد زاهر أنه أسخف طلب يمكن توجيهه لإنسان يمتلك من الخبرات والأفكار والقراءات، ما يجعل لجان المقابلات والتحقيقات، البقاء لساعات طويلة أمامه، لكنهم يتذرعون بالقول أنه اختبار شخصية، هل يجيد الكلام والنطق؟ هل يتحمل مشاكسة المدير؟ هل يعرف كيف يبتسم وقت الأزمات؟ هل يتحدث الانجليزية بطلاقة؟ إنها جلسة أقرب إلى جلسات الاعتراف أمام طبيب نفسي، يذهب الناس إليه طواعية ليتحدثوا بحرية.
يعرف زاهر ويدرك أن المقابلة التي ستتم بعد دقائق ليست مقابلة للحصول على وظيفة، ربما تكون مقابلة للخروج من الوظيفة، فبعد السؤال الأول، حدثنا عن نفسك، سيقاطعه المحققون بالسؤال عن الدراسة الجامعية، وحين تحضر إليه أجمل أيام حياته، وأجمل امرأة قابلها في عمره، يقاطعونه بسؤال حول انتمائه السياسي، وهل انخرط في دورات للتدريب على السلاح، ومع أي تنظيم...
قرر زاهر ألا يجهد نفسه في وضع سيناريوهات للمقابلة، أسوأ شيء سيكون مغادرة الدولة إلى دولة أخرى. كان زاهر يعتقد أن أماكن الغربة متشابهة، لكنه بعد إقامته في الإمارات اكتشف أنها ليست متشابهة على الإطلاق، أبو ظبي امتصت غربته، ربما لطول بقائه، ربما للحياة المنفتحة، ربما لأناسها الطيبين، وشعر أن الغربة الحقيقية ستكون في المغادرة الفعلية، فزاهر لا يعتاد الأماكن بسرعة، ولا يعتاد الشعوب أيضا بسرعة، يحتاج فصولا كي يتأقلم مع روائح التربة والرمال وهدوء البحار أو أعاصيرها، يحتاج زمنا كي يعرف للنوم مسارا هادئا.
استخلص أخيرا بأنه المسألة عادية جدا، إنسانة أصيبت بنوبة قلبية، التدخين والقهر والنبيذ والروبيان، تساوي أول أوكسيد الكربون والنيكوتين والدهنيات والكلسترول، معادلة واضحة ..
منذ زمن لم يدخل زاهر في تجربة المراقبة أو الرصد، شكر الله أن الوقت المتبقي على المقابلة قليل، وإلا سيبدأ برؤية الجماد يتحرك، والأشجار ترقص، والملامح تتشابه.
لم يلحظ زاهر دخول شخصيات رسمية أو استعدادات غير طبيعية، تساءل: أتراهم وصلوا في الساعة الثالثة؟
حين دلف زاهر من الباب الرئيس، استقبله شاب وسيم، لا هو بالغربي ولا بالشرقي، لا هو بالقصير ولا الطويل، لا هو مبتسم ولا عابس، لا هو نحيف ولا سمين، لا يوحي بالراحة ولا بالتوتر، لا يحب ولا يكره، شعر زاهر أنه أمام إنسان آلي. قابله الشاب مبتسما مرحبا، قاده عبر ممرات كثيرة، على جدرانها صور وإرشادات وتعليمات، أشعره أنه يحفظ المكان عن ظهر قلب، توقف عند باب مقفل، فتحه بسهولة، رجاه أن يدخل، وجد زاهر نفسه في غرفة واسعة، جدرانها بيضاء، عارية تماما، لا أثاث فيها، كرسي فقط يتوسط الغرفة، أمامه طاولة صغيرة جدا، عليها مطفأة تتسع لأعقاب ثلاثة سجائر، دعاه للجلوس، غادر الشاب، أقفل الباب خلفه، بقي زاهر في الداخل، أغمض عينيه قليلا، سحب شهيقا عميقا حتى امتلأت رئتاه، أطلق الهواء بهدوء وببطء، كرر ذلك خمس مرات، أدخل البياض كله في شرايينه كأنه موجات ضوء، رسم على جدران الغرفة بساتين من البرتقال، وحقول نرجس وشقائق نعمان وجداول مياه، رسم نسيما يهمس لأغصان الأشجار ويقبل أوراق الورد، وحين فتح عينيه جاءه صوت ظن زاهر أنه يأتي من كل الزوايا والسقف وأرضية الغرفة: هل انتهيت ؟
زاهر : لم أبدأ كي أنتهي ..
الصوت: كيف حالك يا زاهر؟
زاهر: الحمد لله.
الصوت: هل تمارس اليوغا ؟
زاهر: كلا ...
الصوت: ماذا كنت تفعل إذن؟
زاهر: شأن داخلي ..
ضحكت جدران الغرفة
الصوت: هل تجلس كثيرا في مركز المارينا ؟
زاهر: أحيانا..
الصوت: هل تشرب القهوة؟
زاهر: العربية فقط ..
الصوت: هل تتردد كثيرا على الهمنغواي كلوب؟
زاهر: حين أريد صوتا أعلى من صوتي ..
الصوت: هل يعجبك النبيذ ؟
زاهر: توقفت عن شربه منذ سنوات؟
الصوت: ولم، إنه يقوي الدم..
زاهر: مغشوش في معظم الأحيان..
ضحك سقف الغرفة
الصوت: هل تعجبك كاترين؟
زاهر: مثقفة ..
الصوت: وماذا أيضا؟
زاهر: منفتحة ومحبة للسلام..
الصوت: هل تشاهد التلفاز كثيرا ..
زاهر: الأخبار.. خاصة هذه الأيام ..
الصوت: ما هي مشاريعك الأدبية القادمة؟
زاهر: رواية ..
الصوت: هل يمكن التعرف على موضوعها؟
زاهر: أنا ..
الصوت: من أنت ؟
زاهر: تماما، كما تجدني في هذه الغرفة ..
الصوت: هل أنت منزعج؟
زاهر: دائما ..
الصوت: متشائم ؟
زاهر: كلا ...
الصوت: متفائل ؟
زاهر: كلا
الصوت: لماذا لم تتزوج حتى الآن ..
زاهر: حتى لا تمتلئ هذه الغرفة ..
ضحكت الأرض ..
الصوت: هل ستقابل كاترين هذا المساء ..
زاهر: لا بد من الجلوس إليها ..
صفقت الجدران والسقف والأرضية ..
الصوت: شكرا، ونأسف على إزعاجك..
زاهر: لا يوجد إزعاج ..
الصوت: ماذا يوجد إذن؟
زاهر: فصل آخر في رواية، تجربة أخرى ..
الصوت: تجربة مهمة؟
زاهر: نحن نعطي التجارب أهميتها ..
الصوت: نحن معجبون بإجاباتك، سنلتقي ذات يوم ..
زاهر: ....
الصوت: بإمكانك المغادرة، شكرا مرة ثانية ..
دخل الرجل ذاته، مبتسما كعادته، صافحه بحرارة، شكره لحضوره، قاده عبر الممرات ذاتها، ودعه عند باب المبنى الزهري، واختفى ..
وثب زاهر إلى سيارته، كانت الساعة تشير إلى الرابعة والنصف، لم يفكر بالمقابلة / التحقيق، لم ينظر إلى مدخل المستشفى، انطلق فورا ولكن بهدوء، قرر زاهر الذهاب إلى السينما، اختار فيلما مصريا كوميديا (الكتكوت) عمدا، ما يميز الممثل محمد سعد أنه يجسد الرسوم المتحركة في حركاته وأدائه، يغرق في المبالغة، يعيش دوره حتى الثمالة. ضحك زاهر أكثر من كل الحاضرين، ضحك للمشاهد التي لا تثير الضحك، انتهى الفيلم وهو يضحك، كتبت النهاية وهو يضحك، غادر المشاهدون مقاعدهم وبقي على مقعده يضحك، أدرك أنه وحيد في صالة السينما، حين نظر إلى المقاعد الفارغة ازدادت قهقهاته، تمنى لو يستطيع حجز كل مقاعد صالة السينما، يجلس على المقعد الأخير، يضع قدما على أول مقعد في يمين الصالة، والقدم الأخرى على أول مقعد على يسارها، ذكرته الصالة الفارغة بالغرفة الخالية، بالتحقيق، خيل إليه أن الأسئلة القادمة ستكون: هل تحب الكتكوت، هل تحب الضحك، هل أنت معجب بمحمد سعد، هل أنت مع الثأر، ولماذا تريد أن تجلس وحدك في صالة السينما؟ تخيل الصوت وهو يطرح الأسئلة وهو يضحك، سار في ممرات المارينا مول وهو يضحك، اتجه إلى ذات المقهى الذي قابل فيه كاترين، تلاشى ضحكه تدريجيا، كانت الساعة تشير إلى الساعة السابعة والنصف، وضع هاتفه وسجائره ومفاتيح سيارته على الطاولة، سمع صوتا يسأله باللغة الإنجليزية: هل بإمكاني استخدام هاتفك للحظات يا سيدي؟
أجابها: وهل ستدفعين؟
قالت: سأدفع، استعدت محفظتي وكل أوراقي الثبوتية ..
ضحكا، جلست كاترين، واصل هو الضحك حتى دمعت عيناه، دهشت للأمر، ما لبثت أن شاركته ضحكه، توقفا تدريجيا ..
كاترين: ما سر هذا الضحك يا زاهر .. ؟
زاهر: هذا ليس ضحكا يا عزيزتي، هذه نوبة ضحك، تشبه تماما النوبة القلبية، لكن الفرق بين النوبتين، أن الناس ينظرون إلى من يصاب بنوية الضحك على أنه مجنون أو على مشارفه، بينما يصفون من يصاب بنوبة قلبية بأنه مريض..
كاترين: وهل تصاب دائما بنوبات الضحك هذه؟
زاهر: هذه أول مرة، ربما بسبب ما مررت به اليوم ..
كاترين: وهل يمكنني معرفته ؟
زاهر: في مناسبة أخرى ..
كاترين: هل تدري، بغض النظر عن نوبة الضحك هذه، والتي أفهمها جيدا، إلا أن ضحكتك رائعة، وابتسامتك جذابة، هل يمكنني قول ذلك ؟
زاهر: قلت أكثر وفعلت أكثر، استئذانك يثير فيّ الضحك، فلا تستأذني مرة أخرى، وقولي ما شئت، هنالك حرية في التعبير يا عزيزتي، حرية في طرح الأسئلة، حرية في الأجوبة، حرية ..
كاترين: لا تشعرني بأنك غير طبيعي اليوم ..
عاد زاهر إلى جديته: بالله عليك، وإلهنا واحد، رغم أن إلهكم دللكم كثيرا، اذكري لي أمرا طبيعيا واحدا حدث أمامك اليوم؟
كاترين: معك حق، واصل الضحك إن شئت، ولكنني لا أستطيع مشاركتك، هل يمكنك مرافقتي إلى المحل الذي رأيت فيه عقد العقيق .. الكارنيليان ؟
زاهر: توقفي عن الاستئذان يا كاترين، أرافقك بالطبع، ولكن أخشى ألا تجدي العقد..
كاترين: ربما لا أجده، ولكنني لست ذاهبة بهدف شراء العقد..
في اللحظة التي قررا فيها المغادرة، اقتربت العاملة الفلبينية روز، تأسف لها زاهر، وعدها بالعودة خلال دقائق معدودات ..
اختارت كاترين حجر عقيق كبير الحجم، اخترقه خيط ثخين، تداخلت فيه درجات الأحمر (الكارنيليان)، دفعت ثمنه، خرجا من المحل، أخبرت زاهر بأن العقد الذي أسرها لم يعد موجودا، اشترته إحداهن أو أحدهم، وصلا المقهى، حضرت روز مسرعة، طلبا عصير ليمون لزاهر ونسكافيه بالحليب لكاترين. تأملها، ابتسم لها، سألها إن كانت تستعد للسفر!
كاترين: ما دعاك لقول هذا؟
زاهر: شراؤك للكارنيليان، هذا يعني أنك تستعدين للمغادرة..
كاترين: أولا، ليس من الصداقة أو الإنسانية أن أترك صديقتي وهي مريضة، ثانيا، لم أشتر الكارنيليان لنفسي وإنما لـ (جين)، قد يساعدها على استعادة طاقتها، رغم أن..
لم تكمل كاترين كلامها، ربما أرادت التعليق على طلبهم منها عدم البقاء إلى جانب صديقتها، ربما سمعت شيئا حول التحقيق، ربما حققوا معها هي أيضا، تذكر زاهر الأسئلة، أدرك أنهم فعلوها، وربما عاملوها كشاهدة ..
غرقت كاترين في حزن شديد، حاولت إخفاءه بابتسامة باردة، قالت: في الواقع لدي رغبة شديدة في العودة إلى بريطانيا، على الأقل قبل أن أصاب بنوبة قلبية، أو نوبة ضحك، لكنني لا أستطيع الآن، يجب أن أودعها، يحزنني أنني لا أستطيع وضع حجر الكارنيليان حول رقبتها، أنت تعلم بأنه يقوي الروح ويرفع المعنويات، ربما لا تؤمن جين بهذا، ولهذا كنت أود أن أمنحها من طاقتي وأنا أضعه حول رقبتها، أخشى ألا أتمكن من ذلك، تحولت غرفة جين إلى ما يشبه الحصن المنيع، حتى أنا يا زاهر لا أستطيع زيارتها إلا ضمن ترتيبات معينة، وأنا لا أريد أن يخضع هذا الكارنيليان للفحص، يجب أن يكون نظيفا من البصمات، لا بأس، لا بأس ...
زاهر: لقد قمت بواجبك، نقلتها إلى المستشفى رغم أنك غريبة هنا، وقضيت الليل إلى جانبها، وتحضرين لها الآن هذا الكارنيليان المسكون بالعفاريت والقوة، لست مسؤولة عن مرضها ..
كاترين: هل تعلم، أخشى أن يحملني أهلي السبب، فيقولون أنها اضطرت للسهر معي والترفيه عني، فزاد استهلاكها للشراب والسجائر والطعام وربما ممارسة الجنس، ومنعت نفسها من النوم فأصابها الإرهاق، واضطربت دقات قلبها ..
فضل زاهر الصمت، ألقى نظرة على مدخل مركز المارينا، شاهد امرأة تمشي بهدوء، تحيطها هالة حزن، وضعت قدمها على أول الدرج الكهربائي فابتلعها، وغابت عن أنظاره.. تذكر سطورا متفرقة من قصيدة للشاعر الفرنسي بودلير، فقالها باللغة العربية، مستعينا بترجمة حنا وجورجيت الطيار..
( عيناك الجميلتان متعبتان/ أيتها العاشقة المسكينة/ احتفظي بهما مغمضتين طويلاً/ في هذا الوضع الفاتر الذي فاجأتك عليه اللذة .. ) كاترين: ماذا تقول، لم أفهم العربية بعد..
زاهر: هذه أبيات للشاعر بودلير، من ديوان أزهار الشر، سأحاول ترجمتها لك ..
كاترين: هل تحفظ التكملة ...
زاهر: النافورة تثرثر في الفناء ولا تسكت/ لا في الليل ولا في النهار/ إنها تغذي بهدوء, النشوة التي أغرقني بها الحب هذا المساء ..
كاترين: وهل تشعر بالحب هذا المساء؟
زاهر: أشعر أنني في حاجة إلى الحب، حين قرأت عن حياة الشاعر بودلير، شعرت بأنني أشترك معه في أمر مهم جدا، البحث عن حنان الأم في الحبيبة، وجدته مرة، ولم أعثر عليه مرات ..
كاترين: حدثني عن بودلير ..
زاهر: أعلم أنك قرأت عنه، أكاد أجزم بذلك ..
كاترين: حدثني أرجوك ..
زاهر: كانت طفولته تعيسة، فضل التشرد على كل شيء، كان يبدد كل النقود التي يحصل عليها، كان يمنحها للنساء بشكل خاص، كان محط استغلالهن، سوى امرأة واحدة، ويا للصدفة اسمها جين ..
كاترين: جين ؟!
زاهر: نعم جين دوفال، كان يقول عنها: "إنها تضمد الجراح التي في عقلي.." كان بودلير يا عزيزتي يبحث عن حنان الأم في النساء، لكنه لم يجده على ما يبدو، وزادت معاناته حين تزوجت أمه للمرة الثانية من رجل عسكري قاس، كان بودلير في نظره مجرد إنسان بائس شاذ. لم تعد أمه إليه إلا وهو ممدد على سرير نهايته، لا يتحرك فيه سوى عينيه، كان يتمتم بكلمات مبهمة: (الدنيا تزداد شحوبا، إني أرتجف، أريد أن أنام.. )، ونام إلى الأبد، هل هذا ما أردت معرفته؟
كاترين: هل تعلم، حين يضع الشاعر عصارة روحه في أشعاره، ثم يأتي ناقد لا يرى من الأشياء سوى مظهرها، ويكيل إليه التهم، كانت التهم بحق بودلير عنيفة جدا، خاصة المقالة التي نشرت في جريدة لوفيغارو، والتي خيبت أمل بودلير كثيرا، اتهمته بالأباحية، والشذوذ والجنون، وبأن كلماته بذيئة ومقرفة، لكن يكفيه أن فيكتور هوجو أنصفه، فقد خاطبه قائلا: " لقد أحدثت بديوانك هذا زلزالا جديدا في سماء الفن والثقافة".
زاهر: هل تعلمين، في مثل هذا الشهر قبل مائة وخمسين عاما تقريبا، وجه المدعي العام تهمته لبودلير، وكانت نتيجة المحاكمة، تغريمه بمبلغ قدره ثلاثمائة فرنك، ومنع ديوانه من التداول بتهمة دعوته للإباحية .بينما حكم عليه بالبراءة من تهمة تنديده بالأعراف والقيم الدينية في نفس الديوان. كاد المدعي العام يود سجنه، لكنه لم ينجح..
كاترين: هل تعلم متى رفع الحظر عن ديوانه؟ كان ذلك في 31 مارس 1949، أي بعد حوالي مائة عام، هذا حدث في فرنسا الحرة، وذاك حدث في بريطانيا الديمقراطية،،
زاهر: ما رأيك بما تعرض له المفكر الفرنسي جيرودي؟
كاترين: بغض النظر عما كتبه جيرودي، أنا ضد مقارعة البحث العلمي بالسلطة، لقد كتب بحثا علميا، كان يجب أن يرد عليه خصومه ببحث علمي آخر، أليس كذلك ..
زاهر: هل حقا هذا رأيك ؟
كاترين: أنت مندهش بالتأكيد، وأعرف سبب اندهاشك، ولكن، ألم تسمع بالكاتب جون روز، وألم تقرأ عن فرقة يهودية تعتبر قيام دولة إسرائيل وبالا على اليهودية والعالم، أنا منهم، إذا أردنا أن نتحاور، ويفتح العالم عقله على الحب والسلام، لنبدأ من هنا، من أنه من المستحيل أن تعيش دولة تستند إلى عقيدتها، بينما كانت محصلة التاريخ وجود كثير من المسلمين والمسيحيين في فلسطين.. أعترف بأن اليهود كانوا قلة، وأكرر معك أنه لو بدأ كل فرد في البحث عن أصله ونسبه وحقوقه الدينية والتاريخية، لتبدلت خارطة العالم الديمغرافية والثقافية والعرقية، ولوجدنا أقواما عديدين يتحدثون لغات عديدة في كل كيلومتر مربع ..
صمت زاهر ثم ردد مقطعا من قصيدة لبودلير: ( ما همني أن تكوني حكيمة عاقلة/ أريدك جميلة حزينة/ فالدموع تضفي على الوجه/ السحر الذي يخلعه النهر على الطبيعة/ كالعاصفة تجدِّد شباب الأزهار/ أحبك عندما يهرب الفرح من جبينك المُرتاع/ وعندما يغرق قلبك في الرُّعب/ وعندما تنتشر على حاضرك/ غيوم ماضيك المثقل بالخطيئة/ أحبك عندما تذرف عيناك الواسعتان/ دمعاً ساخناً كأنه الدم .. )
كاترين بعد سماعها لترجمة بالإنجليزية: كأنك تخاطبني ..
زاهر: ليس تماما، بودلير يبجل الدمع لدوره في تطهير النفس ..
كاترين: وأنا أحتاج لهذا الدمع أحيانا ..
زاهر: وهل غيوم ماضيك مثقلة بالخطيئة؟
كاترين: لا تعزف على وتر آخر، كأنك لا تصدقني ..
زاهر: بل أصدقك ..
كاترين: وهل تصدق أنني أرغب في توسد صدرك؟
زاهر: يبدو أنك خضعت للتحقيق ..
رن هاتف زاهر، ظهر اسم أحمد: مرحبا أحمد ..
جاءه صوت أحمد وهو في سيارته: هل تتردد دائما على قصر الإمارات؟ هل تحب تناول القريدس؟ لماذا ترتدي البنطلون والقميص أحيانا؟ كم ساعة تنام في النهار؟ لماذا لم تتزوج حتى الآن؟ ما هي آخر مشاريعك البحثية؟ هل تهوى القنص بالصقور، لماذا لا تطلق لحيتك ؟
كان أحمد يغضب ساعة ويضحك أخرى، وزاهر يهون عليه، استمر أحمد في طرح الأسئلة: هل تحب النساء الأوروبيات؟ النحيفات أو السمينات، ذوات الصدور العارمة أم الصدور الصغيرة؟ هل تحب القهوة التركية، هل تتردد على لابريوش كثيرا ؟ ما هي آخر قصائدك ؟
زاهر: أنت في حاجة ماسة إلى (الكتكوت ..)
أحمد: هل ترافقني؟
زاهر: أنا مع كاترين حاليا ..
ضحك أحمد ضحكة عالية، استمر يقهقه كأنه ثمل، وقال: وأنا أقود سيارتي بسرعة مائة وسبعين كيلومترا في الساعة باتجاه مدينة العين، بعد قليل سأنحرف إلى الصحراء، هل تصحبني ..؟
زاهر: أنا وكاترين؟
أحمد: أنت وكاترين وكل العالم، تعالوا إلى الصحراء، أنا في انتظاركم، تعالوا، سألقي عليكم خطبة الفراغ والليل والخيل والبيداء لا تعرفني.. قهقه مرة أخرى، واقفل الهاتف ..
أرسل له رسالة هاتفية: سلم على الصحراء، ولكن عد بأمان ..
زاهر: هذا أحمد، أصيب بنوبة ضحك، وذهب للصحراء ليداوي نفسه ..
كاترين: ما رأيك لو نتبعه؟
زاهر: سيارتي لا تسير بالدفع الرباعي، حتى لو كانت كذلك، فأنا لم يسبق لي السير في الصحراء باستثناء مرة واحدة، أخذتني امرأة بدوية خارج المدينة، وكان الأمر مدهشا ..
كاترين: هل تمانع لو طلبت منك تغيير المكان، فكرة الصحراء جعلتني أشعر بحاجتي لمدى واسع..
وافق زاهر فورا، دفع الحساب لروز، خلال دقائق كانا في السيارة، خلال دقائق أخرى، كانا على الطريق السريع خارج المدينة، بعد عشرين دقيقة انحرف زاهر يسارا، بدا الشارع مستقيما وطويلا ومضاء، على جانبيه عتمة يبعثرها ضوء قمر مكتمل، عكس نوره على بعض التلال فظهرت تكوينات وأشكال يلفها غموض أليف.
كاترين: حدثني عن تلك المرأة البدوية ..
زاهر: المرأة البدوية مثل هذه الكثبان الرملية تحت ضوء القمر، فيها غموض أليف، والفة غامضة، بالقدر الذي كنت اشعر أنني كنت أدخل عالمها، كنت أشعر بالقدر نفسه، أحيانا، أنني على حوافه، كانت ذكية إلى درجة الإرباك، النظر إليها دخول في المجهول اللذيذ، والارتماء في أحضانها حفلة عطر مسكرة، كانت شاعرة، هذا المكان يهيج الشعر لديها، كانت تقول لي: لا أريد من الدنيا غير وجودك وهذه الصحراء .. وتنشد الشعر الشعبي. كنت معظم الوقت في حالة إصغاء، أعقب بجمل قليلة، كانت ترى كلماتي فلسفة تستفز أفكارها، قالت لي بأنها دائمة القدوم إلى هذا المكان، حيث كل شيء يعود إلى أصله. طلبت مني أن أوقف مكيف السيارة، وأقلل سرعتها، وأفتح النوافذ، هل تعلمين يا كاترين، دخل هواء صاف، لم يكن باردا ولا حارا، لكنه كان خفيفا ومنعشا، كأن حبيبات الرمل الناعمة عملت على تصفيته، دخلنا إلى منطقة رملها صلب، ووقفنا داخل الصحراء .. وترجلنا ..
كاترين: هل عانقتها في هذه الصحراء عناقا حرا ..
زاهر: نزلنا من السيارة، ابتعدنا عنها، بدت المرأة وكأنها تسير في حديقة بيتها، وقفنا، طلبت مني الاستماع للصحراء، للأصوات البعيدة القريبة، لحديث القمر مع الكثبان الرملية، لم أعانقها، وقفنا متجاورين، شعرت أننا وحدنا في هذا العالم، وثمة ما يجذبنا للدخول أكثر، لكننا لم نفعل، مشينا يدا بيد، للصحراء حياء يفرضه وضوحها، منبسطة كجبين طفل، متعرجة كوجه امرأة مسنة، أدركت حينها مصدر الحكمة، ومعنى العشق، بل أدركت أيضا معنى الموت والغياب ..
كاترين: وأنا الآن أدرك معنى التيه ..
سحبت كاترين حجر الكارنيليان من حقيبتها، وضعته في راحة كفها، عانقت أسراره ضوء القمر، بدأ الحجر يتلون، عينا كاترين تحملقان به، اخترقته، تراءت لها جموع تائهين في الصحراء، بحر ينشق، غيوم حمراء سوداء تلبد السماء، رعد يخترق الآذان، مطر حار يلسع وجوه الجموع، ثم انقشاع وانفراج وصمت وعزلة شديدة، قوم داخل مكان يحيطه سور يرتفع ليلامس الغيم الأبيض، وقرقعة حرب .. قبضت كاترين على حجر الكارنيليان، أغمضت عينيها لثوان ثم فتحتهما، كان وجه زاهر يعانق المدى الساحر، يحاكي القوافل القديمة والرايات، وصوت أحمد وهو يردد أشعار أبي الطيب المتنبي، وصورته وهو يود أن يخطب بالفراغ والخيل والليل والبيداء ..
فجأة، ركضت كاترين، كالأطفال الذين تأخروا عن اللحاق بأهليهم، وحين لم تتوقف تبعها زاهر، ظلت تركض حتى وصلت تلة، صعدتها إلى نصفها، رمت جسدها فوق الرمل المعجون بضوء القمر، استلقت على ظهرها، وصلها زاهر، وفجأة وجد نفسه مستلقيا على جانبه بقربها، ينظر في وجهها، أقفلت عينيها: ( قبلني .. قبلني .. عانقني.. أكاد أموت ..). وضع زاهر كفه على يدها التي كانت على بطنها، نقلها إلى شعرها، مسد جبينها، قرب فمه من فمها، في تلك اللحظة سمع حركة في المكان، استنفرت كل حواسه، مسح المكان بعينيه، كانت ناقة تنظر نحوهما بعنين لامعتين، تحركت بعدها باتجاه أضواء الشارع التي لم تكن بعيدة، أخبر كاترين أنه من الأفضل العودة إلى السيارة ومغادرة المكان بسرعة..
كاترين: لا تعطل علي متعتي، إنها أعظم تجربة تمر في حياتي، عانقني لدقيقة واحدة فقط، سأسجل هذه اللحظة في تاريخي.
مد زاهر يده طالبا منها النهوض: المكان مسكون يا كاترين، رأيت ناقة هناك..
كاترين: لا أرى شيئا ..
زاهر: إنني أراها، إنها تبتعد ببطئ
كاترين: سيعود المكان لنا ..
نظر زاهر إلى الناقة، لم يكد يلحظها حتى اختفت: ( اختفت الناقة يا كاترين .. )
كانت كاترين لا تزال تمسك بحجر الكارنيليان، تشد عليه بقبضتها، شدت أكثر حين أخبرها باختفاء الناقة، نهضت، فتحت يدها مرة أخرى، شاهدت شكل ناقة داخل الحجر، أعادته إلى حقيبتها: دعنا نعود ..
أمسك بيدها، مشت كاترين بقلب ينتفض، وصلا السيارة، واجهته قبل أن يدخلا، قالت له بصوت هادئ هامس: أنا مذعورة وخائفة وتائهة ألا تهدئ من روعي؟
زاهر: وماذا لو ظهرت الناقة ثانية، صافحي الصحراء بجبينك، خذي شهيقا عميقا، أدخلي ضوء القمر إلى رئتيك وشرايينك وأطرافك ..
فعلت كاترين، دخلا السيارة بهدوء، خرجا من الصحراء، وقبل أن تلامس عجلات السيارة الشارع الإسفلتي المضاء، ظهرت الناقة من جديد ثم اختفت: صرخت كاترين: الناقة، إني أراها..
هواء الطريق إلى المدينة لم يكن منعشا وباردا، ظلت كاترين حبيسة تساؤل عن سر تردد زاهر في تقبيلها واحتضانها، ظلت تفكر بالمكان المأهول والناقة التي ظهرت في الصحراء، حجر الكارنيليان، بانطلاقتها المفاجئة فوق الرمال واستلقائها على منتصف التلة، لكن السؤال الأكثر حيرة، والذي ظل يدور في رأسها هو تردد زاهر في تقبيلها. فكرت في أن تسأله أو تعاتبه، لكنها أحجمت، نظرت إلى صمته وهو يقود سيارته بهدوء في شارع مستقيم خالته بلا نهاية، لكن الطائرات المقلعة والهابطة من وإلى مطار أبو ظبي أشعرتها باقترابها من المدينة، ومن حركة الحياة من جديد. لم ينظر إليها زاهر، طلبت أن تسمع شيئا من الموسيقى، لكنه فاجأها بسؤاله: ماذا رأيت في حجر الكارنيليان حين رفعته في الصحراء؟
- وهل ستتقبل رؤيتي؟
- ليس بالضرورة، لمجرد العلم، هي رؤية خاصة بك؟
- رأيت جموعا تائهة في الصحراء، ثم رأيت نفس الجموع في مكان محاط بأسوار تلامس الغيوم.
- ألم ينتهي التيه بعد ؟
- هل سمعت بجماعة أنطوري كارتا؟
- كلا ..
- يبلغ عددهم حوالي نصف مليون يهودي خارج إسرائيل أو فلسطين كما تشاء، يؤمنون بأن إسرائيل انحرفت عن الوصايا الثلاثة للرب بعد خروجهم من المنفى، والوصايا هي: ألا يؤذوا الآخرين، وألا يحتلوا أرض إسرائيل بالقوة، وثالثا ألا يتعجلوا الأمور. أنا متأكدة بأنك قرأت قصة موسى، وقصة الأربعين سنة ..
- وقرأت ما فعله نبوخذ نصر في بابل، وحروبهم مع المسلمين في شبه الجزيرة العربية.. كاترين: قد يكون هذا في التاريخ البعيد، لكن الملك إدوار الأول طردهم من بريطانيا في العالم 1320، وطردوا من المجر في العام 1360، ومن هولندا عام 1444، ومن إسبانيا عام 1492، كان ذلك مباشرة بعد سقوط الدولة الإسلامية هناك، وبعضهم هاجر مع المسلمين، وطردوا من ألمانيا عام 1515 ومن إيطاليا عام 1540، ولم تسمح السويد بدخولهم إلا عام 1782، والنرويج عام 1814، وتعرضوا لقتل كثير في روسيا وبولونيا بين عامي 1881 و1882، حتى وجدوا أنفسهم داخل أسوار عالية جدا، وها هو جدار الفصل يؤكد هذا الكلام، آسفة أن أكون كالمحاضرة في الموضوع..
- أنت تحفظين التواريخ بشكل جيد ..
لم تجب كاترين ..
- ألهذا يشردون الشعوب الأخرى ويبعثون بهم إلى التيه والشتات ..
كاترين: أشعر كأنك تحاكمهم الآن في هذه الصحراء التي كان بعضهم فيها ذات يوم وأخرجو لسوء أفعالهم..
- لسنا في محاكمة، لكن للتاريخ لغة قد لا يفهمها الإنسان، الذي يعتقد أنه يصنع التاريخ ..
- ربما تقصد القدر، و ليس التاريخ ..
- هل سمعت بالحاخام موسى فريدمان، رئيس الجمعية اليهودية الأرثوذوكسية في النمسا؟
- فريدمان يقول بأن حل مشكلات العالم تكون بزوال الصهيونية، أعرف كل هذه المعلومات ..
وصلا المدينة، كانت الساعة تشير إلى ما بعد منتصف الليل بقليل ..
- هل ستتركني أبيت وحدي في شقة جين؟
- لست أدري، كما تشائين، لكن الوقت تأخر، وغدا يوم عمل..
- هل أفهم من كلامك أنك ترفض استضافتي في شقتك هذه الليلة؟
- لا أدري ..
- لا تخشى شيئا، سأدعك تنام، أريد أن أشعر أنني لست وحيدة هنا ..
لم يجب زاهر ..
- لماذا لم تعانقني في الصحراء، كنت في أمس الحاجة إلى الاحتواء ..
- لا أدري ..
- أنت تدري، لكنك تحجم عن القول ..
ساد صمت استمر حتى توقفت السيارة، نظرت كاترين حولها، رأت المسجد ومواقف السيارات، ابتسمت، قربت وجهها من زاهر وقبلته: شكرا لأنك ستستضيفني هذه الليلة..
- ألا ترغبين في إحضار بعض ملابسك من شقة جين ؟
- لديك دشداشة جميلة، وروب أجمل ..
- فعلا، أنا في حاجة إلى حمام ساخن بعد هذا النهار الطويل ..
قبل أن يغادرا السيارة، رن هاتف زاهر وظهر رقم أحمد، ثم صوته: هل وصلت الشقة، إذن أنا قادم إليك خلال عشرين دقيقة..
لم ينتظر رد زاهر ..
هجمت جحافل وجوم على وجه كاترين حين علمت بقدومه. كانت فرحة تحلم بحمام منعش، وباستلقاء حر على الأريكة، وباستمتاعها وهي تلمس نظرات زاهر على نهديها وساقيها، وبإحساس الأميرات وهو يتأمل وجهها بلغة شاعر.. لكن حلمها سقط على أرض رغبة أحمد في الحضور، وربما المبيت، وربما أشياء أخرى، هذه الأشياء الأخرى أرعبتها ..
طلب منها زاهر أن تدخل هي أولا لتستحم، نزولا عند رغبتها التي أبدتها وهما في طريقهما إلى الشقة، ، لكنها تراجعت، طلبت منه بصوت متوتر أن يستحم هو أولا، حتى يستطيع الجلوس مع صديقه أحمد، الذي وعد بوصوله خلال ثلث ساعة..
استدعت كاترين حلمها الذي استيقظت بعده على قلب جين المريض، وقبله جنون زاهر وهو يعاشرها ويصهل كخيل جامحة، استعادت الجلسة التي جمعتهما الأربعة في الكافتيريا، اقتناصها لنظرات أحمد الفاضحة، هكذا استقبلتها، وعللت عدم رغبته بـ جين بانتظار فرصة ينقض فيها عليها. اقتحمتها فكرة جعلت ركبتيها واهنتين ترتعشان، فكرة أن يتناوب عليها زاهر وأحمد اغتصابا بعد أن تعرضا للتحقيق، وتفاعلا مع نتائجه بعبث، بضحك هستيري، ذاك الضحك الذي يتبعه الغضب والانتقام أو البكاء، لكن أحدا منهما لم يبك، إنه الانتقام إذن، وقد قرأت قصصا تتحدث عن شراسة العربي في ممارسة الجنس، تخيلت جسدها قطعة لحم يتقاذفها الصديقان ..
فكرت كاترين بالهرب، قررت، بدأت تتفقد أجواء الشقة، استرقت السمع من خلف باب الحمام، جاءها صوت الماء المتدفق على جسد زاهر، تخيلت عريه، أغمضت عينيها، استعذبت الصورة التي رسمتها، تذكرت وجهه الذي لم يكن يفصله عن وجهها في الصحراء سوى خطوة شفتين، وتردده في تقبيلها، بل بقراره الداخلي بعدم تقبيلها، ورفضه احتضانها بالقرب من السيارة، توصلت إلى قناعة إلى أن زاهر لا يمكن أن يفعلها ويغدر بها، كانت أمامه فرصة حتى لقتلها في الصحراء، أن يعبث بها كما يشاء، لكنه لم يفعل، تذكرت أنه لامس يدها وشعرها، لولا تلك الناقة..
بعد دقائق قليلة من قرارها بالبقاء، واستلقائها على الأريكة، قرع جرس الباب، ثم طرقات متعجلة، رغم قناعتها أصيبت بالرعب، أنقذها خروج زاهر من الحمام في تلك اللحظة، وتوجهه مسرعا وهو يرتدي الروب لفتح الباب، سمعت ضحكات أحمد، وحديثا سريعا وهامسا قرب الباب، ظنت أنهما يتآمران عليها، ويمنيان نفسيهما بوليمة.
دخل أحمد الصالون، ارتبك لوجود كاترين، نظر إلى زاهر معاتبا وهو يرتدي الروب، ظن أن في الأمر اقتحام خصوصية ما، تاسف واعتذر لأنه لم يكن يعلم ..
- لا تتاسف أنت في بيتك، امنحوني خمس دقائق فقط لأرتدي ملابسي ..
جلس أحمد مرتبكا في مواجهة كاترين، تعلو وجهه ابتسامة غامضة: تاسف مرة ثانية: ( صدقيني لم أكن أعلم بوجودك هنا، لو كنت أعلم لما .. )
- كما قال لك أحمد: أنت في بيتك، على الأقل نطمئن عليك بعد عودتك من الصحراء، نحن أيضا ذهبنا إلى الصحراء، يمكنك القول بأننا لامسنا طرفها ..
أحمد: لم يخبرني زاهر بذلك، هذه خيانة، هل وقف على كثيب رملي وألقى خطبة عصماء ؟
كاترين: بل أنا التي وقفت، شعرت بحاجة ماسة لفضاء وهدوء، الصحراء تعني لنا الشيء الكثير، نبشت أفكارا وذكريات عمرها ألاف السنين، وبدلا من التخلص من الأعباء والذاكرة، عدنا برؤوس ثقيلة، لكن الحديث مع زاهر ومرافقته متعة لا يمكن تفويتها ..
اقتحم زاهر حوارهما باللغة الإنجليزية: قراراتك سريعة تشبه قيادتك للسيارة، لكنك لا تفكر برغبات الآخرين الجائعين الذين لم يتناولوا طعاما منذ الصباح ...
التقط أحمد هاتفه : حتى أنا أشعر بالجوع، أنتم مدعوون للعشاء، ماذا تريدون، هل نطلب سمكا وسلطة روبيان، لا لا ، كل شيء إلا الروبيان، هل نطلب البيتزا، ما رأيكم بالمكبوس أو البرياني بالدجاج .. لا تحيروني ..
لا تزال كاترين تحت وطأة الخوف والشك رغم إبداء أحمد لنواياه وتصرفه بخجل، حاولت التصرف وكأنها في بريطانيا مع أصدقائها: لنطلب البيتزا بالدجاج وخبز الثوم وبيبسي كبيرة الحجم ..
أحمد: باختصار، وجبة لثلاثة اشخاص ..
جلس الثلاثة في صمت، لا أحد ينظر للآخر بشكل مباشر، إلا أن كل واحد كان يراقب الآخرين بحدسه وإحساسه، خاصة كاترين، التي نجحت قليلا في استعادة ثقتها، ما لبثت أن خسرتها حين سألها زاهر: ألا تستحمين، كنت تحلمين بحمام منعش، لا تخجلي، أحمد مثل أخي، إنه أخي ؟
كانت كاترين قد قرأت في إحدى المقالات عن قدرة العرب الفائقة على إخفاء نواياهم، ترددت كثيرا قبل موافقتها، نهضت مباشرة إلى الحمام، أقفلته بإحكام، لم تخلع ملابسها، لكنها فتحت الدوش موهمة الآخرين بأنها تستحم، قربت أذنها من ثقب المفتاح لتسمع ما يدور بين الصديقين، لكن صوت مذيع التلفزيون كان أعلى، لا شك أنهما يشاهدان نشرة الأخبار، هكذا أقنعت نفسها، بدأت تتعرى بهدوء، وقبل أن تضع ساقها في المغطس، فكرت: (كيف كنت سأفهم ما يدور بينهما وهما يتحدثان باللغة العربية .. )، نظرت إلى حيث كان الماء يتساقط غزيرا، جسد زاهر حضر كما تخيلته قبل دقائق، تراءى لها وهو يمد يده نحوها، لتدخل معه تحت الماء، تلقي برأسها على صدره وكتفه، والماء يغسلهما من كل شيء، يعجن عناصر تكوينهما مرة ثانية ويعيد تشكيلها من جديد، يعيد السنوات إلى الوراء كثيرا. جلست على حافة المغطس، لم تندم على مجيئها، لم تشعر أنها في ورطة، شعرت أنها تعيش واقعا مختلفا، حقيقة طالما كانت في مخيلتها، مأزقا فكريا وتاريخيا ينغص عليها انسجامها، فجأة داهمها سؤال : هل يمكن لزاهر أن يتزوجني؟ نهضت لتقف تحت مرش الماء، غسلت السؤال من رأسها، قررت الاستمتاع بالحمام وكأنها وحيدة في الشقة، أو أن زاهر ينتظرها وحده في الخارج، أملت نفسها بمغادرة أحمد سريعا حتى تعود إلى طبيعتها، حتى يتوقف قلبها عن الارتجاف، لا شك أنه سيتناول البيتزا ويغادر ..
كان أحمد وزاهر تحت وطأة سيل الأخبار المنهمر: محاصرة بنت جبيل، سقوط تسعة جنود لبنانيين بغارات جوية، قصف مرفأ بيروت، إسقاط طائرة مروحية إسرائيلية، إطلاق صواريخ على حيفا وجرح ستة إسرائيليين، سقوط عشرات المدنيين في أماكن مختلفة من لبنان، إيهود أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي يطرح ثلاثة شروط لوقف اطلاق النار: تحرير الجنديين الإسرائيليين الأسيرين، ووقف اطلاق الصواريخ، وتطبيق قرار مجلس الامن الدولي رقم 1559 .
أحمد: ألن تنتهي هذه الحرب، الناس يموتون، والبنية التحتية تتعرض للدمار، شوارع وجسور وبيوت وبنايات تسقط على أصحابها وساكنيها..
زاهر: يبدو أنها البداية، يسترنا الله من العواقب، المقاومة صامدة حتى الآن، ويبدو أنهم حسبوا حساب كل شيء، هذا واضح من التكتيك العسكري ..
أحمد: لماذا لم تقل لي بأن كاترين تزورك..
زاهر: يبدو أنها ستبيت الليلة، ليست مجرد زيارة، تخشى الوحدة في شقة جين، وهي غريبة هنا، أصدقك القول، هذه المرة الثانية التي ستبيت هنا، ولكن صدقني، لم يحدث أي شيء بيننا على الإطلاق..
أحمد: قل بصراحة، ألم تنجذب نحوها ؟
زاهر: إنها مغرية وجذابة في كل شيء، حديثها، ثقافتها، جسدها، والأهم من ذلك مواقفها، لكن ثمة هوة بيننا، تحاول هي ردمها، ربما لأنها لم تعش في فلسطين المحتلة، ولا تتابع ما حدث لنا على مدى ستة عقود، هنالك أمر لا أستطيع التغلب عليه..
أحمد: ارتبكت كاترين عندما حضرت، رأيت الرعب في عينيها، هل تعتقد بأنها ظنت...
زاهر: ربما، عقليتهم لا تطمئن لأحد إلا نادرا .. وكامرأة، يزيد حذرها، لو كانت رجلا لاختلف الوضع، ليس هنالك ما يدافع عنه سوى حياته ..
أحمد: كيف كانت الرحلة الصحراوية ؟
زاهر: كانت مثيرة إلى درجة لا تصدق، امتزج السحر بالخيال بالحاضر بالتاريخ، حين ركضت كاترين في الصحرا، تبعتها، لم أكن أعلم دوافعها، ربما كانت تطارد شيئا رأته في حجر الكارنيليان، استلقت على ظهرها في منتصف تلة صغيرة، ولمع تكور نهديها تحت أشعة القمر، وجدت نفسي قريبا من وجهها حتى أنني شعرت بأنفاسها، طلبت مني أن أقبلها، رغبت في تقبيلها، في اللحظة التي اقتربت شفتاي من شفتيها، في تلك اللحظة مرت ناقة، كانت جميلة إلى درجة أخافتني، نظراتها إلينا لم تكن نظرات حيوان تائه أو يعبر باتجاه معين، اختفت الناقة بعدها، ما جعلني أطلب من كاترين النهوض والعودة من حيث أتينا، شعرت بأننا تطفلنا على مكان ليس لنا..
أحمد: وهل كانت الناقة جنية، على سبيل المثال؟
زاهر: ألا تعني لك الناقة شيئا سوى أنها جنية، رأيتها وحدي في المرة الأولى، وقالت كاترين أنها شاهدتها ونحن نخرج إلى الشارع الرئيس...
أحمد: اسمع يا زاهر، يجب أن أغادر قبل أن تخرج كاترين من الحمام، وادفع أنت ثمن البيتزا يا صديقي، يعينك الله ..
زاهر: سأدفع أنا، ولكن عليك البقاء، من سيحضر لك العشاء في هذه اللحظة، الطباخة نائمة ..
أنهى أحمد النقاش مع زاهر بقرار حاسم، يجب أن يغادر، نهض وهو يمازحه ويوصيه بالاهتمام بكاترين. في اللحظة التي كان يهم فيها بالخروج، خرجت كاترين من الحمام، ترتدي كل ملابسها، وعلى رأسها فوطة بيضاء، طلبت من أحمد أن يبقى، حاول الاعتذار لكنها رجته فاستجاب، استأذنت لتنشيف شعرها، عادت بعد دقائق قليلة، وجدت الصديقين يشاهدان التلفزيون ..
كاترين: ألا تملان من مشاهدة التلفزيون ؟
زاهر: قد يدهشك الأمر، أحيانا أبقى حتى الصباح لمتابعة ما يجري، حرب كبيرة، وتصريحات أكبر..
أحمد: ماذا تعني ..
زاهر: أعني تصريحات كونداليزا رايس، وزيرة الخارجية الأمريكية، وحديثها عن شرق أوسط جديد بدأت تتضح ملامحه..ربما اعتقدت بأن ساعة هزيمة المقاومة قد أزفت، وإن المنطقة ستكون خالية من التنظيمات المسلحة، خاصة إذا ما تم تطبيق القرار 1559 .. لكن الأمر في غاية التعقيد، إنه أكبر من نظرية تطرح في مؤتمر صحفي، وأمنيات تطلق من عواصم عربية أو شرق أوسطية ..
كاترين: هل يمكن أن أتطفل وأقول رأيي، رغم أنني خارجة لتوي من حمام منعش، لا بأس، ورغم أنني أمقت السياسة، إلا أنني مجبرة على تعاطيها، مثلكما بالضبط، لا تزعل يا أحمد، أود القول بأن الفوضى البناءة التي يطرحها الرئيس الأمريكي بوش هي الهدف الكبير، شرق أوسط تقطع الفوضى أوصاله، وأكاد أزعم أنه يتمنى أن تحدث الفوضى في إسرائيل أيضا.. وحسب تحليلي المتواضع، فإن السياسة الأمريكية تريد شرق أوسط يضج بالتناقضات، حتى تبقى صاحبة الكلمة العليا ..
أحمد: هل تعنين بأن بوش لا يرغب في تطبيق سياسة الدولتين، دولة فلسطينية ودولة إسرائيلية؟
كاترين: لا أعتقد، لأن السلام خطر على الإسرائيليين، هل تعلم ماذا يعني وجود دولة تسمى إسرائيل، وتربطها اتفاقيات مع الدول العربية المحيطة بها، ووجود دولة فلسطينية، واختفاء المشاكل؟ بكل وضوح، يعني ظهور تناقضات المجتمع الإسرائيلي على السطح، ولا أستغرب نشوب حرب أهلية ..
زاهر: أذكر أنه عندما قررت الحكومة الإسرائيلية الانفصال عن قطاع غزة والضفة، نشب حوار ساخن بين الأطراف، بل تحدث كثيرون عن احتمال نشوب حرب أهلية، ومن بينهم وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك سيلفان شالوم الذي قال في مقابلة اجرتها معه صحيفة «معاريف»، أنه لا يستبعد وقوع حرب أهلية في إسرائيل، على خلفية اخلاء مستوطنات في اطار الفصل.
كاترين: القضية أكبر من تصريح شالوم، أو اختلاف بين السياسيين ورجال الدين اليهود حول خطة الفصل، اسمحوا لي أن أتحدث قليلا عن الطوائف والفرق اليهودية، لا أدري إن كنتم تسمعون بها أو ببعضها ..
أحمد: أنا أعرف القليل ..
زاهر: تكلمي براحتك ..
كاترين: سأتحدث باختصار، هنالك جماعة (الشوميرونيم)، ويُطلقون على أنفسهم " بنو اسرائيل" ويقولون بأنهم من سلالة السامرة، الذين لم يرحلوا عن فلسطين بعد تدمير المملكة عام(722ق.م)، وعددهم لا يزيد على 620 نسمة ، يعيش أكثر من نصفهم في نابلس مع الفلسطينيين،وتعاملهم إسرائيل كما تعامل الفلسطينيين. وهناك (الفروشيم)، و يمثلون غالبية اليهود، يشكلون عصب حزب الليكود وهم أكثر اليهود تطرفا. وهناك (الأبيونيين)، ويتفقون مع المسلمين بأن عيسى لم يصلب، ورفعه الله إليه، وهناك (الدونمة)، وتعيش هذه الفرقة في تركيا ويرفض أتباعها العودة إلى إسرائيل، وهناك (الريفوريست)، ويرى أعضاؤها بأن اليهودية دين وليست جنسية، والغريب أن هذه الحركة نشأت في ألمانيا، الدولة التي يفترض أنها قامت بحرق اليهود في أفرانها، وينتشر أتباعها الذين يتجاوزن المليونين في أمريكا وروسيا وأوكرانيا، وهناك (المحافظون)، ويقفون موقفا وسطا بين اليهودية الأرثوذوكسية والإصلاحيين، حتى أنهم عينوا امرأة في منصب حاخام، وهذه الحركة مرفوضة من قبل اليهود المتشددين، ولكنها تدعم الصهيونية. وهناك (اليهودية الأرثوذوكسية)، وهذه الفرقة أو المذهب تسيطر على الحياة الدينية في إسرائيل. وهناك (الحسيديم)، وهي حركة صوفية، وهناك فرق اندثرت مثل الصدوقيون، و القناؤون والإسيين.
أوقف جرس الباب المعلومات التي بدت كاترين تحفظها عن ظهر قلب، نهض زاهر، استلم البيتزا، دفع الثمن، وعاد ليرتبها على الطاولة: حضرت البيتزا مع الحرب الأهلية ..
أحمد: انظر إلى شكل البيتزا، كأنها تعرضت لحرب أهلية ..
زاهر: توقف عن هذا الوصف، لا تعطل شهيتنا ..
كاترين: فعل الأفران أكثر من فعل الحرب الأهلية ..
صمت الجميع، تعكر مزاج زاهر قليلا، ظهر الانزعاج على ملامح وجهه، اعتقد أن كاترين تلمح لأفران الغاز التي يقول الإسرائيليون أن هتلر حرق اليهود بداخلها، لم يصبر ووجه كلامه لكاترين: هل تقصدين أفران النازية ..
كاترين: بالطبع لا، يبدو أنني أسأت التعبير، أقصد أفران البيتزا، وما تفعله بالعجين والجبنة والبصل والسلامي وغيرها ..
رغم توضيح كاترين، إلا أن زاهر شعر بالريبة والنفور، اعتقد بأنها تمادت في التلميح، اندمجت في حديثها عن اليهود، وإنها تظن بأن الساحة باتت مفتوحة لتقديم أفكارها بشكل مباشر، طالما أن الثلاثة أصبحوا أشبه بالأصدقاء، تجمعهم البيتزا ..
انهمك الجميع في تناول البيتزا، بعد أن قامت كاترين بتوزيع سلطة الملفوف والجزر بالمايونيز على الثلاثة، لكن زاهر أحس بالشبع منذ القطعة الأولى، قدمت كاترين قطعة ثانية له، رفضها، أصرت، قبلها، حاول أن يستعيد الحوار من جديد، سأل كاترين: ولكن، كيف ستنشب حرب أهلية، إذا كانت بعض الفرق في أمريكا والأخرى في تركيا وأوكرانيا ..
كاترين: لا تنسى أن لهم الكثير من الأتباع في إسرائيل، ورغم ذلك، فإن الفكرة ليست هنا، هنالك تناقضات كثيرة في العقيدة واختلافات أكثر في المواقف، خاصة أن دولة إسرائيل كما يقولون قامت على وعد إلهي، أي تحكمها أفكار دينية، يختلفون على قدسية التوراة والإنجيل، وعلى عودة عيسى المسيح، يختلفون على إقامة الدولة ذاتها، منهم من يقول بأن اليهودية ديانة شأنها شأن المسيحية، واليهودي يمكن أن يكون أمريكيا أو عربيا أو روسيا أو ألمانيا، ومنهم من يقرأ الكتاب المقدس بلغته وليس شرطا أن تكون العبرية هي لغة الصلاة، يختلفون في طقوسهم، في نظرتهم للمرأة، والسلام يا عزيزي، سيفجر هذه التناقضات ..
أحمد: أنا لا أعتقد أن السلام سيتحقق، لأن المتشددين سيحافظون على سيطرتهم على الشارع اليهودي، وفي المقابل، هنالك تشدد في بعض التنظيمات الفلسطينية الإسلامية، ومن خلفها تنظيمات أخرى مثل القاعدة وغيرها، وهذه الأخيرة تسمح لنفسها بانتقاد التنظيمات الفلسطينية الإسلامية، رغم أنها لم تقم بعملية واحدة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة ..
كاترين: أنا قد أختلف معك، السلام يمكن أن يتحقق، ولكن ظهور التناقضات لن يحتاج إلا سنوات قليلة جدا ليظهر، وربما يظهر إلى السطح خلال شهور، بل ربما يكون السلام ذاته هو السبب، لقد شاهدتم كيف اصطدم سكان المستوطنات في قطاع غزة والضفة الغربية بالجنود الإسرائيليين وهم يخلونهم قسرا من منازلهم، كان بعض المستوطنين المتطرفين على استعداد لإطلاق النار على الجنود..
زاهر: كل الاحتمالات واردة، قرأت قبل فترة مقالا للكاتب الأردني إبراهيم غرايبة في مجلة (العصر الجديد) الإلكترونية، نقل فيه اعتقادا للنائب أفشلوم فيلان، بأن ثمة فرصا لحرب أهلية في إسرائيل، قائمة على الانقسام الكبير في المجتمع الإسرائيلي بين المتدينين والعلمانيين، واحتمال الصدام المسلح بين الحكومة الإسرائيلية والمستوطنين، وهناك انقسامات أخرى عميقة بين الإثنيات اليهودية المتعددة والمختلفة، وبخاصة الانقسام التقليدي والتاريخي بين الشكناز (اليهود الغربيون) والسفارديم (اليهود الشرقيون)، ويدعم قوله باغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحق رابين على يد جماعة غوش أمونيم الأصولية، والتي تعتقد بأنها جديرة بحكم إسرائيل بدلا من القيادة المترهلة في تل أبيب، وقد تلجأ إلى أي وسيلة، بما فيها العنف، وهم يشبهون في ذلك، الحركات الإسلامية التي تطمح إلى إنشاء إمارات إسلامية لتعيد عصر الخلافة ..
كاترين: الصحف الإسرائيلية ذكرت أكثر من هذا، ونقلت عن مسؤولين في الشاباك، وهو جهاز الأمن الإسرائيلي، حيث تحدثوا عن تنظيمات عسكرية سرية تخطط لاغتيال مسؤولين إسرائيليين، تنظم الشباب وتخزن الأسلحة ..
زاهر: على كل حال، الكاتب غرايبة يقول أن هناك مبالغة في الحديث عن حرب أهلية، ولكنه يرجح صراعا مسلحا وانقساما سياسيا، سيؤدي إلى تصاعد الهجرة الإسرائيلية إلى الخارج ..
كاترين: الحمد لله أنني لن أضطر للهجرة ..
انطلاق كاترين في الكلام، وإفصاحها على أنها يهودية، كان يعيد المشاعر إلى نقطة الصفر، يعطل شهية تناول البيتزا قليلا، وكان شريط الأخبار الذي يتابعه زاهر بين لحظة وأخرى، يزيد من التوتر، الذي لا يلبث أن يتراجع خلف جلسة فيها الكثير من الحذر، رغم الأحاديث التي كانت تبدو تلقائية.
قطع أحمد الصمت قائلا: حصلت على مفاتيح معلومات هذه الليلة تكفي للبحث فيها لمدة أسبوع، وأنا أشكركما معا ..
زاهر: لا تنسى أن عليك واجبا آخر يجب أن تبحث فيه ..
أحمد: ولهذا، أستأذنكما بالرحيل ..
اصطحب زاهر صديقه إلى الباب، ثم إلى المصعد، وحين عاد وجد نفسه وجها لوجه أمام كاترين التي بادرته بالقول: الآن أستطيع ارتداء دشداشتك، إلي بها، تكاد ملابسي تخنقني ..
ذهب زاهر لإحضار الدشداشة، وحين عاد إلى الصالون كانت كاترين قد فكت ثلاثة أرباع أزرار قميصها، قدم لها الدشداشة وغادر الصالون مسرعا إلى غرفة نومه، أقفل الباب وبدأ بتغيير ملابسه بهدوء بالغ، كان يفكر بطبيعة الحالة التي وصلت إليها كاترين، برغبتها في عناقه في الصحراء، والمبيت في شقته، مر في خاطره أن هؤلاء القوم لا يؤمنون بالعاطفة السريعة، خشي أن الغربة وحدها هي التي تحركها، ومرض جين هو الذي يقربها منه، فكر أيضا بقلبه الذي لم يتسارع نبضه، بتردده أو عقلانيته، لو كانت امرأة أخرى لربما عاشرها في قلب الصحراء، تقلب معها على الرمل كقطين بريين، لكان قد ملأ الليل ركضا، والقمر شعرا وجنونا، لكن كاترين وضعته في مأزق لم يتوقعه طيلة حياته، فقد مرت سنوات كثيرة من عمره وهو يعتقد أن أشكال هؤلاء مختلفة كليا، قبل أن تبدأ الفضائيات العربية باستضافتهم، والعواصم والمؤتمرات باستقبالهم، قبل أن يرفرف علمهم في قلب بعض المدن العربية، ولو كان يعرف منذ البداية أن كاترين يهودية، لربما لم يفتح أحاديث معها، لربما أدار لها ظهره وراقب تحركاتها، ربما اعتقد أنها تتحرش به لهدف ما، لكن كاترين رتبت أفكاره من جديد، دوزنت إيقاعه على وقع واقع جديد، ربما ساهمت قراءاته عن بعض مفكريهم ومجموعاتهم السلمية والدينية التي لا تؤمن بالصهيونية باتساع أفقه، ربما لأنه ابتعد كثيرا عن ساحة الصراع والحدود والبندقية، تذكر حين كان في الصف الأول ثانوي، حين قضى وأصدقاؤه المسلحون ليلة كاملة تحت المطر حول المخيم، بعد وصول أخبار عن احتمال تعرض المخيم أو بعض مواقعه لعملية إنزال عسكرية إسرائيلية، لم يحدث الإنزال، وقضى اليوم التالي يعاني من نزلة برد شديدة منعته من الذهاب إلى المدرسة.
تذكر أمه وهو ينظر إلى وجهه في المرآة الكبيرة المقابلة لسريره، ماذا ستقول له لو علمت أن يهودية شاركته سريره أو شقته أو طعامه، أو أنه صرف عليها من أمواله في المطاعم والنوادي الليلية، قد لا تغضب، فجدته كانت تسرد له تفاصيل جزء من حياتها في عكا، حين كانت جارتها يهودية، تذكر حلمه الذي رأى فيه جدته التي تحولت إلى إنسانة متطرفة ضد كل دين غير دينها، بعد تهجيرها من قريتها (مجد الكروم) ، بل كانت تنعتهم بالكفار، فهل سيكون رد فعل أم زاهر مشابها لرد فعل جدته لأبيه، خاصة أنها خرجت من عكا صبية في العشرينات من عمرها، والآن قد تجاوزت الثمانين، ورغم ذلك، تتحدث عن ماضيها كأنه حدث أول أمس، وكثيرا ما تقول (البارحة )، وهي تسرد بعض القصص، لكن ( البارحة ) يكبر، حين تتذكر أسماء كثيرة انتقلت إلى رحمة ربها، ومن بين تلك الأسماء زوجها وبعض أولادها، ويبتعد ( البارحة) كثيرا حين تتحسس ركبتيها اللتين لا تستطيع ثنيهما من التيبس والخشونة والصدمات. ويصبح ( البارحة) نقطة بعيدة في مدى بعيد حين تتذكر شقاءها وعملها في البساتين منذ الفجر حتى مغيب الشمس، وتستعيد المطر وهو يندفع إلى قلب الخيمة، وألواح الزينكو وهي تتطاير في الليالي العاصفة، وهي المدللة ابنة الأصول العريقة، وابنة أكبر عائلة في قريتها.
لبس الحزن زاهر كجلده، استدار ليواجه الليل المنتشر خارج النافذة، يمسح بعينيه المتعبتين المسجد القريب والأضواء والمنازل المتفرقة وأشجار النخيل، انحنى قليلا، أسند كوعيه على حافة النافذة، كبرت الغصة في داخله، توزعت على مسامات جلده، انكمشت خلاياه، بات مخلوقا شفافا، تثير دمعته كلمة واحدة، أو لمسة يد حانية، تمنى لو تحدث معجزة، فيجد رأسه على فخذ أمه، ويدها تمسد شعره وظهره، بينما يعمل على تفريغ كل الأفكار من دماغه، يطرد كل الماضي، ولا يفكر في المستقبل، وينام، ينام كالأطفال، أو كالملائكة..
في تلك اللحظة التي التصق فيها زاهر بروحه، شعر بحضن يطوقه من الخلف، برأس يستند على ظهره، بثديين صلبين يكادان يقطران حليبا من سخونتهما، حتى أنه شعر في لحظة ما أن مساحة من ظهره باتت رطبة، إذ لم يكن يرتدي سوى الفانيلا، استسلم للدفء للحظات، ثم أدرك أن المعجزات انتهت، وإن معجزته المشتهاة كانت إلقاء رأسه على ساق أمه، وإلقاء تعبه في جرن حنانها لتغسله، كما أدرك أن ظهره تحول إلى مهبط أحزان، استعاد وعيه تدريجيا، بات على وعي بهوية حاضنته، استقام بهدوء، استدار بلطف، كانت كاترين أمامه، رسمت وجهها بمساحيق التجميل، أول مرة يراها بأحمر شفاه قان ولامع، وكحل عريض في عينيها، وتورد يسكن خديها، بينما أسدلت شعرها على وجنتيها بطريقة مفعمة بالرغبة وبالاستعداد للانصهار. تأمله بوجهها لم يخلصه من حزنه العميق، تأمل أكثر بحجر الكارنيليان الذي أحاطت به رقبتها ولامس تلك العظمة البارزة اسفل جيدها. أدرك ما أرادت أن توصله كاترين في طريقة تجميل نفسها، لم يشأ خذلانها، قال لها بصوت قادم من أقاصي الصمت: أي جنية ساحرة خرجت من القصر لتسكن شقتي المتواضعة ..!
- سأمارس عليك سحرا لم تشهده عيناك من قبل ..
- بفتنة الكارنيليان؟
- بفتنة الحزن الذي يسكن عينيك..
مدت كفيها المرتجفين الساخنتين لتمسحا وجنتيه، ركزت نظراتها الناعسة في عينيه، أغمضت عينيها: حرر ذاكرتك من كل شيء واتبع أنفاسي، نحن أبناء هذه اللحظة الخالدة، خلقنا من الغربة والتيه، عمدنا الألم والدم، وسنكتب بأنفاسنا آية جديدة، وسفرا جديدا ..
أمسك زاهر كفيها، شد عليهما، أبعدهما ببطء عن وجهه، قربهما إلى وجهها، باتت تحضن وجنتيها بكفيها وكفيه، لم ينطق بحرف واحد، أبعد كفيه، أنزلهما على كتفيها بلطف، فتحت عينيها، ابعدها قليلا، لاحظ أنها ارتدت دشداشته على لحمها، تحرك بهدوء: اسمحي لي أن أكمل ارتداء بيجامتي ..
خطا عدة خطوات، صارت خلفه، قالت معاتبة: لماذا ترفضني يا زاهر ؟
لم يلتفت، الحت بنفس سؤالها، ارتدى جاكيت بيجامته، كررت سؤالها بصوت مرتجف: لا تخيب أملي، لا تقبلني ولا تعانقني ولا تمارس الحب معي، ولكن لا تشعرني بأنني كالمرض المعدي، يجب أن نتحدث، أن نواجه أنفسنا ..
رقت أكثر، شعر بها خلفه تحاول احتضانه من ظهره مجددا، يقتله التصاق نهديها بظهره، تقدم خطوة والتفت مرتبكا: أنا لا أرفضك.. ولكن ..
- هل تعاني من شيء ما ..
- مثل ماذا .. ؟
- ضعف جنسي مثلا ..
- لقد ذهبت بعيدا، المسألة ليست جنسية كما تعتقدين، أم أنك تستفزين الذكر العربي في داخلي..
- لا أتعامل معك كذكر عربي، أحببت ثقافتك وسعة أفقك وصدرك، يجلدني الحزن الساكن في عينيك، مذ عرفتك لم أر صفاءهما، عيناك جميلتان ولكن مساحة البياض فيهما قليلة، ابتسامتك عذبة لكنك تبخل بها على نفسك ..
أمسك زاهر كاترين من يدها، سار إلى الصالون، طلب منها الجلوس وتهدئة نفسها، جلس قبالتها وقبالة التلفزيون: أنا سعيد بهذا الإعجاب، ويريحني فكرك ولكن ..
- هل تشعر بأنني أدعي كل ما أفصحت عنه ..؟
- لا أظن ذلك ..
طأطأت كاترين رأسها، أمسك زاهر بجهاز التحكم عن بعد ( ريموت كنترول التلفزيون)، رفع مستوى الصوت، أعاد المذيع النشرة السابقة، مع بعض الصور الجديدة لمدنيين قضوا حرقا، غير القناة إلى قناة أخرى ناطقة باللغة الإنجليزية، كانت تعرض الصور ذاتها، تابعتها كاترين، نظرت إلى زاهر بعينين دامعتين، لاحظت صمود دمعه في مآقيه، اندفعت نحوه معانقة، طال عناقها له، أجلسها إلى جانبه، ألقت رأسها على كتفه، أقفل التلفزيون، أسند ظهره إلى الأريكة، نقلت كاترين رأسها من كتفه إلى فخذه، وضع راحة كفه على وجهها، مسد شعرها، تكورت كطفلة مدللة، أغمضت عينيها، نظر إلى الأعلى، عانق وجهه سقف الغرفة، أغمض عينيه، سافر إلى مكان بعيد، سمع صوت المطر على سقف الزينكو، والرعد المنفجر بالقلوب، ولا شيء يمكن فعله سوى انتظار رحمة الله.
استيقظت كاترين على آذان الفجر، رفعت رأسها، استفسرت عن الوقت، عادت فوضعت رأسها على كتفه، وصوتها يعتذر لتسببها في عدم نومه ..
- المشكلة ليست في النوم يا كاترين، علي أن أذهب في الصباح للعمل ..
- وكيف ستواصل حتى الساعة الثالثة عصرا، ألا يمكنك أخذ إجازة ؟
- يمكنني، ولكن علي أن أنهي مشروعا أعمل عليه أنا وأحمد، ويحين موعد تسليمه في الغد، يمكنني الذهاب متأخرا بعض الشيء، لقد أنجزت معظمه ..
- هل يمكنني المساعدة ؟
- أنت في حاجة للنوم أيضا، لا أحد يعلم تطورات صحة جين، ربما عليك زيارتها في المستشفى غدا، رغم أنني فهمت من كلامك أنها أصبحت بعهدة فريق طبي يمنع عنها الزيارة ..
- لا أعتقد أنهم سيحولون بيني وبينها، هاتفها معي، وبعض أوراقها أيضا، ومفتاح شقتها، ولا بد ستسأل عني حين تستيقظ .. وحين تفعل، سأكون إلى جانبها، وأعطيها حجر الكارنيليان، إنه مشبع الآن بالعاطفة والقوة والتفاؤل، قبولك لرأسي في حضنك وعلى كتفك، راحة كفك وهي تمسد شعري وتلمس وجهي، زرعت في روحي التفاؤل، والراحة، يجب أن أشكرك ..
- هل تفهمين ما يدور بداخلي ؟
- أفهمك كثيرا، اعذر الأنثى التي تمردت على المثقفة كاترين، أنت تعلم حالة المرأة حين يرفضها رجل أعجبت به ..
- أكرر قولي يا كاترين، أنا لا أرفضك، لكنني في حاجة إلى وقت طويل حتى..
- ما زلت تتردد في البوح، لم تكن كذلك قبل معرفتك بديانتي، أنا لست متطرفة، ولست صهيونية، والله لم أسبب أذى لأي إنسان منكم ..
- أحتاج وقتا حتى أبادر وأعانقك .. هل تفهمين ..
كاترين: صحيح أن اياما قليلة هي التي جمعتنا، لكنني أشعر أنني أعيش معك منذ عقود، ألفتك بسرعة، ولن أنفر منك بنفس السرعة، لأنك تعاملت معي باحترام وذكاء شديدين ..
- أعتذر للأنثى التي ..
- لا تعتذر، أنصحك بمحاولة النوم ولو لساعات قليلة ..
- قد أنهض قبلك في الصباح، تصرفي وكأنك في بيتك ..
- ماذا لو نهضت أنا قبلك ولم تجدني ..
- سأتصرف وكأنني في بيتي ..
ضحكا كالسكارى، ذاك ما يفعله النعاس ..
- هل لديك بيت في مكان ما ؟
- سنتحدث عن هذا في ما بعد، لأنك تفتحين التاريخ كله، و التاريخ بيت ..
- يعجبني هذا الكلام ..
- وحتى نضمن النوم ولو لساعات قليلة، سننام كل في غرفته ..
ابتسمت كاترين، تمنت له نوما هادئا ومريحا، مشت نحو غرفتها، وجسدها يتموج داخل الدشداشة.. غابت عن ناظري زاهر، الذي شعر لأول مرة منذ لقائهما، برغبة نحوها ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق