الأربعاء، 16 يونيو 2010

الفصل الحادي عشر من رواية فتنة كارنيليان

الفصل الحادي عشر من رواية فتنة كارنيليان
أنور الخطيب

بعد اتصال كاترين تلك الليلة، لم يغمض لزاهر جفن، لم يتألم لما حصل لـ جين، لم يلم نفسه لذاك الشعور، كأنه من الطبيعي أن تصاب بنوبة قلبية أو سكتة دماغية، من الطبيعي أيضا أن تقرر الرحيل بعد هذه النوبة، لم يشمت بها، لكنه تقبل شعوره دون إحساس بالذنب، نهض، رش وجهه بالماء، حضر فنجان شاي، أشعل سيجارة، فتح الإنترنت، تذكر الرسالة الإلكترونية التي أرسلها أحمد، كتب مباشرة في محرك غوغل الإمارات اسم ( جون روز)، كان قد سمع بهذا الاسم، الكاتب اليهودي الذي ألف كتاب ( أساطير الصهيونية )، وكتابا آخر قبله بعنوان " إسرائيل الدولة الخاطفة.. كلب حراسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط". قاده البحث إلى الإرهاب الصهيوني ضد اليهود أنفسهم ( تفجير الباخرة باتريا في ميناء حيفا في 25 تشرين الثاني عام 1940 ، وتفجير السفينة ستروما في البحر الأسود في العام 1942، كانتا محملتان بالمهاجرين اليهود إلى فلسطين). لم يدهش زاهر لما قرأه، من الطبيعي ، حسب رأيه، أن تظهر أصوات معارضة لأي سياسة عنصرية تقوم على إلغاء الآخر، فجون روز يقول بأن الصهيونية هي المشكلة، وإزالتها هي الشرط الأساسي للسلام في الشرق الأوسط، فالصهيونية لا تهدد الفلسطينيين فحسب، وإنما مستقبل اليهودية نفسها، كما يقارن بين الممارسات الإسرائيلية في فلسطين، ودولة الفصل العنصري السابقة في جنوب إفريقيا.
كانت كاترين تظهر مع كل حرف من آراء جون روز، لكن الأمريكية راشيل كورى، ابنة الثالثة والعشرين عاماً، كسرت هيمنة كاترين على الحروف والآراء، الصبية راشيل التي سحقتها الجرافة الإسرائيلية في حي السلام في مخيم رفح في 16 مارس 2003، وهي تصرخ بمكبر الصوت كي يتوقفوا عن هدم البيوت، لم يسمعها الحديد، وهشم رأسها وصدرها.
منذ وفاة راشيل كوري وزاهر يريد أن يكتب قصيدة، كتب وشطب، كتب وحذف ولم يرض، ثمة كلمات لم يستطع قولها، ومعان لم تسعفه لغته على رسمها، كأنه لم يستطع تجسيد الحالة الإبداعية والوطنية والإنسانية التي سجلتها راشيل، وكل ما خطرت سيرتها على خياله، ذهب إلى صورتها وتأملها لوقت طويل، كأنه يقرأ رواية أو قصيدة ساحرة.

كتب زاهر في مذكراته غير اليومية في ما بعد:
( إن ما يحول دون ارتعاش قلبي لكاترين، ليس هو ما يعجزني عن كتابة قصيدة لراشيل، راشيل انتهت قصتها تحت تراب فلسطيني، أما كاترين، فضلت أن تبقى في لندن، لا أدري ما تكتب، ولا أدري حتى الآن توجهاتها الفكرية والسياسية الحقيقية، رغم إيحائها برفضها للسياسة الصهيونية في فلسطين، ورغم تقبلها لي، وإيحائها بالإعجاب الكبير، ثمة أمر يحول دون تفتّح قلبي، دون فرشه بتراب العشق، ثمة ما يؤرقني، وينضاف إلى أرقي .. ).
أقفل دفتر مذكراته غير اليومية، غسل وجهه من جديد، لم يتبق على انبلاج الصبح سوى ساعة واحدة، قضاها أمام التلفزيون، يتابع أخبار الحرب على لبنان، وموت المدنيين، والقصف الإسرائيلي لعناصر من الجيش اللبناني، وقصف حزب الله لحيفا وعكا والعفولة، قال مسؤول إسرائيلي إن الصواريخ إيرانية الصنع، وقال آخر بأنها سورية.
حمام صباحي من مسلزمات اليقظة، كوب نسكافيه بالحليب، وجدهما زاهر لا يتناسبان مع الدماء التي تسيل في لبنان، لكنه فعلها، ارتدى بدلته، وفي السابعة والنصف كان في مكتبه، بينما الدوام الرسمي في الساعة الثامنة. لم يقرأ الصحف، لم يفتح الإنترنت، لم يجلس على كرسي مكتبه، لكنه أطل على البحر، أغمض عينيه، أخذ نفسا عميقا، أخرجه، ثم نفسا آخر، أخرجه، وسمح لأشعة الشمس وهواء الساحل بالدخول إلى رئتيه وشرايينه وأطرافه، جعله يتجول في كل أنحاء جسده حتى امتلأ، أوحى لنفسه أنه نام مستغرقا لمدة أربع ساعات، فتح عينيه، شد عضلات جسده قليلا، دخل إلى الحمام، غسل وجهه، صفف شعره من جديد، رش عطرا حول رقبته، استنشقه، خرج لينظر من النافذة، لاحظ الموظفين وهم يتوافدون إلى المكان، شاهد أحمد وهو يغادر سيارته، ويسير بخطى متثاقلة..
ماذا لو هاجمت الولايات المتحدة الأمريكية إيران؟
ذلك هو الموضوع الذي تم تكليف زاهر وأحمد للبحث فيه. جلس زاهر إلى مكتبه، فرد الأوراق أمامه، تساءل: لماذا لم يكن السؤال: هل ستهاجم أمريكا إيران؟ وقال في نفسه: إن ما سيحدث واضح في السؤال الأول، ولكن الثاني هو الذي يفتح المشكلة على مصاريعها؟
أخرج زاهر مقالا كان قد طبع نسخة منه من الإنترنت، عن انتشار السرطان وتلوث التربة والهواء في العراق والسعودية ومنطقة الخليج، بعد العام 1991، بعد احتلال العراق للكويت، وخروجه منها بهزيمة ساحقة، كأنه يريد أن يقول بأن النتائج ستكون مشابهة.
أمسك قلمه، رغم أنه يستخدم الكمبيوتر بشكل دائم، انغمس في كتابة بعض الأفكار، وفجأة، سمع صوتا يسأله: ماذا تكتب في هذا الصباح يا عبقري؟
زاهر: أهذا أنت، اطلب لنا قهوتك العربية حتى نزيد من نشاطنا..
أحمد: ألم تنم أنت أيضا ليلة أمس؟
زاهر: حرب في لبنان، حرب في العراق، وكاترين يهودية و ..
أحمد: قرأت رسالتي إذن..
زاهر: ليلة أمس، ولكن دعنا من كاترين وجين، ولنبدأ في عصف أفكارنا حول المشروع الذي كلفنا به..
أحمد: أنت رجل غريب حقا، هل تعني أنك لن توقف اتصالك بكاترين ؟
زاهر: سأعتبرها مثل جون روز ؟
أحمد: ماذا تعني؟
زاهر: هذا كاتب يهودي من عائلة متشددة، يؤمن بأن الصهيونية ستجلب الويل للدولة اليهودية، ويشبه ممارساتها بدولة الفصل العنصري السابقة في جنوب إفريقيا، وفي كتابه (أساطير الصهيونية)، سجل أراء لإسرائيليين يطالبون بإلغاء (قانون العودة) الإسرائيلي، الذي يمنع الفلسطينيين من العودة إلى بلادهم منذ أكثر من نصف قرن، لكنه يقضي بأن من حق أي يهودي في أي دولة، الالتحاق بإسرائيل، ويؤمن بأن إلغاء هذا القانون سيقوض دعامة مهمة من دعائم الصهيونية.
أحمد: يا صديقي ، الجمعية العامة للأمم المتحدة سبقته بسنوات طويلة، وأصدرت عام 1975 قرارا باعتبار الصهيونية حركة عنصرية، لكنها ألغت القرار في التسعينيات، ثم دعا مؤتمر ديربان بجنوب أفريقيا في أيلول 2001 إلى إعادة تجديد القرار الأممي، الداعي إلى اعتبار الصهيونية حركة عنصرية، لكن شيئا لم يحدث على أرض الواقع..
زاهر: كلام الأمم المتحدة شيء، وكتابات جون روز شيء آخر، لا تنسى أنه يهودي، يعمل في وسط يهود، ويعتقد بأنه يساهم في تحرير فلسطين، اسمع ما يقول أيضا، يقول بأن الصهيونية تتجاهل المكون العربي الإسلامي في التاريخ اليهودي، ولا ترى سوى المعاناة اليهودية خلال فترات "النفي" لاسيما في أوروبا. وأسطورة النفي هذه سيستها الصهيونية عندما جلبتها من قصص الكتاب المقدس، منذ هدم المعبد في القدس، على يد القائد الروماني تيتوس عام 70م حتى قيام إسرائيل عام 1948. ويقول أيضا أنه وفقا لما أطلق عليه أسطورة النفي، فإن اليهود الذين كانوا يعيشون خارج فلسطين يعتبرون منفيين طوال تلك القرون.
أحمد: وهل تعتقد بأن كاترين تؤمن بهذا الكلام ؟
زاهر: ربما، سأنهي كلامي بشأن هذا الكاتب، إنه يصف ما حدث من طرد للفلسطينيين عام 1948 بأنه تطهير عرقي وإن حق الفلسطينيين في العودة هو أيضا شرط أساسي لمثل هذه التسوية، إن أهم ما في الأمر يا أحمد، نقله لقول بن غوريون، أحد رواد الصهيونية، قال بن غوريون (إن الكتاب المقدس هو مصدر الملكية لنا)، ويعقب جون روز بأن قول بن غوريون دمر أي احتمالات لمصالحة عربية إسرائيلية.
أحمد: أنت تجلب لي الصداع منذ الصباح، سأذهب إلى مكتبي لأجلب بعض الأوراق وسأعود إليك..
زاهر: قبل أن تذهب، يبدو أنني نسيت أن أخبرك ما هو أهم من يهودية كاترين، جين في المستشفى منذ ليلة أمس، أصيبت بنوبة قلبية، ونقلتها كاترين إلى مستشفى الطوارئ.
لم يعلق أحمد، ابتسم، هز رأسه، ثم غادر ..
دهش زاهر من رد فعل أحمد، تساءل: هل اعتقد بأنني أمزح معه؟
واصل زاهر قراءة الملاحظات التي دونها عن أفكار جون روز، قرأها وكأنه يقرأها للمرة الأولى، وفوجئ بحديثه عن الإنسان الذي يفجر نفسه، وقرأ: إن الانتحاري الذي يفجر نفسه في بداية القرن الحادي والعشرين يجسد إخفاق الدولة اليهودية في فهم مغزى سلوكه، وإن الانتحاري في بعض الأحيان يكون هو اللاجئ، الذي لم يسمح له بالعودة إلى وطنه". إن أكثر ما أراح زاهر هو اتفاق جون روز معه وهو يعتقد، بأن الدولة العبرية "المختلقة حديثا لم تكن سوى رصيد إستراتيجي لمخططات الولايات المتحدة الإمبريالية الجديدة للمنطقة العربية، وفي كل من الحالتين، كانت الصهيونية معتمدة على القوى الإمبريالية الغربية تماما".
نظر زاهر إلى ساعته، كانت العاشرة والنصف صباحا، فتح المذياع ليسمع نشرة إخبارية من الـ بي بي سي، وجدها تكرارا مشوها لما سمعه ليلة أمس، عاد لينظر إلى البحر، وفي ذهنه بحر مدينة صور اللبنانية، شوارعها وبناياتها القديمة التي تتعرض للقصف، الصيادون الفقراء وهم يلتزمون منازلهم، أو غادروها إلى مكان أكثر أمنا، غير مدركين أن أحدا لم يعد في مأمن في لبنان، من جنوبه إلى شماله، ومن شرقه إلى غربه، النار تلتهم عصب الحياة، وأجساد الهاربين على الطرقات. لم تغادر رأس زاهر جثة الطفلة التي ظلت معلقة على قضبان الحديد، في الطابق الأخير لإحدى البنايات التي قصفت، لم يستطع أحد الوصول إليها ..
دخل أحمد متجهما: اعتقدت أنك تعبر عن أمنياتك بشأن جين، إنها حقا في المستشفى، ألا تفكر في زيارتها؟
زاهر: لا أدري، ولكن كاترين تريد الذهاب إلى شقتها لإحضار بعض الأشياء الخاصة بـ جين، وأبديت لها استعدادي لتوصيلها، ولكن ليس الآن، ألا ترغب في العمل، علينا تسليم الموضوع في أقرب وقت ممكن ..
تأفف أحمد: هل كان ينقصنا البرنامج النووي الإيراني؟
زاهر: اسمح لي أن أصحح تساؤلك، هل كان ينقصنا وجود أمريكا في العراق والخليج العربي؟
أحمد: السؤالان يقودان إلى نفس النتيجة، الواقع هو الواقع، ونحن أمام سؤال: ماذا لو هاجمت الولايات المتحدة الأمريكية إيران؟
زاهر: أمامي ملخص لورقة بحثية أعدها الخبير في الشؤون النووية فرانك بارنابي، وأصدرتها مجموعة أوكسفورد البحثية، ربما تشكل منطلقا لحديثنا ..
أحمد: استعدادك للعمل عجيب جدا ..
زاهر: العمل عبادة يا صديقي، المهم، عنوان ورقة فرانك: (هل ستحقق الضربات الجوية أهدافها؟ تفهم البرنامج النووي الإيراني والتداعيات المحتملة لعمل عسكري..).
أحمد: أنت تصر على مناقشة سؤالك البديل، يجب أن نتوجه مباشرة إلى مناقشة:ماذا لو هاجمت الولايات المتحدة الأمريكية إيران؟
زاهر: نحن في السياق ذاته، يبدو أن عقلك مع جين ..
أحمد: لا أدري لماذا يقلقني مرضها، ليس بدافع العاطفة، فأنا غير منجذب نحوها، لكنه يقلقني ..
زاهر: أعلم أنك أجريت مكالمة وردت عليك كاترين، ولكن هل حدثت جين؟
أحمد: أنت تعلم أن المصابين بنوبات قلبية غير مسموح لهم ببذل أي جهد .. لا ، لم أحدثها، لكن كاترين قالت بأنها تستعيد عافيتها تدريجيا، وعليها البقاء تحت الملاحظة لمدة يومين، أنا فعلا قلق يا صديقي ..
زاهر: كأنني أفهم سر قلقك ..
أحمد: وما هو أيها المحلل النفسي ؟
زاهر: لا يا صديقي، إن مبعث قلقك ليس نفسيا أبدا ..
أحمد: أفصح ولا تكن جبانا ..
زاهر: اتفقنا منذ البداية أن نحترم المعطيات، ولا أريد أن أكسر الاتفاق، قد يكون جوابي مؤلما .. هل تريدني أن أوجز ما قاله فرانك بارنابي ..؟
أحمد: تفضل، ولكنني فعلا أخشى .. عذرا، قل ما تريد ..
زاهر: يقول التقرير بأن الوكالة الدولية للطاقة الذرية لم تستطع قطع الشك باليقين، بشأن طموح إيران لامتلاك أسلحة نووية ..
أحمد: وماذا في ذلك ؟
زاهر: يعتقد الباحث، أن أي ضربة توجهها أمريكا لإيران، ستكون سببا مباشرا في قيام إيران بتصنيع سلاح نووي؟
أحمد: وهل سيكون بمقدورها أن تفعل ذلك بعد الضربة؟
زاهر: يفترض الكاتب أن العلماء سينجون من الضربة، وإن إيران قد بنت مفاعلات محصنة تحت الأرض، وقد تكون سرية، وإن أمريكا لن تستطيع ضرب كل المنشآت لكثرة عددها وتوزعها الجغرافي في أماكن بعيدة ومنتشرة، وبهذا، ستقوم إيران بإنتاج سلاح نووي بحرية تامة، بعد الضربة مباشرة ..
أحمد: تريد أن تقول أن هذا سيكون أول نتائج الضربة العسكرية الأمريكية لإيران؟
زاهر: لست أنا من يقول، إنه فرانك بارنابي، وهكذا نبدأ الإجابة على سؤال بحثنا بهذه المعلومات..
أحمد: أنت تعلم جيدا، بأن المقصود من السؤال هو: كيف ستنعكس النتائج على دول المنطقة وعلينا..
زاهر: أعلم ذلك، ولا مانع من ذكر هذا الأمر، ولكن، هل بمقدورنا كتابة كل شيء..؟
أحمد: ماذا تعني، نعم سنكتب كل شيء..
زاهر: هل عرفت ما حل بالكويت نتيجة احتلال العراق لها؟
أحمد: لن تقدم إيران على احتلال الخليج يا صديقي ..
زاهر: أنت تدري بأن الاحتلال ليس وجود جنود على أرض معينة، ثم قد تتورط أمريكا وتحاول احتلال إيران ..
أحمد: أدعي بأنني أفهمك، ولكن علينا أن نكون صريحين في إجابتنا، أليس كذلك ؟
زاهر: من المفترض أن نكون كذلك، ولكن دعنا نتحدث شفويا في البداية، نعصف أفكارنا كاصدقاء وزملاء، ثم نبدأ بالكتابة .. لن أحدثك عن مضيق هرمز الذي تمر به ناقلات النفط، أو السفن التي تعبره قادمة إلينا محملة بشتى أنواع البضائع، ولن أحدثك عن احتمال جنون إيراني بقصف مواقع استراتيجية في دول الخليج، أو عن زيادة الأسعار بشكل جنوني، وعن احتمال انقطاع التيار الكهربائي أو انقطاع المياه، أو عن تلوث البيئة ..
أحمد: بماذا سنتحدث إذن ؟
زاهر: عن الفوضى ..
لم يعلق أحمد مباشرة، لكن قلبه خفق بخوف شديد، تأمل زاهر ملياً، أمسك زاهر ورقة بيضاء وكتب عليها بخط كبير: العمالة، ورسم علامة استفهام..
أحمد: لماذا لم تنطقها؟
زاهر: لأنها أكبر من كلمة، وأكبر من عمالة .. حدثني صديق عاش تجربة الاحتلال العراقي للكويت، قال لي بأن العمالة هي من احتل البيوت الفارهة الكبيرة الثرية المليئة بالمجوهرات والتحف، والخزائن التي تفيض أموالا، والثلاجات المتخمة بالمواد الغذائية واللحوم بأنواعها، والمخازن المليئة بأكياس الأرز وصناديق المعلبات، هي العمالة التي تصفونها بالعمالة غير الماهرة، وخدم البيوت والمزارعين، كل فرد أو مجموعة احتكرت فيلا أو قصرا أو منزلا، وبدأت تبيع ما به، وتهرب ما خف وزنه وكبر ثمنه، طبعا إضافة إلى سرقة السيارات ومحلات الذهب وغيرها..
أحمد: أنت شديد الحذر من هذه العمالة يا صديقي، ولا تثق بإخلاصهم ..
زاهر: هل تذكر قول أنديرا غاندي حين زارت إحدى دول الخليج: I feel at home .. ؟
أحمد : فهمت ..
زاهر: إن تدبير الكهرباء مسألة مقدور عليها، وكذلك الماء والهواء البارد والأغذية، أما الفوضى، فهي التي يجب أن يحسب لها ألف حساب ..
أحمد: تقصد أن تكون الفوضى هي العنصر الثاني الذي يجب ذكره بعد توجه إيران، في حال تعرضت لضربة، لامتلاك سلاح نووي ..
زاهر: هكذا أعتقد، والفوضى يا صديقي يمكن أن تكون أمنيّة أو اقتصادية أو اجتماعية، وأفضل أن نقرن هذه الأبواب بكلمة " الفوضى .. "
أحمد: بصراحة، هل أنت خائف من ضربة أمريكية لإيران؟
زاهر: هذا موضوع آخر، ولكن إن أردت إجابة واضحة، لست خائفا، ولكن كيف سينعكس امتلاك إيران لسلاح نووي على الخليج؟
أحمد: لا أعتقد أن دول الخليج هي المقصودة، كانت إيران تمتلك سلاحا نوويا يسمى ( شاه إيران)، ولم تكن الأمور أسوأ حالا .. هو سلاح ردع لا أكثر ..
زاهر: أتفق معك، أي استخدام للسلاح النووي يعني حربا عالمية ثالثة، ستعيد البشرية إلى العصور الحجرية، وستشبه أهوال يوم القيامة ..
أحمد: سنبدأ إذن في الكتابة، سأدع لك محور الفوضى الاجتماعية والأمنية، وأتولى أنا الكتابة عن الفوضى الاقتصادية ..
رن هاتف زاهر، استنفرت أحاسيس أحمد، صوت كاترين على الطرف الآخر، تسأل إن كان بمقدور أحمد أن يصنع لها جميلا، ويأخذها إلى بيت جين.
مرر زاهر الهاتف لأحمد، سأل عن صحة جين، أبدى موافقته المباشرة، أقفل الهاتف: كاترين تريدني يا زاهر أن أرافقها إلى بيت جين..
زاهر: أعلم هذا ..
أحمد: جين تعتذر عن عدم استقبال الزوار أيضا ..
زاهر: لا تريد أن يراها أحد وهي ملقاة على السرير، مريضة لا تستطيع الحركة ..
أحمد: كيف عرفت ؟
زاهر: الموضوع ليس في حاجة إلى ذكاء، على كل حال، هذا سيوفر لي الوقت للكتابة في موضوعنا..
أحمد: لا تغضب يا صديقي ..
زاهر: أنا لست غاضبا، لو رافقت كاترين لما صعدت إلى شقة جين ..
انطلق أحمد إلى مستشفى الطوارئ، طلبت منه كاترين حين وصل أن يتوسط لدى إدارة المستشفى بنقل جين إلى المستشفى الأمريكي، بناء على طلبها، حاول أحمد إلا أن الطبيب المسؤول الذي يتابع حالة جين رفض، برر ذلك أن الحركة تضر بصحتها، وهي تحت المراقبة الدقيقة والمستمرة، وستبقى كذلك لمدة يومين. في ذلك الوقت، حضر السفير الأمريكي إلى المستشفى مرتبكا، برفقة مجموعة من الشخصيات، من بينهم مدير الكلية التي تعمل فيها جين، تم إبلاغه بتفاصيل حالتها، وحين علم أنه ليس بمقدورها الانتقال إلى مكان آخر، اقترح أن يحضر طبيبا أمريكيا وفريق تمريض لمتابعة حالتها، تعاون المسؤولون على اقتراحه.
في الطريق إلى شقة جين، أخبرت كاترين أحمد بأنها اتصلت بالكلية والسفارة، بناء على طلب جين، عبرت له عن حرجها أمام زاهر، أخبرها أحمد بأنه مشغول ببحث مهم للغاية، وعليه الانتهاء منه اليوم، جاءت الأحداث لمصلحته..
كاترين: هل أستطيع سؤالك عن عمل زاهر بالضبط..
أحمد: أفضل أن يحدثك بنفسه عنه ..
كاترين: لاحظت أن ثقافته أدبية تميل إلى السياسة، ولكنه واقعي إلى درجة مخيفة ..
أحمد: هل لأنه تقبلك كما أنت ..
كاترين: لا عيب في أن يكون الإنسان يهوديا، هكذا أعتقد، ما رأيك أنت؟
أحمد: طبعا، ديننا الإسلامي يعترف بالمسيحية واليهودية ضمن الأديان السماوية الثلاثة، والنبي محمد (صلعم) تزوج من سيدة مسيحية اسمها ماريا ومن سيدة يهودية اسمها صفية، وهناك سورة طويلة عن سيدتنا مريم العذراء..
كاترين: هل حقا ما تقول، أم أنك تجاملني؟
أحمد: كما يتحدث قرآننا عن بني إسرائيل والنبي موسى وكل الأنبياء..
كاترين: أنت تدهشني بكلامك، هل تعملان سويا في نفس المكان؟
أحمد: نعم، ولكن لكل شخص عمله الخاص به..
كاترين: كانت جين مكتئبة حين عادت مساء أمس، ولم أستطع معرفة السبب ..
أحمد: لا أدري، كانت سعيدة ونحن نتناول العشاء في قصر الإمارات، ربما شربت نبيذا فوق احتمالها..
كاترين: شربت المزيد في شقتها، ودخنت سجائر كثيرة أيضا .. يبدو أننا وصلنا، بدأت أعرف بعض ملامح المكان، هنا محل بي إتش إس ..
أوقف أحمد السيارة، أطفأ محركها، شعرت كاترين أنه سيرافقها، فكرت قليلا، استحضرت حلمها، خشيت أن يتحول الحلم، ويتم استبدال زاهر بأحمد، وكاترين بـ جين، ترددت قليلا، ثم طلبت من أحمد بلغة مؤدبة جدا أن ينتظرها، لأنها لن تتأخر، تذكر موقف زاهر بشأن قراره عدم الصعود إلى شقة جين وقال لها: هذا ما كنت سأفعله..
كاترين: ولكنك أطفأت محرك السيارة، والجو حار جدا ..
أحمد: سأذهب لأشتري علبة سجائر.
افترق الإثنان، توجهت كاترين إلى شقة صديقتها، ودخل أحمد متجرا للملابس يطل على سيارته، شعر أنها تأخرت، قرر ألا يقلق عليها، شغل نفسه بتفحص بعض ربطات العنق التي لا يستخدمها، حين عادت، أخبرته أن رجلا في المصعد حاول التعرف عليها، خافت من نظراته الشهوانية، من عينيه الجاحظتين المتعبتين، سألها إن كانت أمريكية، رفضت الإجابة، أكد لها أنها أوروبية، أخبرها أنه درس الهندسة الكيميائية في بريطانيا، ولم يمض على وجوده في أبو ظبي أكثر من شهرين، فر من العراق نتيجة الأوضاع السيئة، يريد أن يعود إلى بريطانيا أو أمريكا. أخبرته أنها زائرة مثله ولا تستطيع المساعدة، نصحته أن يذهب لسفارة الدولة التي يرغب السفر إليها، قال لها بأنه حاول ولكنه فشل، رفضوه رفضا قاطعا، فقد كان يعمل في وزارة الصناعة العراقية، تأسفت له وغادرت المصعد، ظل ينظر إليها غير مصدق، قبل أن تفتح الشقة أخبرته بأنها شقة صديقتها، ورجته ألا ينتظر، دخلت الشقة، عثرت على ما كانت تبحث عنه، تأخرت قليلا، نظرت من العين السحرية للباب، وخرجت حين لم تجده.
أحمد: لماذا خفت من الرجل ؟
كاترين: الغريب حذر دائما، ونادرا ما يطلب أحد من أحد في مصعد أن يساعده..
أحمد: الغريق يتعلق بقشة ..
كاترين: زاد عدد العراقيين في بريطانيا، أراهم في أماكن كثير، معظمهم يحملون شهادات عليا..
أحمد: يقال بأن هنالك أكثر من أربعة ملايين عراقي خارج وطنهم، بين مهجر ولاجئ، هذه هي نتيجة الحروب، أصبحوا مثل الفلسطينيين، هنالك أكثر من خمسة ملايين فلسطيني خارج ديارهم..
كاترين: هنالك شعوب أخرى تعاني من التشرد أيضا، هل تعلم يا أحمد، أؤمن بما قاله زاهر، هنالك أعداد هائلة من الشعوب لو بحثت عن موطنها الأصلي، ستجد تغيرا ديمغرافيا كبيرا في العالم، وستنشأ حروب كثيرة، بعضها أهلية وأخرى نظامية، الحملات الاستعمارية، الهجرات، النفي، الهجرة الطوعية، كلها خلطت الأجناس، وهناك مثل فرنسي يقول بأن وطني أين أجد لقمة عيشي. لكن الإنسان، خاصة في العصر الحالي، ازدهرت لديه فكرة البحث عن الجذور، عن الخصوصية، وقد تتعلق هذه الخصوصية بالدين، أو بالعرق، أو بالتاريخ أو بالجغرافيا، خذ اليهود مثلا، أنا أرى أنه من الخطأ أن تتحول دولة إلى مكان لاستقطاب العقائديين، أي أن تتحول إسرائيل إلى دولة يهودية، شأنها شأن لبنان مثلا، من الصعب أن تتحول إلى دولة إسلامية أو مسيحية أو درزية ..
أحمد: قد أتفق معك على هذا الطرح، وأرى بأن الإنسان المعاصر بدأ يبحث عن جذوره لأنه وجد نفسه مهددا بما يسمى العولمة، لا يمكن يا كاترين، أن ترتدي كل شعوب العالم الجينز، وتأكل الهمبرغر، وتدرس الثقافة الجنسية في المدارس، وتطبق الديمقراطية، وتمارس الحرية الشخصية المطلقة، هنالك خصوصيات لكل مجتمع، لكن العولمة لا تفهم هذا الكلام، يريدون أن يتحول مجتمع مثل المجتمع الخليجي إلى مجتمع أوروبي منفتح بطريقة كبيرة، يستهلك ما تنتجه الدول الصناعية الكبرى، وبنفس القيم ، بينما لهذا المجتمع عاداته وتقاليده وعقيدته، هنالك قبائل في إفريقيا ما زالت عارية وجائعة .. ما رأيك ..؟
كاترين: أتفق معك، لكن العجلة التي يسير بها العالم لا تعطي لشعوب كثيرة ومنها شعوبكم، فرصة التفكير والتأمل بما يجري، بل أحيانا أشعر أنه من الصعوبة بمكان السيطرة على الأمور، ومواجهة هذا الإعصار المعلوماتي العجائبي الكبير، وهذا الانفتاح في البث الإعلامي، أريد أن أقول لك شيئا، قد لا تتغير أنظمة الحكم، ولكن الشعوب تتغير، فقد بات من المستحيل ممارسة مراقبة ما على أي شيء، ومعظم شعوب العالم الثالث منبهرة، ربما نتيجة الضغوط التي تعرضت لها على مدى سنوات طويلة..
أحمد: لقد وصلنا، على كل حال، أود أن أقول لك، بأن الديمقراطيات أشكال، ونحن هنا نمارس ديمقراطية قلما تتواجد في مكان في العالم ..
كاترين: كيف؟
أحمد: ما يحصل عليه المواطن الإماراتي لا يحصل عليه أي مواطن في أي دولة، وعلاقة الشعب مع الحاكم ليست علاقة حاكم ومحكوم، بإمكان أي مواطن الوصول إلى أي مسؤول وبث شكواه وطلب ما يريد، هل بإمكانك مقابلة توني بلير أو أي وزير بسهولة؟
كاترين: بالتأكيد لا ..
أحمد: أنا أستطيع، وبسهولة ..
كاترين: تستطيع مقابلة توني بلير !!
ضحكا معا، دعته للنزول لرؤية جين، ذكرها بأن الزيارة ممنوعة، حاولت أن تشرح له فأخبرها أنه يفهم ما تريد قوله: سنراها عندما تستعيد عافيتها، نأمل أن يتم ذلك قريبا..
كاترين: انقل تحياتي لزاهر، ربما هو غاضب الآن ..
أحمد: لا أظن، زاهر يعرف ماذا يريد، وكيف، اتصلي لو احتجت شيئا..
كاترين: لا حاجة لي لديك، أعني، لا أريد أن أزعجك، سأتصل بزاهر في ما بعد ..
انطلق أحمد بسيارته، ظلت جملة ( لا حاجة لي لديك) تطرق طبلة أذنه، شعر بنفور منها، رغم ما سمعه من أفكار معقولة، ولكنه أقنع نفسه مضطرا في النهاية، بأنه من الطبيعي أن تكون حاجتها لزاهر أكثر منه. إن ما لم يستطع أحمد فهمه، هو استفسارها الدائم عن طبيعة عمل زاهر، ثقافته، مرجعياته، وسر العلاقة التي تربطه به، كأنها تشك بصدقيتها، وربما تنطلق من قناعة كثيرين، بأن الخليجيين غير مثقفين، ولا يصادقون أحدا خارج بيئتهم، أو أنها تشك بانتمائهم العربي، على سبيل المثال.
أفكار كثيرة راودت أحمد، ضغطت على دماغه، أربكت سيره وتركيزه وهو يصعد الدرج متجها إلى مكتب زاهر، الذي وجده منكبا على القراءة والكتابة. جلس أحمد دون كلام قبالة زاهر: أطلب لنا شايا يا زاهر، ريقي يكاد يجف ..
زاهر: أنت ريقك يكاد أن يجف من حرارة الطقس في الخارج، وأنا قلم حبري يكاد أن يجف من الكتابة في تداعيات ضربة محتملة لإيران من قبل أمريكا، هل تعلم، منذ زمن لم أكتب بيدي، أنت تعلم بأنني أكتب مباشرة على الكمبيوتر، لا أدري لماذا اليوم قررت الكتابة، اسمع يا صديقي، إن أكبر التداعيات ستنعكس على ..
أحمد: عذرا يا صديقي، لا أود أن أقاطعك، إلا أنني أريد أن أتحدث معك في مشكلة أكبر من مشكلة توجيه ضربة عسكرية لإيران، على الأقل، حسب تقديري..
زاهر: هل ماتت جين؟
أحمد: لا تزد من توتري وقلقي، لو ماتت لكانت كارثة، لكن ما سأسرده لك أيضا يدخل في باب الكوارث، اسمع ماذا حدث، حضر السفير الأمريكي حين كنت أتحدث مع كاترين، طبعا لا أريد أن أصف الأجواء فأنت تعرفها، طلب إحضار طبيب أمريكي من مستشفى آخر لمتابعة حالة جين..
زاهر: توقعت هذا، هل يدهشك أيها البريء ؟
أحمد: اصبر على رزقك، لا تتعجل الأمور، عندما انتهى السفير من ترتيب كل الأمور، تأمل جين مليا، حملق بالأجهزة الموصولة ثم همس لأحد مرافقيه: يجب فتح تحقيق ، القلب الأمريكي قوي، ويجب ألا يصاب بنوبة، علينا معرفة ما حدث، ومن كان سبب أصابتها بنوبة قلبية، بعيدا عن الأسباب الطبية..
زاهر: هل أنت خائف؟
أحمد: وما شأني بقلب جين يا زاهر، هل جننت؟
نهض أحمد عن كرسي مكتبه، تحرك ليقابل البحر وقال: إجراء تحقيق يا عزيزي يعني البحث عن أجوبة لأسئلة من نوع: مع من كانت قبل أن تصاب بنوبة قلبية؟ ما الحديث الذي دار حتى تكدر مزاجها وأصيبت بحزن شديد أو اكتئاب أشد، أو غضب لم تستطع التعبير عنه؟ ماذا شربت، ماذا أكلت؟ يعني فحص الطعام، تحقيق مع الطباخين، تحقيق مع النادل الذي قدم لها النبيذ، فحص النبيذ ذاته، فحص الهواء الذي تنفسته، ربما فحص هواء السيارة التي استقلتها وهي عائدة إلى شقتها، من حملق بها ولم يصلي على النبي فأصابها بالحسد، من أثار عصبيتها من السائقين في الشارع، الاستماع إلى شهادة كاترين، كيفية نقلها إلى المستشفى، وأشياء أخرى ..كأن ما حدث لها بفعل فاعل، لا تقل لي بأن التهمة ستوجه إلى إرهابيين أيضا، وقد أكون أحدهم ..
زاهر: ليس شرطا أن تكون أنت، ربما حدث ما حدث بنيران صديقة، أعني ...
أحمد: لا تضخم الأمور يا صديقي، لا أحتمل المزيد من التوتر والأفكار البائسة، أريد أن أقول لك شيئا، اعتذرت كاترين مني بلباقة، على عدم مرافقتها إلى شقة (جين)، رغم أنني لم أكن أخطط لذلك، أو كان من الممكن مرافقتها لو دعتني، إلا أنها تأخرت في الشقة، وعادت لتحدثني عن رجل عراقي طلب منها مساعدته للعودة إلى بريطانيا أو أمريكا ..
زاهر: لا يدهشني هذا أبدا، أولا، الشقة ليست لكاترين، ثانيا: هناك خصوصية تريد استغلالها، ثالثا: خشيت على نفسها من الاغتصاب ..
أحمد: مستحيل، أنت تمزح !!
زاهر: هذه أفكارهم عن الرجل العربي الذي لا يستطيع رؤية امرأة بمفردها إلا ويراودها عن نفسها، فإن رفضت اغتصبها .. الرجل العربي لا يرى من المرأة سوى شفتيها وثدييها وجهازها التناسلي ..
أحمد: أعلم، ولكنها خرجت معنا وتناولنا العشاء سويا، على الأقل عرفت بأنني درست في أمريكا، وكما يقولون، تحضّرنا هناك، أنا لا أقيم لهذا الأمر وزنا، لتعتقد ما تشاء، أما الأمر الثاني، حين أبديت استعدادي لمساعدة كاترين وقت الحاجة، تعجلت في الرد وقالت: لا حاجة لي لديك، سأتصل بزاهر .. ثم عدلت أو جمّلت كلامها بمفردات أخرى، إنها لا تريد أن تزعجني ..
رن هاتف زاهر، ظهر اسم كاترين على الشاشة، ناوله لأحمد، سمع صوت كاترين يرتجف: أدخلوا جين لوحدة العناية المركزة.
حاول أحمد أن يهدئ من روعها، لكنها عندما سمعت صوته وتعرفت على محدثها سألت: لماذا لم يجبني زاهر، هل يمكنني التحدث معه؟
كاترين: لماذا لم ترد أنت يا زاهر، هل أنت غاضب مني ؟
زاهر: لا أعتقد بأن جين ترغب بإخباري عن حالتها الصحية ..
كاترين: هل يمكنني رؤيتك في المساء ..
وعدها زاهر أن يلتقيا، لم يسأل عن صحة جين، وحين استفسرت مرة أخرى عن عدم رده قال لها: سنلتقي في المساء إن سمح الوقت، وإن احتجت شيئا قبل ذلك اتصلي بي، رغم أن صحة جين لم تعد مسؤولية مستشفى الطوارئ.
كاترين: أعرف أن أحمد أخبرك بكل شيء، لا دور لي بما يحدث، إنني نادمة على حضوري فعلا، وأحاول الانسحاب بأقل الخسارات، وأولها أنت يا زاهر، علينا أن نتواصل بشكل مستمر ..
زاهر: أنت منفعلة، وقد اتفقنا أن نلتقي في المساء ..
كاترين: أنت قلت إذا سمح لك الوقت، هذا يعني أننا ربما لا نلتقي، أنا في حاجة إليك، وأنت أيضا، كما أعتقد ..
زاهر: هل طلبوا منك عدم البقاء مع جين في المستشفى ؟
كاترين: لم يطلبوا مني، لكنني فهمت هذا .. سأكون وحيدة هذا المساء، ومقتلي في وحدتي ..
زاهر: إلى اللقاء ..
أقفل زاهر الهاتف بعصبية، قال لأحمد: سأعلمها أنني عرفت كل شيء، وعلينا التعامل مباشرة وبوضوح أكثر، حتى لا نتحدث في الألغاز، نسيت أن أخبرك، طلبوا منها بطريقة غير مباشرة مغادرة المستشفى، وسيتولون هم إدارة مرضها، والإشراف على خفقان قلبها ..
أحمد: الأمر يعود لك، أنت صاحب الشأن، تصرف بالطريقة التي تريحك، حتى لو رغبت في الزواج منها ..
زاهر: بدأت تشطح، بل بدأت تتخلى عني يا أحمد، أي زواج هذا ..
أحمد: هل تعتقد أنهم سيحققون معي ؟
زاهر: هنالك كلمة أكثر تأدبا من ذلك، قد يستمعون إلى شهادتك، قد يبدو الأمر مختلفا، يعني التحقيق يكون مع المشتبه بهم أو المذنبين، أما الشهادة، فهي ..
أحمد: لا تجمّل الأمور، ولكن هل تنصح بزيارة جين في المستشفى؟
زاهر: آسف لقولي بأن الجناح الذي ترقد فيه جين تحول إلى شيء آخر، من المؤكد أن الأدوية والمحاليل والطعام سيأتي من خارج المستشفى أيضا، إضافة إلى التحاليل وغيرها، ولن يسمحوا لأي باقة ورد أو علبة شوكولاته أو بطاقة تمنيات بالشفاء، بالدخول إلى غرفتها، ولكن يمكنك المحاولة، على الأقل حتى تقلل من توترك وقلقك على صحتها ..
أحمد: أنت تفهمني بالتأكيد ..
زاهر: عيبي الوحيد أنني أتفهمك ..
أحمد: ماذا تعني ..؟
زاهر: أعني أنك تستحق أن أتفهمك، ألا نعود إلى موضوعنا وبحثنا، ماذا لو هاجمت الولايات المتحدة الأمريكية إيران؟
أحمد: أنت لا تمل من العمل؟
زاهر: أعتبرها مهمة وليس عملا فقط، كاترين طارئة على المكان، غدا تغادر الدولة، وجين وجودها مؤقت، أليست من ضمن العمالة المؤقتة؟
أحمد: أنت لئيم جدا يا صديقي، ولكنني أحبك ..
زاهر: تبقى المسألة مسألة إيران، أليس كذلك، وإيران جارة يا صديقي، يعني .. انتصرت أمريكا وغيرت النظام في إيران، أو نشرت الفوضى الخلاقة التي يتحدثون عنها، أو انتصرت إيران أو صمدت، أو تحولت إلى عراق آخر أو فيتنام أخرى، سيبقى الموضوع هو: إيران .. أليس كذلك؟
أحمد: إلى حد ما، الكلام يحتمل النقاش..
زاهر: أنا معك، واسمع ما قرأت في جريدة الخليج، الموضوع بعنوان: ماذا نفعل في اليوم التالي لضربنا إيران؟ الكاتب جري لوب، أستاذ التاريخ المحاضر في جامعة تفتس في أمريكا، والمترجم، كمال حسين البيطار..
أحمد: طبعا يتحدث عن اليوم التالي في أمريكا وإيران، وليس عندنا ..
زاهر: باختصار، يقول الكاتب: أمريكا ليس لديها خططا أنضج من تلك التي رسمتها في العراق أو أفغانستان، سيتحرك الشيعة في العراق ضد أمريكا، ستخسر أمريكا اليسار الإيراني، وسيلتف الشعب حول الحكومة الإيرانية. ويقول بأن الهجوم الأمريكي باتت خططه في مراحلها الأخيرة.. أما أسباب أمريكا لضرب إيران، فستكون ذاتها التي أدت إلى ضرب العراق .. هل يساعدنا هذا الكلام في بحثنا..؟
أحمد: الأمر في غاية الخطورة ..
زاهر: أي أمر ؟
أحمد: وضع جين ووضع إيران.. سأسألك سؤالا غير بعيد عن موضوعنا، هل تعتقد بأن خيبة أمل جين بي كانت وراء نوبتها القلبية؟
زاهر: ربما ..
أحمد: هل تعتقد أنه من الحكمة أن أغازلها قليلا ..
زاهر: أخشى أنها لا ترضى بالقليل يا صديقي.. ولهذا، إما قلبك، وإما قلبها ...
أحمد: أنت في غاية اللؤم يا صديقي، ولكن لن أدعك تعرف حين أقوم بمغازلتها، أنا أيضا قلبي قوي..
زاهر: أريد أن يكون قلبك قويا وأنت تدلي بشهادتك ..
أحمد: أنا أحاول أن أنسى وأنت تعيدني إلى الدائرة، ولكن لا بأس، أنت تعرف صديقك ..
لم ينته كلام أحمد حتى رن هاتفه، تغير لون أحمد مباشرة، جلس كعادته حين يكون مرتبكا، أمسك ورقة وقلما، بدأ يرسم خطوطا ودوائر ويظللها بسرعة ، كان يردد كلمات مثل: نعم أنا أحمد، نعم كنت معها، أين..؟ سأحضر في الوقت المحدد، لا لا تعتذر، المسألة بسيطة ..
أقفل أحمد الهاتف وقال: يبدو أن التحقيق قد بدأ، أريد أن أختلي بنفسي في مكتبي ..
زاهر: أنا جاهز للمساعدة في أي وقت ..
أحمد: من الأفضل أن تبقى بعيدا ..
رن هاتف زاهر مباشرة بعد انتهاء الحوار، نظر في وجه أحمد، أطلق عينيه للبحر، كان يردد كلمات مثل: نعم أنا زاهر، في الساعة الرابعة عصرا، نعم، سأحضر في الوقت المحدد .. لا بأس..
أقفل الهاتف بهدوء: يبدو أنني لن أكون بعيدا أبدا ..
أحمد: هل حددوا لك الساعة ؟
زاهر: في الرابعة عصرا ..
أحمد: وأنا في الساعة السادسة مساء ..
افترق الصديقان بهدوء، بعد أن كست وجهيهما سحابة حبلى بالحيرة، اتفقا ألا يتحدثا في المساء، ألا يتبادلا رسائل هاتفية أو إلكترونية، وألا ينفعلا، وظن كل منهما أن جين ماتت ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق