الفصل الأول من رواية فتنة كارنيليان
أنور الخطيب
الإهداء:
إلى روح راشيل كوري
الفتاة الأمريكية التي قضت نحبها تحت جرافة إسرائيلية
وهي تدافع عن بيت فلسطيني
الفصل الأول
مرت به امرأة أيقظت كل تاريخ رجولته من مكمنها، كاد وركها الأيمن أن يحتك بكتفه الأيسر، كانت خطواتها تائهة كما لو أنها تبحث عن شيء أو فكرة بنهم شديد.
" الانتظار والتيه"، هذا ما كتبه زاهر على الصفحة الأولى من مجلة النيوزويك، المرأة استنفرت كل حواسه دون أن يعرفها، لم تخلق به إحساسا بالعدوانية أو التعاطف أو المودة، لكن فضولا ما نهش نفسه، جعله يفكر بالنهوض فورا واللحاق بها، لكنه أدرك سريعا أنها كانت فكرة سيئة، لاعتقاده أن الجري وراء التائهين تيه آخر. امتعض بعض الشيء، فكر، لم يكن لديه أدنى سبب ظاهر للحاق بها، سوى أثر احتكاك وركها الذي لم يحدث شررا بالتأكيد!
ألحت المرأة في حضورها حتى أزعجت تفكيره بوالدته المريضة، ثم سرقته من تأمله بجموع المتجولين والمتسوقين والمتسكعين في مركز المارينا في أبو ظبي، طردها بصعوبة من هواجسه، رغم علمه بوجودها في ركن صعب في عقله. عاد زاهر إلى ممارسة عادته المتعبة التي تمنحه فسحة مراقبة الداخلين والخارجين، يختار منهم أبطالا وبطلات لقصصه، التي لا يكتبها حين يعود وحيدا إلى شقته.
حين تجاوزت الساعة السابعة والنصف ولم يحضر صديقه رمزي، نظر زاهر باتجاه العاملة الفلبينية روز، ألقى القبض عليها وهي تتأمله مجددا، اشار إليها فحضرت، وجدها امرأة أخرى، سألها عن صحتها وعملها بود، لكنها تعاملت معه بمهنية عالية، كعاملة مقهى فقط، دهش، طلب عصير ليمون بالنعناع، شكرته بابتسامة، غادرت، دون أن يحتك شيء منها بكتفه!!
خلع سترته الكحلية، علقها على ظهر الكرسي، تأكد من مكان هاتفه النقال، وسلسلة مفاتيحه، أرخى جسده إلى الأمام، وضع ساقا فوق ساق، ألقى نظرة إلى البعيد، ظهرت أضواء شارع الكورنيش تشع كقلادة من ألماس، تقبع خلفه مدينة مكتظة بالقلق والاطمئنان، والمرح والحزن والطمع والقناعة والصحة والمرض والهجرة والوحدة والأنس، بنايات شاهقة بدت عفاريت اسمنتية ثابتة، تزدحم بأكثر من مائة جنسية وعشرات اللغات والثقافات. نظر إلى أسفل، صدمه مشهد الحشود المندفعة، رغم رؤيته له للمرة العشرين، نساء يحطن أجسادهن بعباءات سوداء تلمع عيونهن الواسعة المكحلة، نساء يافعات يرتدين الجينزات الضيقة والبلوزات الأضيق، صدورهن تجعل عيون الرجال اكثر جحوظا، نساء يرتدين الساري الهندي الملون، أو البرنوس المغربي الطويل، نساء محجبات وأخريات سافرات، نساء يرتدين سراويل قصيرة ويظهرن أفخاذا رشيقة، نساء شقراوات وبيضاوات وسمراوات وزنجيات، صينيات وروسيات وعربيات وأمريكيات وأوروبيات وإيرانيات وخليجيات، ولدهشته، اكتشف أنه يبحث بينهم عن المرأة التي مرت به..
تساءل زاهر عن سر اختياره للنساء فقط، رغم أن المركز يعج بالجنسين، فقام بتضييق زاوي الرؤية، رأى رجالا صغرت أحجامهم يسيرون خلف نسائهم بحيرة، اقتنص عائلات تجر عربات مليئة بالمشتريات، وأمزجة أفرادها متوعكة لارتفاع الأسعار، يفر من أمامهم وخلفهم شباب صغار يتشبهون بأبطال السينما والغناء، يظهرون بمظهر الـ ( dirty boys )، يتهكمون على هذا وتلك .. وعلى أنفسهم. ألقى زاهر نظرة بعيدة قادته إلى خارج المركز، شاهد حصانا عجوزا أحيل إلى التقاعد، ينقل الناس الراغبين في نزهة وسط دخان عوادم السيارات، اكتشف زاهر أنه لم يكن يبحث عن تلك المرأة في الخارج..
عاد زاهر إلى مكمنه، أشعل سيجارة، ليس لحاجته للنيكوتين والقطران، ولكن ليفعل أي شيء، مرت صورة المرأة التي احتك وركها بكتفه مع خروج سحابة الدخان الأولى، كأنه تمنى أن تكون سحابة دخان وتتلاشى، لكنه تذكر طولها، جسدها من الخلف، رائحة عطرها الخفيف، فكر مرة أخرى باختراق الازدحام للبحث عنها، عطل الرغبة رجل مر بطيئا في ذهنه، ربما رآه دون وعي منه يسير مع المائة جنسية التي تحتل المركز، ربما شاهده مرفوعا على الأكتاف، حاول طرد خياله لكنه ألح، فتح زاهر المجلة، كتب تحت عنوان "الانتظار والتيه والجريمة": ( حضر ما يشبه السيد كوفي عنان إلى المقهى بملامحه الباردة، جلس إلى طاولتي دون دعوة مني، بدأ يراقب ما أراقب، ولكن بإحساس مختلف، كانت ملامح الرضا تغمر وجهه، وكان ضباب القلق يغلف وجهي..)
امتلأت المساحة العامودية البيضاء، قلب الصفحة بنهم، وجد موضوعا يتحدث عن مستنقع جورج دبليو بوش في العراق، كان اللون الأحمر الدموي يطغى على تصميم المقالة، زاهر يكره اللون الأحمر في تصميم المجلات، لكن المصمم كما يبدو، كان تحت وطأته، حاول جاهدا إيجاد مساحة بيضاء ليكتب، لم يفلح، اللون الدموي كان يتسيد كل المساحات، يبدو أنه كان يتسيد مساحات في ذاكرته..
عاد للتأمل أو مراقبة مشهد الحشود ببطء، ترددت كلمات كوفي عنان في تجاويف جمجمته، كلمات عن العولمة وثقافة السلام وحوار الحضارات، غاظه كوفي عنان، كره كلماته رغم معانيها الحضارية، ترددت كلماته أكثر، امتلأت شرايينه بالحنق والغضب، كثيرا ما تخيل نفسه يلقي كلمة في مقر الأمم المتحدة، كثيرا ما ترددت مفردات الكلمة في رأسه وهو يشاهد نشرات الأخبار اليومية، في تلك اللحظة حضرته الكلمة السريالية، كانت تتردد في رأسه، بينما عيناه تتجولان بين الناس: (سيدي الرئيس.. لم أحبك يوما، ولم أكرهك، لم أحبك سيدي لصمتك الغامض وارتباكك، ولم أكرهك لأنك أسود، وأنا، كما تعلم أو لا تعلم، دائم التعاطف مع السود، ربما لأنهم تعرضوا ويتعرضون للتمييز.. ! أريد أن أعترف أيضا أمام جميع الأمم التي تمثلونها رغما عنها أو باختيارها، بأننا نحن العرب مارسنا التمييز، مارسنا الرق، كما مارسه الأميركيون والأوربيون مع الأفارقة والهنود الحمر، لكننا لم نقتلهم أو نسلبهم أموالهم وذهبهم، ونحن نردد، على الأقل نردد، بأنه لا فرق بين عربي وأعجمي، أو بين أبيض وأسود إلا بالتقوى. وأنا أيها الـممثلون، من هؤلاء الذين يرددون هذا الكلام، على الأقل أردد، لكنني لا أمارس التمييز، لا أكره ولا أحب الإنجليز على سبيل المثال، لكنني بالتأكيد أكره آرثر بلفور).
في خضم ارتحال خيال زاهر وأحلام يقظته، حضرت المرأة التي مرت به وهي ترقص على منصة مجلس الأمن، كان يسمع تصفيقا، تداخلت الحقيقة بالتهيؤات، تساءل إن كان التصفيق للمرأة أم لكلامه، حينها، توقف عن الكلام، رغم أنه كان يخطط لتلاوة رسالة بلفور التي أرسلها للزعيم للزعيم الصهيوني اللورد روتشيلد، لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين..
عاد زاهر من تهيؤاته التي استسخفها، شعر أنه كان يعيش حلما أبلها، وكان يتحدث بأسلوب ركيك وفج. أقفل المجلة، كتب على الغلاف الأخير، وبهدوء: ( أعلم أن موقفي غريب!! وأعلم أنني مباشر ووقح أحيانا، ولكنني أنطق بلسان نفسي.. ولا أحد يمثلني..) كتب ذلك، رغم يقينه أن لا أحد سيقرأ ما كتب.
ارتشف زاهر رشفة طويلة سحبت نصف محتوى كأس الليمون الاسطواني، لسع الحامض جوفه، سارع إلى إشعال سيجارة، طالبا المزيد من اللسع والحرق. .. .
صوت تنبيه الرسائل في هاتفه المحمول أطلق رنة تشبه طرقا على باب، قرأها، كانت نكتة جنسية، يسمونها الناس قذرة، من صديقته السكرتيرة سونيا، ابتسم بداخله، قام بإرسال النكتة ذاتها إلى صديقة أخرى مهووسة بالنكات الجنسية، مع دعوة لاحتساء كأس نبيذ منعش، ردت المرأة بالموافقة على الدعوة، ساوره إحساس بالندم، ولم يسعد لموافقتها !!
لم يكد الهاتف يستقر على الطاولة، حتى سمع صوتا ناعما يتحدث الإنجليزية بطلاقة، يطلب استخدام هاتفه لدقيقة واحدة. وضع سيناريوهات عديدة خلال ثوان قبل أن ينظر إليها:
أولا: امرأة من نساء الليل تتحرش لتؤمن عملها تلك الليلة، ولكن الإنجليزيات لا يمارسن مهنة الدعارة خارج امبراطوريتهم !!
ثانيا: امرأة درست في المدارس الخاصة أو الجامعة الأمريكية مثلا، تعاكس للتعرف على رقم هاتفه..
ثالثا: امرأة انتهى رصيد هاتفها، وشجعها شكله الرصين على التقدم بطلبها، يحدث هذا ولكن نادرا ..
رابعا: امرأة بلا هاتف متحرك، ويندر وجودها في أبو ظبي، فخادمات البيوت يمتلكن هواتف متحركة، لا وقت للحيرة..
خامسا: سائحة عشوائية طلبت خدمة بتلقائية، من رجل لا تعرف درجة تلقائيته، ظنت أنها في مقهى لندني أو نيويوركي..
رفع رأسه، احتوى دهشته، تنتصب أمامه امرأة طويلة، ترتدي بنطلون جينز على جسد مشدود، ينبعث منها عطر خفيف، نفس العطر الذي شمه حين كاد ورك المرأة أن يحتك بكتفه، لم يجبها بأخلاق الجنتلمان، طلب منها أن تستدير فاستدارت، اعتقدت أنه يرشدها إلى أحد، وحين عادت بعينين فارغتين، هيأ نفسه لتوبيخ من نوع (فك يو) لتذهب بعدها غاضبة، لكنها ولدهشته، بقيت صامتة متعجبة، فأدرك أنها زائرة وليست مقيمة،سألها دون مقدمات:
- أنت من مررت قبل عشر دقائق، أليس كذلك يا سيدتي؟
- نعم، ولكن ما علاقة هذا بطلبي التحدث من هاتفك؟
- لا علاقة أبدا، لكنني تبعتك بنظراتي قليلا، فوركك الأيمن كاد أن يحتك بكتفي الأيسر..
- لكنه لم يفعل.. !!
ابتسم غير محرج، ابتسمت المرأة الشابة بخجل، ربما لأنها تحدثت عن وركها بحيادية. سألها بنبرة تمتزج فيها الجدية بالتهكم: وهل ستستخدمين هاتفي مجانا يا سيدتي؟
اتسعت عيناها غير مصدقة لما سمعت، سألها إن كانت قد دهشت، فقالت: في الواقع نعم، ولكن إذا كانت هذه هي الحال، فسأدفع لك ولكن ليس الآن..
أدرك زاهر أن المرأة تائهة، ندم على فذلكاته، رجح أنها لم تكن تملك دولارا واحدا، لم تكن تحمل حقيبة ولا محفظة نقود، غمره أدبه وبعض من خجله، دعاها للجلوس بلباقة ممزوجة بالتلقائية، استجابت مطمئنة، ذاك التصرف هز من اعتقادها الأول المحتمل، بأن محدثها عاش ما يكفي في بريطانيا أو أمريكا أو أي دولة أوروبية، ليطلب منها ثمن مكالمة لا تكلف ربع دولار، وربما قالت في نفسها: ما هذا البخل؟
بتساؤل وحيرة وشيء من الغموض، بدأت المرأة تنقل نظراتها بين وجهه وملابسه وساعته وقلمه ومجلته ومفاتيحه، بل إنها ركزت على أسنانه حين ابتسم، كما لو أنها تستكشف مخلوقا غريبا، انتقلت من ملامحه لتحدق بصورة غلاف مجلة النيوزويك، الذي ضم جورج دبليو بوش وصدام حسين، قرأت بعض العناوين،( المستنقع الأمريكي في العراق/ إعادة تشغيل المحالين للتقاعد). تأملته مليا، نسيت المكالمة التي قادتها لذاك الموقف، شعرتْ بالسعادة الداخلية، يبدو أنها عثرت على الشاب الذي كانت ترغب لقاءه..
عاد يتصرف وفق الأصول العربية، دعاها لتشرب ما تشاء، لكنها أجابت بشقاوة تنم عن خبرة اجتماعية لا يستهان بها، كانت بداية لهدم أول حجر في جدار الرسمية حين قالت: على حسابك أم على حسابي؟
- دعوتك للجلوس، وكل ما ستطلبين سيكون على حسابي طبعا..
- هل تحاول تصحيح تصرفك معي ؟
لم تكن المرأة من النساء السائحات، اللواتي يخططن لتحميل غيرهن نفقات إجازاتهن، لم تبدو عابثة أو هوائية أو سطحية، بل واثقة جدا من نفسها وقدراتها، تفحُّصها به وبأشيائه جعلته يشعر أنها قريبة من كتاب القصة والروائيين والصحفيين، الذين تجذبهم التفاصيل، أحس أنها تستعد لخطوة ما، تجعلها تقف على أرض ثابتة، تأكد من ذلك حين سألتنه:
- ألا تريد أن تعرف لماذا طلبت منك التحدث من هاتفك؟
لم تترك له فرصة القبول أو الرفض، فردت جناحيها بثقة طاووس، أخبرته أن صديقتها الأمريكية أوصلتها بسيارتها إلى مركز المارينا، ونسيت هي حقيبتها وبداخلها محفظة نقودها والماستر كارد، نعم الماستر كارد، كررتها مرتين.
ابتسم على وجه زاهر ابتسامة علامة على فهم قصدها، ثم لاحت منه نظرة لامرأة كانت تطعم طفلها البوظة، لكنها استمرت بالحديث، أخبرته وهو يتابع نهم الطفل واستمتاعه، بأن صديقتها اضطرت لتركها والذهاب إلى دبي، فأرادت أن تحدثها من هاتفه وتطلب منها العودة.
قال مباشرة: إلا أنها رفضت ..
أجابت: لم أحدثها في الأصل، كيف تكون قد رفضت!!
قال لها بأن الأمريكان حين يسيرون في طريق، فإنهم يرفضون العودة حتى وإن أدركوا خطأهم، هل تحبين البوظة؟
لم ترق لها الدعابة في تلك اللحظة بالذات، ربما لم ترغب في حديث سياسي ظنت أنه كان يحاول جرجرتها إليه، أو ربما شعرت بتجاهله لكلامها، أو أنه لم يصدقها، فقد قذفت أمامه المعلومات كلها كمن يلقي تقريرا بلغة ليس فيها أي إحساس بالأسف أو التذمر أو الغضب من صديقتها، وأردفت بنفس اللغة الحيادية ومستوى الصوت: (اكتشفت نسياني للمحفظة عندما لفت انتباهي عقد من العقيق، الكارنيليان الأصلي، ولو تتذكر، فقد مررت بك مسرعة، اعتقدت لوهلة أنها معي في هذا المكان، لأنني سمعتها تقول بأنها ستوقف سيارتها في المرآب لتشتري سجائر من الكارفور، هل هنا محل يحمل هذا الاسم؟ حسنا، ولكنها كما يبدو واصلت سيرها..
كتب زاهر في ما بعد في دفتر مذكراته غير اليومية:
(( رغم أنها بيضاء البشرة، شفتاها مكتنزتان قليلا، شعرها ناعم وطويل، ليست نحيلة، ورائحتها بدأت تعجبني، لغتها رشيقة وتنطق برقة، ليست متعجرفة، ولا تاجرة بترول، إلا أنها ذكرتني بكونداليزا رايس، لا موقف في كلامها حتى عندما تعلن موقفا، تهدد وتتوعد وتمدح وتثني وتمارس التهريج بنفس اللغة، ونفس درجة الصوت والحيادية، الفرق بينها وبين كونداليزا رايس، هي أنني لا أنظر إلى وجه كونداليزا وهي تتحدث إلى الصحفيين، بينما كنت أواصل النظر إلى شفتي تلك السائحة، حتى غرقت المرأة فجأة في بحر من الخجل، غيّر من الحدة التي بت مقتنعا بأنها كانت تتصنعها.. ربما اعتقدت لوهلة بأنني صرت أسير شفتيها.. ))
قالت وهي تنظر إلى الأسفل: هل أنت بخير..؟!
- أرجو ألا أكون قد أزعجتك وأنا أتابع حركات شفتيك، كنت أحاول فقط التقاط كلامك وحروفك السريعة، هلاّ أبطأت في الكلام، أم علي أن اذكرك بأنني لست مواطنا إنجليزيا أو أمريكيا!
شعرت المرأة أن اللحظة حانت لتقدم نفسها: اسمي كاترين بلير، صحفية في الهيرالد تربيون، من كبريات الصحف في بريطانيا، وأنا إنجليزية ..
- رجحت بأنك إنجليزية ..
- كيف عرفت؟
- نحفظ ملامحكم منذ أكثر من ستين عاما ..
ارتبكت المرأة، وحتى يزيح كل تساؤلاتها عاجلها بتساؤل كانت تنقصه الجدية: أنت من عائلة طوني بلير إذن؟
- لا أرجوك، لا يربطني به أي رابط، لا عائلي ولا سياسي..
- لست من حزب العمال إذن؟
- هل تعرف حزب العمال..!!
- بالتأكيد، نتابعه منذ أن تزعمه كير هاردي قبل مائة عام، حتى تزعمه طوني بلير، وتبين لي أن آرثر هندرسون لديه شعبية كبيرة، لكنه لم يتسلم منصب رئيس الوزراء أبدا..
- ما هذا، أنت تتابع الانتخابات أيضا!!
- نحن نتابع انتخاباتكم وانتخابات الرئاسة الأمريكية وفنزويلا أكثر من انتخاباتنا ..
- لأنه ليس لديكم انتخابات!
- أنتِ على حق، ولهذا أعرف حزب المحافظين، والمحافظين الجدد، والجمهوريين والديمقراطيين والاشتراكيين، ولكنني أعرف أكثر ديفيد هربرت لورنس ..
- هل أنت من المشتغلين في الأدب أو النقد الأدبي؟ هذا الكاتب روائي قديم، كيف تعرفت عليه؟
- ليس قديما جدا، فقد توفي في العام 1930، أما كيف ولماذا تعرفت عليه، فقد كنت أنوي نيل درجة الماجستير في الأدب الإنجليزي، وكنت سأعتمد على كتبه كنموذج، إلا أنني أوقفت دراستي الأكاديمية، ولفت انتباهي حقبة الإرهاب الفكري التي عاشتها أوروبا، سأفترض بأنك قرأت رواية ( عشاق الليدي تشاترلي) التي بدأ لورنس كتابتها في سويسرا ولم يتمكن من طباعتها، لأن قانون المطبوعات البريطاني، فسّر الرواية على أنها أباحية ..
- ولكنه القضاء البريطاني تراجع بعد ذلك؟
- تراجع القانون بعد مرور ثلاثين عاما على وفاة لورنس.
- قرأت عن الجلبة التي أحدثتها الرواية، وأذكر بأن الرأي العام البريطاني اعتبر القضية لطخة سوداء في جبين بريطانيا، ومحامي الدفاع، أعتقد بأن اسمه غاردنر، اعتبر الرواية من أروع الأعمال الأدبية، وكاتبها من أعظم كتاب القرن العشرين ..
- على كل حال، الإرهاب الفكري ظل حتى العام 1960 في بلادكم، أما ديوان ( أزهار الشر ) للشاعر الفرنسي بودلير، فهو قضية أخرى ..
- هل تريد أن تقول بأن علينا أن نتوقف عن انتقاد المجتمعات غير الأوروبية ؟
- بالضبط، لأنه بكل بساطة، المجتمعات تتطور، ولا تبقى كما هي ..
سادت فترة صمت، تذكر زاهر خلالها أنه لم يقم بواجب الضيافة بعد، أشار للنادلة الفلبينية روز، وقبل أن تحضر، قال لكاترين أنه قابل رجالا ونساء من إنجلترا لم يسمعوا بلورنس، وظن لفترة بأن الرجل تم نسيانه أمام السيدة رولنغ وشخصية هاري بوتر وسحرته وجنياته، أو أنهم منشغلون بأخبار المغنية الجذابة برتني سبيرز..
- وتعرف أيضا برتني سبيرز وهاري بوتر! شيء جميل!!
وصلت روز، ابتسمت مع انحناءة خفية، الفلبينيات والفلبينيون كما يبدو، لديهم عقدة نحو الإنسان الغربي، كما للهندي عقدة نحو المواطن الخليجي. قبل أن تطلب أخبرها أن تشعر بحرية في طلبها..
قالت كاترين: يبدو أنني سأدفع الفاتورة..
ضحكت روز من قلبها وقالت: أنتما رائعان. كانت كاترين تهمهم بكلمات تحاول أن تظهرها وتخفيها في ذات الوقت، وهي تقلب قائمة الطعام والمشروبات، قالت وهي لا تنظر إلى أحد، بأنها تناولت ساندويش في الساعة الرابعة عصرا، ولهذا من الصواب أن تطلب كلوب ساندويش وسلطة الروبيان وقطعة غاتو وكأسا كبيرا من الكوكتيل وزجاجة ماء، نظرت إلى زاهر فجأة وقالت: أريد نسكافيه فقط..
- كيف عرفتِ بأنني سأدعوكِ للعشاء؟
- وكيف عرفتَ بأنني سأوافق؟
- لأنك مشتاقة للتحدث عن بودلير، وربما عن شعراء الرومنسية الإنجليزية مثل ووردز وورث ولورد بايرون وشيلي ..
- ما هذا يا ..
- اسمي زاهر، من ضحايا رسالة وزير خارجيتكم الأسبق آرثر بلفور إلى اللورد روتشيلد ، أعمل في مركز دراسات، ولي محاولات في كتابة الرواية والقصة والشعر، أصدرت بعضها في كتب.. وأنا أعمل في أبو ظبي منذ أكثر من عشرين عاما.
- أنت إماراتي إذن؟
- لقد حضر طلبك، هل تدخنين السجائر؟
هزت كاترين رأسها كالهنود، علامة على أنها تدخن أحيانا، ظهر عليها الانشغال، يبدو أنها بدأت تربط بين ما حدث بينهما وبين تعريفه بنفسه. تأملت وجهه وسألته: هل كنت حقا تريد أخذ ثمن المكالمة الهاتفية ؟
- هل هي زيارتك الأولى لبلد عربي؟
- كلا، زرت السعودية في العام 1991.
- لتغطية حرب تحرير الكويت؟
- شيء من هذا القبيل.
- هل قرأت كتاب زميلك روبرت فيسك "A great War for a great Civilization "
- أنت تعجبني وتخيفني يا زاهر، ما علاقة لورنس بروبرت فيسك ..
- لورنس كما تعرفين، تحدث عن مسألة العشق بين الرجل والمرأة في كافة أشكالها، وروبرت فيسك تحدث عن عشق من نوع آخر، عشق يتحول إلى هوس، عشق المحافظين الجدد لرؤية القتلى، الاثنان يشتركان بأنهما كتبا بلغة مؤثرة للغاية، أنت تعرفين لغة لورنس، أما روبرت فيسك فقد كان أكثر إيلاما حين تحدث عن ذلك اليوم، وبالتحديد في وقت متأخر من ظهيرة يوم الثاني من مارس 1991، قال بأنه أخذ السيارة مع أليكس ثومسون من ITV ، وانطلقا من أوتوستراد الموت شمالا إلى طريق صفوان في العراق وما خلفها، للتعرف على المكان الذي قُتل فيه العراقيون بكثافة في الصحراء، وهناك وجدا مجموعات من الكلاب ينهشون الجثث، يمزقون أطرافها، يقطعون الملابس للوصول إلى الأحشاء.. قاتل الكلاب بعضهم بعضا في ذلك الاحتفال.. بعضهم أخذ نصيبه وهرب بعيدا وهو يحمل جزءا من جثة.. وآخر حمل ذراعا في فمه وبدأ يعدو عبر الصحراء، وقال بأن الفريق التلفزيوني قام بتصوير تلك القذارة، ورفيقه الذي كان أكثر الصحفيين انتقادا للحرب، نظر إليه ببرود وقال" لا يمكن بث هذه الصور بالطبع، فقط للأرشيف"، ذلك كان كل شيء.
قالت: إنها الحرب، ربما تكون أفظع مما وصفه روبرت في كتابه..
سكتت كاترين، تملكتها حيرة وحذر، فكرت في أمور كثيرة خلال ثوان قليلة، طلبت بأدب تغيير الموضوع، فسألها: ماذا كنت تتوقعين ردي حين طلبت استخدام هاتفي النقال؟
- بصراحة، أن ترحب بالفكرة وتتحمس لها وتكون سعيدا..
- لأنني عربي وأنتظر الفرصة التي تقترب مني امرأة كي أنصب لها فخا!
- في تلك اللحظة لم أكن أفكر إلا بكيفية الاتصال بصديقتي.
- ولماذا اخترتني أنا بالذات للاتصال بتلك الأمريكية.
- جاءتني الفكرة حين كنت أمر بك ورأيت الهاتف على الطاولة، إضافة إلى شخصيتك الهادئة.
- هل ندمت ؟
- لا أظن.
- بإمكانك الاتصال متى شئت وللوقت الذي تريدين ..
- لماذا غيرت رأيك ؟
- لم أغيره، لأنه لم يكن موقفي، لا يفعلونها حتى في اسكتلندا ..
- ولماذا اسكتلندا بالذات..
- طبعا الاسكتلنديون ليسوا جميعهم كذلك، إلا أن هناك نكتة تقول بأن رجلا اسكتلنديا حاول الانتحار، فدخل شقة جيرانه في غيابهم وفتح عبوة الغاز!!
ضحكت كاترين كما لو أنها تقابل زاهر للمرة العاشرة: هي نكتة إذن !!
التقطت كاترين الهاتف دون استئذان، استفسرت عن كيفية طلب الرقم، اتصلت بصديقتها، أخبرتها أنها نسيت حقيبتها في السيارة، ولكنها رفضت عودتها حين علمت أنها باتت قريبة من حدود دبي. أخبرتها صديقتها ( جين) أن بإمكانها أخذ المفتاح الإضافي من الحارس، وسألتها عن صاحب الهاتف الذي كانت كاترين تتحدث منه، وحذرتها حين عرفت أنه عربي قائلة: احذري يا كاترين، لا تبوحي له بخصوصياتك، الإرهابيون يتخفون هذه الأيام فيظهرون بوجوه حليقة وسراويل جينز..
كاترين: لا أظن، قد تكوني مخطئة، أنا امرأة ناضجة! أعرف الناس من ملامحهم، ليلة سعيدة .. اتصلي بي على هذا الرقم إن شئت، ربما حتى منتصف الليل، شكرا، أراك غدا .. باي.. )
شكرته على المكالمة، رشفت ما تبقى في فنجان قهوتها. بعد صمت، سألته إن كانت تعطله عن موعد ما، واقترحت أن يتمشيا في المركز: يبدو أنك ستكون مرشدي السياحي هذه الليلة..
وضع ثمن الليمون والنسكافيه في علبة زجاج مخصصة لذلك، كتب رسالة نصية هاتفية إلى صديقته اعتذر فيها عن الموعد لانشغاله في أمر مهم، وغادرا..
- أنت طويل أكثر مما كنت أتخيل ..
همس في داخله معجبا: كانت كاترين تفكر في طولي أيضا .. !!
الإهداء:
إلى روح راشيل كوري
الفتاة الأمريكية التي قضت نحبها تحت جرافة إسرائيلية
وهي تدافع عن بيت فلسطيني
الفصل الأول
مرت به امرأة أيقظت كل تاريخ رجولته من مكمنها، كاد وركها الأيمن أن يحتك بكتفه الأيسر، كانت خطواتها تائهة كما لو أنها تبحث عن شيء أو فكرة بنهم شديد.
" الانتظار والتيه"، هذا ما كتبه زاهر على الصفحة الأولى من مجلة النيوزويك، المرأة استنفرت كل حواسه دون أن يعرفها، لم تخلق به إحساسا بالعدوانية أو التعاطف أو المودة، لكن فضولا ما نهش نفسه، جعله يفكر بالنهوض فورا واللحاق بها، لكنه أدرك سريعا أنها كانت فكرة سيئة، لاعتقاده أن الجري وراء التائهين تيه آخر. امتعض بعض الشيء، فكر، لم يكن لديه أدنى سبب ظاهر للحاق بها، سوى أثر احتكاك وركها الذي لم يحدث شررا بالتأكيد!
ألحت المرأة في حضورها حتى أزعجت تفكيره بوالدته المريضة، ثم سرقته من تأمله بجموع المتجولين والمتسوقين والمتسكعين في مركز المارينا في أبو ظبي، طردها بصعوبة من هواجسه، رغم علمه بوجودها في ركن صعب في عقله. عاد زاهر إلى ممارسة عادته المتعبة التي تمنحه فسحة مراقبة الداخلين والخارجين، يختار منهم أبطالا وبطلات لقصصه، التي لا يكتبها حين يعود وحيدا إلى شقته.
حين تجاوزت الساعة السابعة والنصف ولم يحضر صديقه رمزي، نظر زاهر باتجاه العاملة الفلبينية روز، ألقى القبض عليها وهي تتأمله مجددا، اشار إليها فحضرت، وجدها امرأة أخرى، سألها عن صحتها وعملها بود، لكنها تعاملت معه بمهنية عالية، كعاملة مقهى فقط، دهش، طلب عصير ليمون بالنعناع، شكرته بابتسامة، غادرت، دون أن يحتك شيء منها بكتفه!!
خلع سترته الكحلية، علقها على ظهر الكرسي، تأكد من مكان هاتفه النقال، وسلسلة مفاتيحه، أرخى جسده إلى الأمام، وضع ساقا فوق ساق، ألقى نظرة إلى البعيد، ظهرت أضواء شارع الكورنيش تشع كقلادة من ألماس، تقبع خلفه مدينة مكتظة بالقلق والاطمئنان، والمرح والحزن والطمع والقناعة والصحة والمرض والهجرة والوحدة والأنس، بنايات شاهقة بدت عفاريت اسمنتية ثابتة، تزدحم بأكثر من مائة جنسية وعشرات اللغات والثقافات. نظر إلى أسفل، صدمه مشهد الحشود المندفعة، رغم رؤيته له للمرة العشرين، نساء يحطن أجسادهن بعباءات سوداء تلمع عيونهن الواسعة المكحلة، نساء يافعات يرتدين الجينزات الضيقة والبلوزات الأضيق، صدورهن تجعل عيون الرجال اكثر جحوظا، نساء يرتدين الساري الهندي الملون، أو البرنوس المغربي الطويل، نساء محجبات وأخريات سافرات، نساء يرتدين سراويل قصيرة ويظهرن أفخاذا رشيقة، نساء شقراوات وبيضاوات وسمراوات وزنجيات، صينيات وروسيات وعربيات وأمريكيات وأوروبيات وإيرانيات وخليجيات، ولدهشته، اكتشف أنه يبحث بينهم عن المرأة التي مرت به..
تساءل زاهر عن سر اختياره للنساء فقط، رغم أن المركز يعج بالجنسين، فقام بتضييق زاوي الرؤية، رأى رجالا صغرت أحجامهم يسيرون خلف نسائهم بحيرة، اقتنص عائلات تجر عربات مليئة بالمشتريات، وأمزجة أفرادها متوعكة لارتفاع الأسعار، يفر من أمامهم وخلفهم شباب صغار يتشبهون بأبطال السينما والغناء، يظهرون بمظهر الـ ( dirty boys )، يتهكمون على هذا وتلك .. وعلى أنفسهم. ألقى زاهر نظرة بعيدة قادته إلى خارج المركز، شاهد حصانا عجوزا أحيل إلى التقاعد، ينقل الناس الراغبين في نزهة وسط دخان عوادم السيارات، اكتشف زاهر أنه لم يكن يبحث عن تلك المرأة في الخارج..
عاد زاهر إلى مكمنه، أشعل سيجارة، ليس لحاجته للنيكوتين والقطران، ولكن ليفعل أي شيء، مرت صورة المرأة التي احتك وركها بكتفه مع خروج سحابة الدخان الأولى، كأنه تمنى أن تكون سحابة دخان وتتلاشى، لكنه تذكر طولها، جسدها من الخلف، رائحة عطرها الخفيف، فكر مرة أخرى باختراق الازدحام للبحث عنها، عطل الرغبة رجل مر بطيئا في ذهنه، ربما رآه دون وعي منه يسير مع المائة جنسية التي تحتل المركز، ربما شاهده مرفوعا على الأكتاف، حاول طرد خياله لكنه ألح، فتح زاهر المجلة، كتب تحت عنوان "الانتظار والتيه والجريمة": ( حضر ما يشبه السيد كوفي عنان إلى المقهى بملامحه الباردة، جلس إلى طاولتي دون دعوة مني، بدأ يراقب ما أراقب، ولكن بإحساس مختلف، كانت ملامح الرضا تغمر وجهه، وكان ضباب القلق يغلف وجهي..)
امتلأت المساحة العامودية البيضاء، قلب الصفحة بنهم، وجد موضوعا يتحدث عن مستنقع جورج دبليو بوش في العراق، كان اللون الأحمر الدموي يطغى على تصميم المقالة، زاهر يكره اللون الأحمر في تصميم المجلات، لكن المصمم كما يبدو، كان تحت وطأته، حاول جاهدا إيجاد مساحة بيضاء ليكتب، لم يفلح، اللون الدموي كان يتسيد كل المساحات، يبدو أنه كان يتسيد مساحات في ذاكرته..
عاد للتأمل أو مراقبة مشهد الحشود ببطء، ترددت كلمات كوفي عنان في تجاويف جمجمته، كلمات عن العولمة وثقافة السلام وحوار الحضارات، غاظه كوفي عنان، كره كلماته رغم معانيها الحضارية، ترددت كلماته أكثر، امتلأت شرايينه بالحنق والغضب، كثيرا ما تخيل نفسه يلقي كلمة في مقر الأمم المتحدة، كثيرا ما ترددت مفردات الكلمة في رأسه وهو يشاهد نشرات الأخبار اليومية، في تلك اللحظة حضرته الكلمة السريالية، كانت تتردد في رأسه، بينما عيناه تتجولان بين الناس: (سيدي الرئيس.. لم أحبك يوما، ولم أكرهك، لم أحبك سيدي لصمتك الغامض وارتباكك، ولم أكرهك لأنك أسود، وأنا، كما تعلم أو لا تعلم، دائم التعاطف مع السود، ربما لأنهم تعرضوا ويتعرضون للتمييز.. ! أريد أن أعترف أيضا أمام جميع الأمم التي تمثلونها رغما عنها أو باختيارها، بأننا نحن العرب مارسنا التمييز، مارسنا الرق، كما مارسه الأميركيون والأوربيون مع الأفارقة والهنود الحمر، لكننا لم نقتلهم أو نسلبهم أموالهم وذهبهم، ونحن نردد، على الأقل نردد، بأنه لا فرق بين عربي وأعجمي، أو بين أبيض وأسود إلا بالتقوى. وأنا أيها الـممثلون، من هؤلاء الذين يرددون هذا الكلام، على الأقل أردد، لكنني لا أمارس التمييز، لا أكره ولا أحب الإنجليز على سبيل المثال، لكنني بالتأكيد أكره آرثر بلفور).
في خضم ارتحال خيال زاهر وأحلام يقظته، حضرت المرأة التي مرت به وهي ترقص على منصة مجلس الأمن، كان يسمع تصفيقا، تداخلت الحقيقة بالتهيؤات، تساءل إن كان التصفيق للمرأة أم لكلامه، حينها، توقف عن الكلام، رغم أنه كان يخطط لتلاوة رسالة بلفور التي أرسلها للزعيم للزعيم الصهيوني اللورد روتشيلد، لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين..
عاد زاهر من تهيؤاته التي استسخفها، شعر أنه كان يعيش حلما أبلها، وكان يتحدث بأسلوب ركيك وفج. أقفل المجلة، كتب على الغلاف الأخير، وبهدوء: ( أعلم أن موقفي غريب!! وأعلم أنني مباشر ووقح أحيانا، ولكنني أنطق بلسان نفسي.. ولا أحد يمثلني..) كتب ذلك، رغم يقينه أن لا أحد سيقرأ ما كتب.
ارتشف زاهر رشفة طويلة سحبت نصف محتوى كأس الليمون الاسطواني، لسع الحامض جوفه، سارع إلى إشعال سيجارة، طالبا المزيد من اللسع والحرق. .. .
صوت تنبيه الرسائل في هاتفه المحمول أطلق رنة تشبه طرقا على باب، قرأها، كانت نكتة جنسية، يسمونها الناس قذرة، من صديقته السكرتيرة سونيا، ابتسم بداخله، قام بإرسال النكتة ذاتها إلى صديقة أخرى مهووسة بالنكات الجنسية، مع دعوة لاحتساء كأس نبيذ منعش، ردت المرأة بالموافقة على الدعوة، ساوره إحساس بالندم، ولم يسعد لموافقتها !!
لم يكد الهاتف يستقر على الطاولة، حتى سمع صوتا ناعما يتحدث الإنجليزية بطلاقة، يطلب استخدام هاتفه لدقيقة واحدة. وضع سيناريوهات عديدة خلال ثوان قبل أن ينظر إليها:
أولا: امرأة من نساء الليل تتحرش لتؤمن عملها تلك الليلة، ولكن الإنجليزيات لا يمارسن مهنة الدعارة خارج امبراطوريتهم !!
ثانيا: امرأة درست في المدارس الخاصة أو الجامعة الأمريكية مثلا، تعاكس للتعرف على رقم هاتفه..
ثالثا: امرأة انتهى رصيد هاتفها، وشجعها شكله الرصين على التقدم بطلبها، يحدث هذا ولكن نادرا ..
رابعا: امرأة بلا هاتف متحرك، ويندر وجودها في أبو ظبي، فخادمات البيوت يمتلكن هواتف متحركة، لا وقت للحيرة..
خامسا: سائحة عشوائية طلبت خدمة بتلقائية، من رجل لا تعرف درجة تلقائيته، ظنت أنها في مقهى لندني أو نيويوركي..
رفع رأسه، احتوى دهشته، تنتصب أمامه امرأة طويلة، ترتدي بنطلون جينز على جسد مشدود، ينبعث منها عطر خفيف، نفس العطر الذي شمه حين كاد ورك المرأة أن يحتك بكتفه، لم يجبها بأخلاق الجنتلمان، طلب منها أن تستدير فاستدارت، اعتقدت أنه يرشدها إلى أحد، وحين عادت بعينين فارغتين، هيأ نفسه لتوبيخ من نوع (فك يو) لتذهب بعدها غاضبة، لكنها ولدهشته، بقيت صامتة متعجبة، فأدرك أنها زائرة وليست مقيمة،سألها دون مقدمات:
- أنت من مررت قبل عشر دقائق، أليس كذلك يا سيدتي؟
- نعم، ولكن ما علاقة هذا بطلبي التحدث من هاتفك؟
- لا علاقة أبدا، لكنني تبعتك بنظراتي قليلا، فوركك الأيمن كاد أن يحتك بكتفي الأيسر..
- لكنه لم يفعل.. !!
ابتسم غير محرج، ابتسمت المرأة الشابة بخجل، ربما لأنها تحدثت عن وركها بحيادية. سألها بنبرة تمتزج فيها الجدية بالتهكم: وهل ستستخدمين هاتفي مجانا يا سيدتي؟
اتسعت عيناها غير مصدقة لما سمعت، سألها إن كانت قد دهشت، فقالت: في الواقع نعم، ولكن إذا كانت هذه هي الحال، فسأدفع لك ولكن ليس الآن..
أدرك زاهر أن المرأة تائهة، ندم على فذلكاته، رجح أنها لم تكن تملك دولارا واحدا، لم تكن تحمل حقيبة ولا محفظة نقود، غمره أدبه وبعض من خجله، دعاها للجلوس بلباقة ممزوجة بالتلقائية، استجابت مطمئنة، ذاك التصرف هز من اعتقادها الأول المحتمل، بأن محدثها عاش ما يكفي في بريطانيا أو أمريكا أو أي دولة أوروبية، ليطلب منها ثمن مكالمة لا تكلف ربع دولار، وربما قالت في نفسها: ما هذا البخل؟
بتساؤل وحيرة وشيء من الغموض، بدأت المرأة تنقل نظراتها بين وجهه وملابسه وساعته وقلمه ومجلته ومفاتيحه، بل إنها ركزت على أسنانه حين ابتسم، كما لو أنها تستكشف مخلوقا غريبا، انتقلت من ملامحه لتحدق بصورة غلاف مجلة النيوزويك، الذي ضم جورج دبليو بوش وصدام حسين، قرأت بعض العناوين،( المستنقع الأمريكي في العراق/ إعادة تشغيل المحالين للتقاعد). تأملته مليا، نسيت المكالمة التي قادتها لذاك الموقف، شعرتْ بالسعادة الداخلية، يبدو أنها عثرت على الشاب الذي كانت ترغب لقاءه..
عاد يتصرف وفق الأصول العربية، دعاها لتشرب ما تشاء، لكنها أجابت بشقاوة تنم عن خبرة اجتماعية لا يستهان بها، كانت بداية لهدم أول حجر في جدار الرسمية حين قالت: على حسابك أم على حسابي؟
- دعوتك للجلوس، وكل ما ستطلبين سيكون على حسابي طبعا..
- هل تحاول تصحيح تصرفك معي ؟
لم تكن المرأة من النساء السائحات، اللواتي يخططن لتحميل غيرهن نفقات إجازاتهن، لم تبدو عابثة أو هوائية أو سطحية، بل واثقة جدا من نفسها وقدراتها، تفحُّصها به وبأشيائه جعلته يشعر أنها قريبة من كتاب القصة والروائيين والصحفيين، الذين تجذبهم التفاصيل، أحس أنها تستعد لخطوة ما، تجعلها تقف على أرض ثابتة، تأكد من ذلك حين سألتنه:
- ألا تريد أن تعرف لماذا طلبت منك التحدث من هاتفك؟
لم تترك له فرصة القبول أو الرفض، فردت جناحيها بثقة طاووس، أخبرته أن صديقتها الأمريكية أوصلتها بسيارتها إلى مركز المارينا، ونسيت هي حقيبتها وبداخلها محفظة نقودها والماستر كارد، نعم الماستر كارد، كررتها مرتين.
ابتسم على وجه زاهر ابتسامة علامة على فهم قصدها، ثم لاحت منه نظرة لامرأة كانت تطعم طفلها البوظة، لكنها استمرت بالحديث، أخبرته وهو يتابع نهم الطفل واستمتاعه، بأن صديقتها اضطرت لتركها والذهاب إلى دبي، فأرادت أن تحدثها من هاتفه وتطلب منها العودة.
قال مباشرة: إلا أنها رفضت ..
أجابت: لم أحدثها في الأصل، كيف تكون قد رفضت!!
قال لها بأن الأمريكان حين يسيرون في طريق، فإنهم يرفضون العودة حتى وإن أدركوا خطأهم، هل تحبين البوظة؟
لم ترق لها الدعابة في تلك اللحظة بالذات، ربما لم ترغب في حديث سياسي ظنت أنه كان يحاول جرجرتها إليه، أو ربما شعرت بتجاهله لكلامها، أو أنه لم يصدقها، فقد قذفت أمامه المعلومات كلها كمن يلقي تقريرا بلغة ليس فيها أي إحساس بالأسف أو التذمر أو الغضب من صديقتها، وأردفت بنفس اللغة الحيادية ومستوى الصوت: (اكتشفت نسياني للمحفظة عندما لفت انتباهي عقد من العقيق، الكارنيليان الأصلي، ولو تتذكر، فقد مررت بك مسرعة، اعتقدت لوهلة أنها معي في هذا المكان، لأنني سمعتها تقول بأنها ستوقف سيارتها في المرآب لتشتري سجائر من الكارفور، هل هنا محل يحمل هذا الاسم؟ حسنا، ولكنها كما يبدو واصلت سيرها..
كتب زاهر في ما بعد في دفتر مذكراته غير اليومية:
(( رغم أنها بيضاء البشرة، شفتاها مكتنزتان قليلا، شعرها ناعم وطويل، ليست نحيلة، ورائحتها بدأت تعجبني، لغتها رشيقة وتنطق برقة، ليست متعجرفة، ولا تاجرة بترول، إلا أنها ذكرتني بكونداليزا رايس، لا موقف في كلامها حتى عندما تعلن موقفا، تهدد وتتوعد وتمدح وتثني وتمارس التهريج بنفس اللغة، ونفس درجة الصوت والحيادية، الفرق بينها وبين كونداليزا رايس، هي أنني لا أنظر إلى وجه كونداليزا وهي تتحدث إلى الصحفيين، بينما كنت أواصل النظر إلى شفتي تلك السائحة، حتى غرقت المرأة فجأة في بحر من الخجل، غيّر من الحدة التي بت مقتنعا بأنها كانت تتصنعها.. ربما اعتقدت لوهلة بأنني صرت أسير شفتيها.. ))
قالت وهي تنظر إلى الأسفل: هل أنت بخير..؟!
- أرجو ألا أكون قد أزعجتك وأنا أتابع حركات شفتيك، كنت أحاول فقط التقاط كلامك وحروفك السريعة، هلاّ أبطأت في الكلام، أم علي أن اذكرك بأنني لست مواطنا إنجليزيا أو أمريكيا!
شعرت المرأة أن اللحظة حانت لتقدم نفسها: اسمي كاترين بلير، صحفية في الهيرالد تربيون، من كبريات الصحف في بريطانيا، وأنا إنجليزية ..
- رجحت بأنك إنجليزية ..
- كيف عرفت؟
- نحفظ ملامحكم منذ أكثر من ستين عاما ..
ارتبكت المرأة، وحتى يزيح كل تساؤلاتها عاجلها بتساؤل كانت تنقصه الجدية: أنت من عائلة طوني بلير إذن؟
- لا أرجوك، لا يربطني به أي رابط، لا عائلي ولا سياسي..
- لست من حزب العمال إذن؟
- هل تعرف حزب العمال..!!
- بالتأكيد، نتابعه منذ أن تزعمه كير هاردي قبل مائة عام، حتى تزعمه طوني بلير، وتبين لي أن آرثر هندرسون لديه شعبية كبيرة، لكنه لم يتسلم منصب رئيس الوزراء أبدا..
- ما هذا، أنت تتابع الانتخابات أيضا!!
- نحن نتابع انتخاباتكم وانتخابات الرئاسة الأمريكية وفنزويلا أكثر من انتخاباتنا ..
- لأنه ليس لديكم انتخابات!
- أنتِ على حق، ولهذا أعرف حزب المحافظين، والمحافظين الجدد، والجمهوريين والديمقراطيين والاشتراكيين، ولكنني أعرف أكثر ديفيد هربرت لورنس ..
- هل أنت من المشتغلين في الأدب أو النقد الأدبي؟ هذا الكاتب روائي قديم، كيف تعرفت عليه؟
- ليس قديما جدا، فقد توفي في العام 1930، أما كيف ولماذا تعرفت عليه، فقد كنت أنوي نيل درجة الماجستير في الأدب الإنجليزي، وكنت سأعتمد على كتبه كنموذج، إلا أنني أوقفت دراستي الأكاديمية، ولفت انتباهي حقبة الإرهاب الفكري التي عاشتها أوروبا، سأفترض بأنك قرأت رواية ( عشاق الليدي تشاترلي) التي بدأ لورنس كتابتها في سويسرا ولم يتمكن من طباعتها، لأن قانون المطبوعات البريطاني، فسّر الرواية على أنها أباحية ..
- ولكنه القضاء البريطاني تراجع بعد ذلك؟
- تراجع القانون بعد مرور ثلاثين عاما على وفاة لورنس.
- قرأت عن الجلبة التي أحدثتها الرواية، وأذكر بأن الرأي العام البريطاني اعتبر القضية لطخة سوداء في جبين بريطانيا، ومحامي الدفاع، أعتقد بأن اسمه غاردنر، اعتبر الرواية من أروع الأعمال الأدبية، وكاتبها من أعظم كتاب القرن العشرين ..
- على كل حال، الإرهاب الفكري ظل حتى العام 1960 في بلادكم، أما ديوان ( أزهار الشر ) للشاعر الفرنسي بودلير، فهو قضية أخرى ..
- هل تريد أن تقول بأن علينا أن نتوقف عن انتقاد المجتمعات غير الأوروبية ؟
- بالضبط، لأنه بكل بساطة، المجتمعات تتطور، ولا تبقى كما هي ..
سادت فترة صمت، تذكر زاهر خلالها أنه لم يقم بواجب الضيافة بعد، أشار للنادلة الفلبينية روز، وقبل أن تحضر، قال لكاترين أنه قابل رجالا ونساء من إنجلترا لم يسمعوا بلورنس، وظن لفترة بأن الرجل تم نسيانه أمام السيدة رولنغ وشخصية هاري بوتر وسحرته وجنياته، أو أنهم منشغلون بأخبار المغنية الجذابة برتني سبيرز..
- وتعرف أيضا برتني سبيرز وهاري بوتر! شيء جميل!!
وصلت روز، ابتسمت مع انحناءة خفية، الفلبينيات والفلبينيون كما يبدو، لديهم عقدة نحو الإنسان الغربي، كما للهندي عقدة نحو المواطن الخليجي. قبل أن تطلب أخبرها أن تشعر بحرية في طلبها..
قالت كاترين: يبدو أنني سأدفع الفاتورة..
ضحكت روز من قلبها وقالت: أنتما رائعان. كانت كاترين تهمهم بكلمات تحاول أن تظهرها وتخفيها في ذات الوقت، وهي تقلب قائمة الطعام والمشروبات، قالت وهي لا تنظر إلى أحد، بأنها تناولت ساندويش في الساعة الرابعة عصرا، ولهذا من الصواب أن تطلب كلوب ساندويش وسلطة الروبيان وقطعة غاتو وكأسا كبيرا من الكوكتيل وزجاجة ماء، نظرت إلى زاهر فجأة وقالت: أريد نسكافيه فقط..
- كيف عرفتِ بأنني سأدعوكِ للعشاء؟
- وكيف عرفتَ بأنني سأوافق؟
- لأنك مشتاقة للتحدث عن بودلير، وربما عن شعراء الرومنسية الإنجليزية مثل ووردز وورث ولورد بايرون وشيلي ..
- ما هذا يا ..
- اسمي زاهر، من ضحايا رسالة وزير خارجيتكم الأسبق آرثر بلفور إلى اللورد روتشيلد ، أعمل في مركز دراسات، ولي محاولات في كتابة الرواية والقصة والشعر، أصدرت بعضها في كتب.. وأنا أعمل في أبو ظبي منذ أكثر من عشرين عاما.
- أنت إماراتي إذن؟
- لقد حضر طلبك، هل تدخنين السجائر؟
هزت كاترين رأسها كالهنود، علامة على أنها تدخن أحيانا، ظهر عليها الانشغال، يبدو أنها بدأت تربط بين ما حدث بينهما وبين تعريفه بنفسه. تأملت وجهه وسألته: هل كنت حقا تريد أخذ ثمن المكالمة الهاتفية ؟
- هل هي زيارتك الأولى لبلد عربي؟
- كلا، زرت السعودية في العام 1991.
- لتغطية حرب تحرير الكويت؟
- شيء من هذا القبيل.
- هل قرأت كتاب زميلك روبرت فيسك "A great War for a great Civilization "
- أنت تعجبني وتخيفني يا زاهر، ما علاقة لورنس بروبرت فيسك ..
- لورنس كما تعرفين، تحدث عن مسألة العشق بين الرجل والمرأة في كافة أشكالها، وروبرت فيسك تحدث عن عشق من نوع آخر، عشق يتحول إلى هوس، عشق المحافظين الجدد لرؤية القتلى، الاثنان يشتركان بأنهما كتبا بلغة مؤثرة للغاية، أنت تعرفين لغة لورنس، أما روبرت فيسك فقد كان أكثر إيلاما حين تحدث عن ذلك اليوم، وبالتحديد في وقت متأخر من ظهيرة يوم الثاني من مارس 1991، قال بأنه أخذ السيارة مع أليكس ثومسون من ITV ، وانطلقا من أوتوستراد الموت شمالا إلى طريق صفوان في العراق وما خلفها، للتعرف على المكان الذي قُتل فيه العراقيون بكثافة في الصحراء، وهناك وجدا مجموعات من الكلاب ينهشون الجثث، يمزقون أطرافها، يقطعون الملابس للوصول إلى الأحشاء.. قاتل الكلاب بعضهم بعضا في ذلك الاحتفال.. بعضهم أخذ نصيبه وهرب بعيدا وهو يحمل جزءا من جثة.. وآخر حمل ذراعا في فمه وبدأ يعدو عبر الصحراء، وقال بأن الفريق التلفزيوني قام بتصوير تلك القذارة، ورفيقه الذي كان أكثر الصحفيين انتقادا للحرب، نظر إليه ببرود وقال" لا يمكن بث هذه الصور بالطبع، فقط للأرشيف"، ذلك كان كل شيء.
قالت: إنها الحرب، ربما تكون أفظع مما وصفه روبرت في كتابه..
سكتت كاترين، تملكتها حيرة وحذر، فكرت في أمور كثيرة خلال ثوان قليلة، طلبت بأدب تغيير الموضوع، فسألها: ماذا كنت تتوقعين ردي حين طلبت استخدام هاتفي النقال؟
- بصراحة، أن ترحب بالفكرة وتتحمس لها وتكون سعيدا..
- لأنني عربي وأنتظر الفرصة التي تقترب مني امرأة كي أنصب لها فخا!
- في تلك اللحظة لم أكن أفكر إلا بكيفية الاتصال بصديقتي.
- ولماذا اخترتني أنا بالذات للاتصال بتلك الأمريكية.
- جاءتني الفكرة حين كنت أمر بك ورأيت الهاتف على الطاولة، إضافة إلى شخصيتك الهادئة.
- هل ندمت ؟
- لا أظن.
- بإمكانك الاتصال متى شئت وللوقت الذي تريدين ..
- لماذا غيرت رأيك ؟
- لم أغيره، لأنه لم يكن موقفي، لا يفعلونها حتى في اسكتلندا ..
- ولماذا اسكتلندا بالذات..
- طبعا الاسكتلنديون ليسوا جميعهم كذلك، إلا أن هناك نكتة تقول بأن رجلا اسكتلنديا حاول الانتحار، فدخل شقة جيرانه في غيابهم وفتح عبوة الغاز!!
ضحكت كاترين كما لو أنها تقابل زاهر للمرة العاشرة: هي نكتة إذن !!
التقطت كاترين الهاتف دون استئذان، استفسرت عن كيفية طلب الرقم، اتصلت بصديقتها، أخبرتها أنها نسيت حقيبتها في السيارة، ولكنها رفضت عودتها حين علمت أنها باتت قريبة من حدود دبي. أخبرتها صديقتها ( جين) أن بإمكانها أخذ المفتاح الإضافي من الحارس، وسألتها عن صاحب الهاتف الذي كانت كاترين تتحدث منه، وحذرتها حين عرفت أنه عربي قائلة: احذري يا كاترين، لا تبوحي له بخصوصياتك، الإرهابيون يتخفون هذه الأيام فيظهرون بوجوه حليقة وسراويل جينز..
كاترين: لا أظن، قد تكوني مخطئة، أنا امرأة ناضجة! أعرف الناس من ملامحهم، ليلة سعيدة .. اتصلي بي على هذا الرقم إن شئت، ربما حتى منتصف الليل، شكرا، أراك غدا .. باي.. )
شكرته على المكالمة، رشفت ما تبقى في فنجان قهوتها. بعد صمت، سألته إن كانت تعطله عن موعد ما، واقترحت أن يتمشيا في المركز: يبدو أنك ستكون مرشدي السياحي هذه الليلة..
وضع ثمن الليمون والنسكافيه في علبة زجاج مخصصة لذلك، كتب رسالة نصية هاتفية إلى صديقته اعتذر فيها عن الموعد لانشغاله في أمر مهم، وغادرا..
- أنت طويل أكثر مما كنت أتخيل ..
همس في داخله معجبا: كانت كاترين تفكر في طولي أيضا .. !!
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ردحذفلك التحية استاذنا الكبير والاديب المعروف انور الخطيب
الف مبروك الرواية الجديدة اكثر من رائعة
سوف اعلق علي كل جزء من الرواية انشاء الله