الأربعاء، 16 يونيو 2010

الفصل الرابع من رواية فتنة كارنيليان

الفصل الرابع من فتنة كارنيليان

وصلت كاترين إلى مطار أبو ظبي في الساعة الرابعة عصرا، في الثلث الأول من شهر تموز الشهير بنسبة رطوبته العالية، لم تنتظر كثيرا لمعانقة (جين)، وتبادل عبارات الافتقاد والشوق والضحكات، والسؤال عن مستوى الراحة على خطوط طيران الاتحاد.
الطريق من المطار إلى المدينة محاط بالأشجار والورود، ذلك أول مشهد جلب العتاب لـ (جين)، التي لم تصف لكاترين المساحات الخضراء في أبو ظبي، كانت تعتقد بأنها صحراء قاحلة تنبت فيها البنايات، وتتمدد على رمالها خطوط عريضة من الإسفلت. كانت الرسائل الإلكترونية التي أرسلتها (جين) تدور حول الراتب الكبير والشقة الواسعة والطعام اللذيذ في المطاعم ومراكز التسوق والسهرات في النوادي الليلية وصديقها الإنجليزي، المدير في شركة استشارات هندسية كبيرة، وبعده الإفريقي وبعده المصري، حدثتها عن شاب إماراتي وسيم للغاية شاكسها وهي تحتسي القهوة الأمريكية في مقهى لا بريوش، وكما قالت جين:(كان وسيما وأنيقا إلى درجة لا تحتمل)، خاصة حين تبعها بسيارته (الجاكوار) لمسافة لم تزد على نصف كيلومتر، انعطف بعدها باتجاه الكورنيش، وكأنه يغيظها، لم تتفاعل (جين) معه لأنها، كما أخبرت كاترين، كانت متأكدة بأنه أعجب بصدرها المكتنز المتمرد على بلوزة حمراء ضيقة، وبنطلونها الأبيض المشدود الذي يظهر خلفيتها الممتلئة، رغم أنه لم يزعجها في الكافتيريا، بل كان يكتب طيلة الوقت على ورقة يقلبها في كل الاتجاهات، كل ما فعله أنه ابتسم لها حين تقابلت عيونهما، وانتهى من قهوته في اللحظة التي انتهت هي من الكوبتشينو. حين قرأت كاترين القصة في بريدها الإلكتروني، لم تر فيها مطاردة أو إعجابا بصدرها الفاخر، وحين دخلت شقتها لم تر ما يشير إلى أن ساكنة الشقة تتقاضى راتبا كبيرا، بصفتها مدرسة في كلية جامعية، بل إنها أحست بالبرودة الداخلية حين جلست في الصالون، أحسته عاريا، رغم وجود علم أمريكي بالحجم الكبير لا مبرر لوجوده، وصورة لها مع شاب بالملابس العسكرية، بل شعرت كاترين ببرودة أكثر حين قادتها إلى غرف النوم، كل غرفة تحتوي فقط على سرير قديم وخزانة ملابس، لم يكن في البيت أي تحف أو لوحات أو قطع سجاد، لم تزينه بوردة طبيعية أو اصطناعية، كأن المرأة على رحيل، لاحظت كاترين كل تلك الأشياء بوضوح أكثر وهي تدخل الشقة للمرة الثانية، بعدما قضت وقتا أليفا مع زاهر، وفي شقته.
حين دخلتا الشقة بعد وصولهما من المطار، سألت (جين) ضيفتها كاترين، إن كانت قد تناولت الغداء، حسدتها حين علمت بأنها تناولت وجبة سمك لذيذة في الطائرة، سألتها إن كانت ترغب في تناول كأس نبيذ يهدئ أعصابها بعد الرحلة، أبدت كاترين رغبتها في تناول نسكافيه حتى تستعيد نشاطها. رحبت (جين) بالفكرة، وصفتها بأنها ممتازة، خاصة وإنها ستأخذها في جولة داخل مدينة أبو ظبي، التي وصفتها بأنها مدينة صغيرة دافئة وبسيطة وجديدة، قالت لها: ( لا يزيد عمر هذه المدينة الحديثة على ثلاثين سنة تقريبا، هل تتخيلي، لو تشاهدين صور مدينة أبو ظبي، أوه لم تكن مدينة على الإطلاق، مجرد بيوت فقيرة بنيت من سعف النخيل، لا أشجار حولها، لم يكن هناك سوى قصر الحصن، ولا يزال حتى اليوم، في نفس المكان الذي يوجد فيه المجمع الثقافي، يمكنك زيارته وسيسعدون بك، يرحبون بالصحفيين الأجانب كثيرا، ستشاهدين الغرف الصغيرة والممرات الواسعة، والأعمدة القديمة، والسقوف الخشبية، ستلاحظين أن المبنى أعيد ترميمه، المهم، أبو ظبي قبل خمسة عشر عاما لم تكن هكذا أيضا، إنها تلبس كل يوم ثوبا جديدا، لكنها آخذة بالعلو وليس التمدد، فهي محشورة حشرا، لو كنت مسؤولة لأمرت في أن يكون البناء خارج (جسر المقطع)، لتكون هناك أبو ظبي الجديدة، نيو أبو ظبي، مدينة هادئة تختلف عن دبي، حين أدخل دبي يا كاترين اشعر بأن شهيتي انفتحت على كل شيء، وحين أكون هنا في أبو ظبي، أشعر برغبة في التأمل، آسفة تحدثت كثيرا مثل مرشدة سياحية متدربة، أعلم بأنني لم أقل الكثير من المعلومات، إلا أنني أعدك بأن أوفر لك المزيد فيما بعد.
في الساعة السادسة والنصف، كانت جين وكاترين تجوبان شوارع المدينة (الدافئة والصغيرة والبسيطة)، ويبدو أنها تراجعت عن اعترافها بثرثرتها، فواصلت الحديث بحذر عن المدينة، كان حديثها هذه المرة وكأنها تفشي سرا كبيرا: ( انظري يا كاترين، يمكن وصف الحياة في أبو ظبي بكل الأوصاف إلا بالبساطة، فهي مدينة، مثل كل مدن الخليج العربي، يحتاج المرء فيها إلى كثير من الذكاء والحكمة للعيش فيها، خاصة إذا تعاطى مع سكانها الأصليين، كنت أعتقد أنهم بسطاء إلى درجة السطحية، اكتشفت في ما بعد أن بساطتهم الشديدة تخفي ذكاء حادا، والتأقلم معهم ليس سهلا، فهم يوحون ولا يبوحون، يشيرون إلى الشيء ولا يذكرونه، أشعر أحيانا وأنا أجلس أمام أحدهم أو أحادث إحداهن بأنني أضيع، لا استطيع الإمساك بشيء، لا أدري لماذا، يعني من الصعب الحصول على موقف واضح بسهولة، ربما هذا بالنسبة لي كأجنبية، ربما يختلف الحال بالنسبة لهم، ربما علمتهم الصحراء الحذر الشديد، البدوي الحذر الكتوم يعيش في دواخلهم، مدافعا عن شيفرتهم الخاصة، بينما المرأة أكثر بساطة، تقدم نفسها على طبق من الثقة العالية التي لا تخلوا من دهاء أيضا.
انطلقت جين وكاترين من شارع حمدان باتجاه شارع الميناء، ثم الكورنيش. لم تتوقف كاترين عن التعبير عن إعجابها بنظافة المدينة وجمال البنايات، بدت وكأنها غير مهتمة بحديث جين، أما الكورنيش فقد نال حظا أوفر، تغزلت كاترين باتساعه وبالمظلات البيضاء على جوانبه، التي تشبه طائرات الكونكورد، الأشجار والورود التي لا تنبت بسهولة، بل قد تكلف كل وردة وكل نبتة أو شجرة مبلغا من المال، كانت كاترين معجبة بالبحر ( الذي يشبه النهر )، حتى ظهر لها مبنى مركز المارينا داخل البحر، أخبرتها جين أنه تم ردم البحر، وبناء مركز للتسوق، ومجموعة من الفلل السكنية والشاليهات خلف المركز.
بعد تجاوزهما لفندق الهيلتون ومبنى أدنوك، و قبل الدخول في شارع كاسر الأمواج باتجاه مركز المارينا، واجهتهما صورة عملاقة لرجل يرتدي الزي العربي، فقالت كاترين: لا بد أنه الشيخ زايد، رئيس دولة الإمارات.
أجابت جين بثقة العارف، بدأت باستعراض معلوماتها: بالتأكيد إنه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، توفي قبل عام ونصف تقريبا، كان رجلا سمحا كريما بسيطا ذكيا محبوبا، يدخل القلوب بسرعة، والآن خلفه ابنه الشيخ خليفة، يسعى الرئيس الجديد إلى بناء المؤسسات، لا تتخيلي كيف تم انتقال السلطة بسهولة وبساطة، دون مشاكل أو تصريحات في الإعلام كما يحدث في كثير من الدول.
استمرت جين تشرح لكاترين باستفاضة عن كيفية التعاطي مع الأمور السياسية في الإمارات، كأنها مدرّسة سياسة واقتصاد، وليست مدرسة لغة إنجليزية، وفجأة، توقفت جين عن الحديث السياسي لتلفت انتباه كاترين لمشهد مدينة أبو ظبي من البحر، وتخبرها بأن واجهتها تشبه واجهة مدينة نيويورك، لا ينقصها سوى تمثال الحرية كي تبدو توأمها، قالت لها بتمهل: ( هل تدرين يا كاترين، أحيانا اشعر أنني في أمريكا، أحيانا في بريطانيا، أحيانا في الهند، مرات قليلة شعرت بأنني في بلد خليجي أو عربي، ربما لأن معظم زملائي وزميلاتي من أوروبا وأمريكا، الطالبات فقط يذكرنني بأنني في بلد خليجي، بعباءاتهن وعطورهن وطريقة تجميلهن .. )
لم تقد جين سيارتها باتجاه المارينا مول، انعطفت يمينا باتجاه قرية الترات والمقهى الشعبي، حدثتها عن صناعة السفن في أبو ظبي، عن السفينة الضخمة التي تحولت إلى مطعم، ثم عن مطعم عائم، وعن أعلى سارية علم في العالم، وأشارت بإصبعها نحوها.
نزلتا من السيارة، ألقتا نظرة على مدينة أبو ظبي، ظهر الكورنيش الذي يحيط خاصرة المدينة كحزام مرصع بالجواهر. كان المشهد مثيرا للتأمل بالنسبة لكاترين، كل شيء شاهدته نسف تصوراتها السابقة.
ضربت جين جبينها بكفها حين مر رجلا وزوجته يتحدثان الإنجليزية البريطانية، نظرت إلى كاترين متوسلة معتذرة: (عليّ أن أنطلق فورا إلى دبي، لدي موعد مهم ولم أعتذر عنه، فالوقت متأخر عن الاعتذار، أرجو أن تقدري موقفي، أرجوك اعذريني).
اقترحت عليها أن تتجول في مركز المارينا، ثم تستقل سيارة أجرة، كتبت لها العنوان ورقم الشقة، انطلقت جين باتجاه المارينا دون أن تسمع موافقة كاترين أو رفضها، وحين وصلتا اعتذرت (جين) مرة ثانية: (علي أن أقود سيارتي بسرعة حتى أصل في الوقت المناسب، وحين أعود سأحدثك بكل شيء).
غادرت كاترين السيارة بسرعة، حابسة غضبها ودهشتها من صديقتها الأمريكية، وهناك، حين أعجبها عقد العقيق، اكتشفت أنها نسيت حقيبتها على المقعد الخلفي داخل سيارة جين، بدأت تدور كالنحلة المرتبكة في المارينا، وأنكرت أن يكون وركها الأيمن، قد قام بنفسه بالاحتكاك بكتف زاهر الأيسر!!
***
حين عادت جين من دبي، لم تحدث كاترين بكل شيء، كما وعدتها، استقبلتها بفتور، كانت تبدو مستنزفة حد الإعياء، كأنها لم تنم طيلة نهاية الأسبوع، ورغم ذلك، كانت متحفزة، وجهها يقطر أسئلة وفضولا، فاجأت صديقتها مباشرة بسؤال عن زاهر، انقلب مزاج كاترين، التي توقعت أن تعتذر منها على مبيتها في الخارج، وتركها لها مدة يوم وليلة، دون أن يكون بحوزتها ما تشتري به قنينة ماء، دون أن ترحب بها ثانية، فهي بالكاد استراحت في بيتها لمدة ساعة، لتأخذها في جولة في شوارع أبو ظبي، كما أنها لم تبد مستعدة لتحدثها عن رحلتها إلى دبي كما وعدتها، أرادت أن تعرف ماذا حدث مع زاهر بالضبط، وحرفيا، دون أن تصرح بذلك، مما جعل كاترين تسألها بلغة فيها الكثير من اللؤم: كيف كانت رحلتك إلى دبي، وكيف هو صديقك الإنجليزي المدير؟
جين: لم أكن مع المدير، حدثينا ماذا فعل بك زاهر، هل أنت سليمة ؟
كاترين: يبدو أنك قضيت كل هذه السنوات في هذه البلاد ولم تكوني صورة حقيقية عن سكانها، أنت مهتمة جدا بزاهر، قضيت وقتا لم أتوقعه في حياتي، كان رجلا حقيقيا؟
جين: هل تعنين أنك مارست الجنس معه؟
كاترين: تمنيت، هذه هي الحقيقة.
جين: هل أنت مجنونة، إنه متوحش بلا شك، وإن أظهر لك كل الحب والعشق والرغبة.
كاترين: هنا تكمن المشكلة، لم يظهر لي الحب أو العشق أو الرغبة، ولم أشعر وأنا معه بأنني أنثى، شعرت بأنني عقل يعمل، وأشعرني كم أنا مثقفة ومؤدبة ومحترمة.
جين: يبدو أنني فتحت شهيتك للحديث، دعيني أحضر لك فنجان نسكافيه حتى أنشط ذاكرتك، وتتحدثين.
كاترين: كلا، أريد أن أتناول كأس نبيذ كي أهدأ من توتري، وأمتص ما بداخلي.
جين: أنت غاضبة منه أليس كذلك ؟
كاترين: فعلا، غاضبة منه، لأنه كان شديد الحرص علي، وددت لو غازلني، لو تحرش بي، لو أسمعني كلاما متطرفا، لو أظهر كراهيته لجنسيتي، لو فعل أي شيء يجعلني أتوخى الحذر منه، لكنه لم يفعل، لقد رجّني من الداخل، أدخلني في حيرة كبيرة، جعلني أراجع كل أفكاري ومعتقداتي ونظرتي للأمور.
جين: انتظري، كلامك كبير جدا، يدب في النشاط من جديد، رغم خطورته ..
تركتها جين وتوجهت نحو المطبخ، عادت بكأس نبيذ وفنجان نسكافيه، وضعتهما حيث تجلس كل منهما، ثم دخلت غرفة نومها، خرجت بقميص نوم حرير يلامس لحمها، يجسد ثدييها وبطنها وساقيها وكل ما ظهر وخفي.
تمتد صداقة كاترين وجين إلى ما قبل عامين فقط، كانت كاترين تحضر مؤتمرا عن تدريس اللغة الإنجليزية وأساليب التقويم الجديدة، بقصد الكتابة عنه لصحيفتها، هناك التقت جين التي أثارت ضجة في المؤتمر، حين قالت بأن لديها طالبات في الإمارات يتحدث اللغة الإنجليزية بطلاقة وسلامة أكثر من طالبات إنجليزيات، في محاولة لإظهار براعتها في تدريس اللغة الإنجليزية، أثار رأيها حفيظة المدرسات الإنجليزيات، أخبرتها واحدة بأنه لا يمكن أبدا لطالب غير إنجليزي أن يتحدث اللغة الإنجليزية أجمل من طالب إنجليزي مهما كان مبدعا، وزادت مدرّسة أخرى فأبدت تساؤلا: ( لماذا حددت المدرّسة جين الطالبات الإنجليزيات، لماذا لم تقل الطالبات الأستراليات أو الكنديات أو الأمريكيات، بل إنني أشعر بأن التعليم يتراجع في أمريكا رغم تفوقها في ترسانتها العسكرية أو تقنيات المعلومات، بل إن الطالب الأمريكي جاهل على العموم، وبلا ثقافة، لأنه في الأصل بدون مرجعية ثقافية .. ). اضطرت جين بعدها أن توضح الأمر، بأنها ذكرت الطالبة الإنجليزية لأن المؤتمر يعقد في بريطانيا، ولو عقد في أمريكا لذكرت الطالبات الأمريكيات، ولكنها عقبت على مداخلة المدرسة بأن أمريكا بلا ثقافة، وكان تعقيبها ضعيفا للغاية، خاصة حيت قالت بأن أمريكا تختزل ثقافة العالم وتنوعه، إشارة إلى أن معظم الأمريكيين ينحدرون من أصول أوروبية أو إنجليزية أو إفريقية، حتى أنها سمعت إحدى المدرسات تقول: ( أدانت هذه المدرسة نفسها بنفسها).
لا تعلم كاترين لم تعاطفت مع جين، شعرت بأن الإنجليزيات حاولن الاستفراد بها، قررت مقابلتها، انتظرت حتى انتهاء الجلسة الصباحية، قدمت لها نفسها، طلبت منها إجراء مقابلة قصيرة لصحيفتها، دعتها لتناول الشاي في مقهى قريب لمزيد من الدردشة والتعارف، ثم دعتها جين لعشاء نظمه القائمون على المؤتمر، وبعد عام استضافت كاترين (جين) في بيتها لليلة واحدة، ولم تعرف كاترين السبب الرئيسي الذي جعلها تقترب من جين، لم يكن محصورا بسبب الاستفراد، ربما أعجبتها جرأتها، ثقتها، أو إحساسها بالعظمة.
استمرت التواصل بينهما من خلال البريد الإلكتروني، باحت كل واحدة ببعض أسرراها، ومنها العلاقات مع الرجال، تبادلتا أيضا بجرعات قليلة، أفكارا سياسية وتربوية، لكن مناقشاتهما على قلتها، كانت كافية لتعرف كل واحدة ما يجب أن تعرفه، أن تحدد كل واحدة التزام الأخرى الأخلاقي وانتماءها السياسي، أصولها ورغباتها وطريقة حياتها، توطدت الصداقة بينهما، ولقاؤهما في أبو ظبي هو الأول خارج بلديهما، الأول الذي يجمعهما منفردتين، الأول الذي سيبقيهما لمدة أسبوعين، والأول الذي ترى فيه كاترين صديقتها ترتدي ذاك القميص، شعرت كاترين بالاستفزاز، أو أن جين، لا تزال في حالة الفخر بجسدها، وحين طلبت جين من صديقتها تغيير ملابسها حتى تسترخي أكثر وأن تنتعش بكأس النبيذ، دخل نفس كاترين وسواس يهمس لها بكلمات غامضة، سرعان ما أبعدته حتى تستطيع البقاء مع جين إلى نهاية الإجازة، إضافة إلى أنها غير متأكدة من أي شيء حتى تلك اللحظة. ورغم أن الأمر عادي في العلاقات النسوية، أن تتحرر المرأة كثيرا أمام المرأة أو أمام صديقتها، إلا أن كاترين استغربت الوضع، شعرت أنه أكثر من مجرد ممارسة المرأة لحريتها في بيتها، وتمشيا مع رغبة جين، ورغبتها في أن تفتح حقيبتها التي اشتاقت إلى محتوياتها، نهضت كاترين، دخلت غرفتها، وعادت وهي ترتدي بيجاما فضفاضة، أثارت حفيظة جين التي قالت: ( ما هذا يا كاترين، بدأت اشعر بأنك رجل وأنت ترتدين هذه البيجاما .. )
صدمت كاترين مرة أخرى، لم يشغل بالها الأمر كثيرا، قالت في نفسها بأن لا شيء يحدث بالقوة، ولكن، وفي غمرة تلك الأفكار، تمددت جين على الكنبة مقابل كاترين، وضعت ساقا فوق ساق، ولو كانت كاترين تجلس مقابلها لشاهدت كل أسرارها السفلية ..
جين : ما رأيك بالنبيذ ..
كاترين: إنه لذيذ ..
نهضت جين إلى المطبخ وعادت وهي تحمل زجاجة النبيذ وهي تقول: إنه رخيص هنا، ربع أسعاره في بريطانيا، ونصف أسعاره في أمريكا، بشكل عام الخمور رخيصة هنا، ولكن انتبهي، فهي ليست مشاعا لكل الناس، إنها لغير المسلمين فقط، لا يمكنك الحصول عليه إلا بإذن رسمي، أخبرتك بذلك، ويبدو أن هذا من قبيل تفهم الدولة لطبيعة الجاليات وخصوصياتها.
كاترين: وهل يزيد هذا من استهلاكك لها ؟
جين: بصراحة، حياتي هنا جعلت استهلاكي يزيد لأشياء كثيرة، وليس الخمور فقط..
سألت كاترين مبتسمة: مثل ماذا؟
جين: مثل الطعام والسجائر..
كاترين: فقط ؟
جين: والرجال أيضا وكل ما يمتعني، هذا ما تريدين سماعه، الأمران لا يختلفان، أنا أستهلك كل ما يمتّعني، كل ما يشعرني بالنشوة، يتعبني هذا الأمر، لكنني هنا أشعر بأنني اقبل على الحياة بشكل مضاعف، وفي المقابل تراجعت قراءاتي شيئا ما.
كاترين: هي في الأصل قليلة، لكنني متأكدة من قراءتك في تخصصك في التربية والتعليم.
جين: يبدو أنني لكثرة ما قرأت وأنا صغيرة، بت لا أرغب بالقراءة، و لكثرة ما حرمت وأنا صغيرة، زادت رغبتي بالاستهلاك، أنا لا أخجل منها، لكن حسب قناعتي، لا أحب مثلا أن يغويني أحد، أنا من يجب أن أغوي، ولا أحب أن يطاردني أحد، أنا لا أطارد طبعا، ولكن ابتسامة خفيفة فيها شقاوة صديقتك جين تفتح الإشارة الخضراء، حدثيني عن صديقك الذي سلبك عقلك خلال أربع وعشرين ساعة فقط، قلت لي بأنك تمنيت لو غازلك أو حاول معاشرتك أو أبدى رأيا يعزز من تصورك السابق.
كاترين: فعلا، هذا صحيح، ويبدو أنه سيكون المعادل الموضوعي للمقالة التي سأكتبها، صحيح بأنني في زيارة خاصة، ولكنك تعلمين، أخذت موافقة من صحيفتي لكتابة مقالة، في الواقع، لم يتضح لي العنوان بعد، إلا أن اللقاءات والبحث ستقودني في النهاية إلى عنوان عريض.
جين: هذا يعني أن زاهر سيكون مادة خصبة لمقالك، ولكنك لم توضحي بعد.
كاترين: هذا الرجل يوحي ولا يباشر، قال لي بأنه من ضحايا وعد بلفور، ولم يقل بأنه فلسطيني مثلا، فهل ينطبق هذا على العرب، هل يشعر كثيرون بأنهم ضحايا وعد بلفور؟
جين: طبعا يثيرك هذا الأمر لسببين، أولا كونك كاتبة، وثانيا تعود لعلاقتك ببلفور..
كاترين: أنت تذكرينني دائما بهذا الأمر، هل هو تحذير من زاهر ؟
صبت كاترين كأس نبيذ آخر، ارتشفته بهدوء متأمل، نهضت تتمشى داخل الصالون ذي البرودة العاطفية، بينما كانت مخيلتها تستدعي أجواء شقة زاهر، كل زاوية فيها كانت تشعرها بأن هنالك من يسكن الشقة، ثمة أنفاس أليفة في البيت، انتابها هذا الإحساس حتى حين نهضت من نومها عند الظهيرة على صوت الأذان، شعرت بألفة عجيبة، بأنها ليست غريبة عن المكان، أضافت الكتب المرتبة على رفوف المكتبة والمبعثرة على طاولة السفرة وعلى حواف النافذة بعدا آخر لحوار داخلي، أما صور والده ووالدته وأخوانه وأخواته واللوحات الزيتية الصغيرة والكبيرة فقد جعلت الأمر يبدو وكأنها في بيت جماعة وليس فردا، بل إنها سمعت قصصا وحوارات بين هؤلاء الأفراد، قرأت تاريخا ممتدا إلى أبعد الجذور. تذكرت كاترين وهي تجول بنظرها جدران شقة جين العارية تماما، ذلك الحوار الذي دار بينها وبين زاهر حول لوحة احتلت ربع مساحة الجدار، بريشة صديقه الراحل محمد صبحي العيدة )، تلك اللوحة المركبة، التي يوحي كل شكل ومساحة وشخصية ولون فيها بموضوع الانتظار، بيوت بعيدة قديمة صفراء، نساء طويلات الأعناق، رجل بصورة جانبية، وأواني قديمة. تذكرت ما قاله زاهر لها عن صديقه الفنان: ( مات منتظرا) ، وحين سألته: ماذا كان ينتظر؟، أجابها: كان ينتظر عودته إلى بيته..
عاد الحوار بينها وبين زاهر، يضرب صداه بجدران شقة جين.
- زاهر، أنت تتحدث دائما دون تخصيص.
- وهل هنالك أكثر تخصيصا من عودة الإنسان إلى بيته، بل الأكثر ألما..
- لا .. بالتأكيد ..
- هل اشتقت إلى بيتك في لندن ؟
- اشتقت بالطبع، ولكنني لست على عجلة من أمري للعودة ..
- لأنك تستطيعين العودة متى شئت، وهو في أمان، هل تعرفين عمر اشتياق صديقي لبيته، إنه بعدد سنوات عمره، اشتياق طويل جدا إلى درجة الإدمان، صديقي قال لي أنه حين انتهى من رسم اللوحة، زاد إحساسه بالانتظار، كان يجلس أمامها ساعات طويلة، كأنه تم تهجيره من بيته بالأمس.
استرجعت كاترين ذالك الحوار بهدوء بالغ، بل استرجعت أيضا شعورها اللذيذ بالألفة، خاصة عندما دخلت لتستحم، ولاحظت أن المكان كان مزدحما بالأشياء، كالصابون والشامبو وأدوات الحلاقة وفراشي الأسنان والكولونيا والعطور وأدوات رياضية خفيفة، ومناشف وروب حمام وستارة زرقاء، بل ومجلة. قد يبدو تواجد هذه الأدوات والأشياء عاديا في الحمام، لكن المقارنة تجعل هنالك فرقا مؤثرا، فزاهر عازب وجين عازبة، وزاهر يتقاضى راتبا معقولا، وجين تتقاضى راتبا كبيرا أو جيدا، زاهر يقضي عمره منتظرا، و جين لا تنتظر سوى ما تستهلكه، لكن ما لفت انتباهها حقا في شقة زاهر هو امتلاء المساحات بالأشياء، حتى أرضية الشقة كانت مغطاة بقطع سجاد مختلفة الألوان، ولا يمكن الحديث عن فرق الثقافات، تساءلت كاترين في نفسها، إن كان كل ذلك الدفء على صلة بالأمان الذي غلف روحها.
جلست كاترين وسألتها سؤالا بدا لـ جين بعيدا عن الموضوع الذي كان محور حديثهما بشأنه:
كاترين: أود أن أسالك سؤالا قد يبدو خاصا، ولك حق الامتناع عن الإجابة إن شئت.
جين: نحن صديقتان يا كاترين..
كاترين: لماذا اشعر وكأنك على رحيل؟
جين: أنا فعلا على رحيل، رغم استمتاعي الظاهري، استهلاكي لكل ما يمكن أن يمتعني، إلا أنني أفعل كل ذلك من أجل داخلي، أنا في هذه الشقة المؤقتة، من أجل شقتي الدائمة، أبني علاقة مؤقتة مع مارك لأنني أخطط لعلاقة دائمة مع ديفيد، أشبع رغباتي المجنونة كي أبدو عند عودتي متزنة، أنا على رحيل، حتى لو بقيت هنا عشر سنوات أخرى.
كاترين: ما هي أخبار الفراعنة؟
جين: أوه .. إنهم سحرة، ولكن سحرهم لا يدوم، هي جلسات تشعرك بالخفة، تملأ قلبك وصدرك ضحكا، الظريف، إن أي شاب أتعرف عليه منهم، أو من باقي العرب يعرض عليّ الزواج، حتى لو كان سائقا، بل إن أحد السائقين، وهو سوري، رافقني إلى مدينة العين في إحدى الزيارات، لم أستطع التخلص منه حتى الآن، رغم توضيحي كل الأمور له، إنه يتصل بين فترة وأخرى، أو يرسل رسالة هاتفية، قالها لي بكل وضوح، أريد معاشرتك، نفرت منه، أحسسته يقول لي: أريد قتلك، وهو لا يدري أنني أستطيع قتله وهو بين فخذي، أنا استمتع يا كاترين، كما تعرفين، وفق مزاجي، أستهلك ما أختاره بجنون، لكن بشروطي ..
كاترين: أما أنا فلا أستطيع الاستمتاع بالأشياء بسهولة، المتعة تشبه كأس النبيذ هذا، لا بد من شكل مقبول للكأس، لون ساحر للنبيذ، طعم شهي ينتشي به اللسان ويرطب الحلق، رفقة حسنة جذابة، وأجواء لطيفة..
اعتبرت جين كلام كاترين إطراء وسعادة بجلستها، ما جعلها تتمدد منتشية، لينحسر فستان نومها ويكشف عن كامل فخذها الأيمن: أنت تجعلينني سعيدة يا كاترين، هل يتوفر كل هذا هنا حقا؟
أرادت كاترين الاستمرار بالملاطفة التي اكتشفت سحرها بقولها: ( بل إنني أشعر بالمتعة يا جين، متعة المغامرة والغموض، متعة الاكتشاف، رغم كوني صحفية، أقتنص كل ما هو جديد، إلا أنني منذ وصلت إلى أبو ظبي، وقابلتك، وقابلت زاهر، أشعر بأنني أعيش تجربة لم أكون ملامحها بعد، إلا أنها تغويني إلى درجة أعجز فيها عن المقاومة.. )
تمطت جين على الكنبة، انحسر فستان النوم أكثر، ظهر سرها الأنثوي، مدعية أنها لا ترى ولا تشعر ما تبدي وتظهر، وفكرت بسرعة: ( هذه المرأة تتذاكى علي، جعلتني أشعر بأنني سبب متعتها، إلا أن إدخالها لزاهر أمر مربك، أتراها مثلي، تشرب الكأس حتى آخر قطرة، لا يهم محتواه أو شكله، المهم لذته، كأنها تقول لي بأنها تتعرض للإغواء من قبلي ومن زاهر، أية امرأة هذه، اعتقدت بأنني أعرفها جيدا، لكن كما يقال، لا تعرف الشخص إلا إذا سافرت معه أو عاشرته، وها نحن نتعاشر) .
توقفت جين عند الكلمة الأخيرة، أدركت أن كاترين لم تعترض على فستانها الفاضح، لم تهتز، وفضلت ارتداء بيجاما تخفي كل أنوثتها، توصلت إلى نتيجة يرددها العالم، بأن الإنجليز يتمتعون بالدهاء واللؤم حقا.
ادعت جين بأنها تريد أن تحرك الأريكة إلى الخلف، نهضت، أعطت ظهرها لكاترين، انحنت لتمسك بالكنبة من الأسفل، حركتها مليمترات فقط، ثم عادت لتقرأ وجه كاترين، رأتها تنظر إلى الجدار العاري، تمددت ثانية راسمة علامات الجدية على وجهها وقالت: لأول مرة يجمعنا مكان يتمتع بهذه الحرية، في بيتكم في لندن، كان والدك ووالدتك يجوبان المنزل، صحيح أنهما رقيقان، إلا أنني أحسست بأنني ضيفة رسمية، فهل ينتابك هذا الإحساس؟
كاترين: بالطبع لا، خاصة أنك تتصرفين بعيدا عن الرسمية، تمارسين حريتك وكأنني غير موجودة، وهذا يسعدني كثيرا.
فهمت جين كلام كاترين باتجاهين، واحد لصالحها والثاني ضدها، شعرت بأنها تنتقدها بشكل غير مباشر، وحتى تحسم الشك باليقين، نهضت، اقتربت من كاترين، ركعت أمامها، سألتها إن كانت ترغب في تناول العشاء. تذكرت كاترين بأنها لم تتناول شيئا بعد المناقيش اللذيذة في بيت زاهر، هزت رأسها موافقة، قالت بأنها ستحضر بنفسها العشاء، طبعت جين قبلة على خد كاترين وقالت لها: ( أنت رائعة، هكذا أشعر بأننا صديقتان حميمتان، لا رسميات بيننا، لكنني أخشى أن البيت يفتقر لما ترغبين في تناوله).
كاترين: لا ترهقي نفسك، سأحضر سندويشا من أي شيء أجده في الثلاجة، هل أحضر لك شيئا؟
جين: لا تتعبي نفسك، أكلت حتى التخمة اليوم، تصرفي وكأنك في بيتك، أريد أن أنام، فغدا يوم عمل..
كاترين: قبل أن أبدأ بتحضير الساندويش، هل بإمكاني استخدام هاتفك غدا للاتصال بزاهر ؟
جين: بالتأكيد، الكلية تدفع كل الفواتير، بما فيها هاتف المنزل والمتحرك وكل شيء، وأحيانا أذهب للغداء فأحضر الفاتورة على أنه كان غداء عمل، لكنني أود أن تأخذي حذرك من زاهر، أقترح أن تضعيني في صورة كل ما يحدث بينكما، نحن صديقتان بل حليفتان، خوفا من أن ينقض عليك من حيث لا تدرين ..
كاترين: أتمنى ذلك ..
اتجهت كاترين إلى المطبخ وهي تضحك، صنعت سندويشا من الجبن والخيار، عادت لتجد جين نائمة على بطنها على الكنبة، أيقظتها بصعوبة، كاترين لا تعلم من أين حصلت على هذه المعلومة، بأن الأمريكان لا يستيقظون بسهولة، وحين يستيقظون تكون أمزجتهم سيئة، إلا أن جين استيقظت بهدوء، مشت إلى غرفة نومها كالمخدرة،
ظلت كاترين وحدها في الصالون، تتناول السندويش ببطء، مستغرقة في التفكير، ربما بزاهر، أو بالأيام المتبقية التي باتت تشعرها مليئة بالأحداث.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق