الأربعاء، 16 يونيو 2010

الفصل التاسع من رواية فتنة كارنيليان

الفصل التاسع من رواية فتنة كارنيليان
أنور الخطيب

اختار زاهر مطعما هنديا للقاء، أدهش اختياره كاترين، وعبرت له عن سرورها.
حديث زاهر معها، سؤاله عن الشمعدان أو النجمة السداسية في شقة كاترين، طبع ملامح مخفية على تلقائيتها، لكنه لم يمنعها من التعبير عن نفسها.
حين دخلت سيارته، صافحته بحرارة، لمس مشاعر شوق في رجفة يديها، شعرت وكأنها تتحرر: يا إلهي، الآن لدي إحساس غريب بالحرية، وقدرة جيدة على التنفس..
حين دخلا المطعم، جلسا بالقرب من نافذة تطل على الشارع، طلبا الدجاج بالكاري وروبيان بالزنجبيل، شربت كاترين من كأس مائها بعطش، قالت: حين أكون مع جين اشعر بالارتباك، بالضياع، أنا معك امرأة طبيعية، أفكر بصوت مرتفع، امرأة عادية مع رجل غير عادي، لم أشعر بالارتباك في حياتي لتواجدي مع امرأة، قدر ارتباكي مع جين..( وضحكت ..)
لم يستطع زاهر نسيان أسئلته عن ديانة جين، شعر أنه تسرع وعليه الاعتذار، اعتذر، رفضت كاترين اعتذاره، أوحت له أنها تتقبل منه أي سؤال: من حقك أن تملأ الدنيا أسئلة يا زاهر ..
شعر أنها تتكلم في العمق، أبعد من جين، من ديانتها، أبعد من العاطفة، كاترين لامست الطرح الفلسفي..
- أولا، أعتذر عن إحساسي بالحزن الآن، آمل أن يتغير مع مرور الوقت هذه الليلة..
- لا تعتذر عما يعجبني بك وأشاركك به، ثانيا، أعرف أن نصفك الآن في جنوب لبنان ..
- ثانيا، أنت تنبشين فيّ التاريخ، تقلبينه على نار الذكريات، عندما كنت في الثانية عشرة من عمري، كنت قليل الكلام، كثير الصمت والتأمل والتساؤل..
- كنت تسأل نفسك، لماذا أنت وليس غيرك ..
- ثالثا، أنت أكبر خطر علي، إنه السؤال ذاته !!
- لأن ذات السؤال كان يدور في ذهني: لماذا نحن وليس غيرنا ..؟
توقف الحديث الذي يربك القلوب والتاريخ والجغرافيا والعقل، ويستفز كل شيء. رغم تسارع خفقان قلب زاهر، دخول هواجسه إلى اللامتوقع من الأفكار، خوفه من معلومة قد تصدمه، أو قد لا يستوعبها ببراعة، تبادلا حوارا غذائيا، قدم لها (سمبوسة محشوة بالخضار )، قدمت له سمبوسة محشوة باللحمة، تحدثا عن المطعم، عن الأطباق الهندية الشهية، عن قدرة زاهر على تحضير أطباق متميزة، عن حبها للأكل وكراهيتها للطبخ، عن البهارات ودورها في تطييب الأطعمة، وفوائدها للمعدة ونظافتها، وحين بدأ الحديث عن فضائل العزلة داهمتهما العاملة الفلبينية وهي تحمل طبقين ساخنين، وسلطة الخيار باللبن. علقت كاترين على المشهد: مطعم هندي وعاملة فلبينية، ومطعم إيراني وعمال هنود وفلبينيون، ما هذا؟
تذوقت كاترين اللقمة الأولى، أصدرت صوتا ينم عن استمتاعها بالطعام، نصحها أن تأكل اللبن إذا أرادت التخلص من حرارة الكاري.
تذوق زاهر طبقه وقال مداعبا: معكم حق، البهارات الهندية تستحق حربا ..
ابتسمت كاترين بلؤم: كان بإمكانهم شراءه بدلا من الحرب، رغم ثمنه الباهظ في ذلك الوقت، ثم أننا لم نشن حربا على الهند!!
- أفهم ما تودين قوله، هل تعلمين، أنا أحترم الشعب الهندي كثيرا، مكافح وصبور، ولا أعتقد أن فقره سبب صبره ..
- إنهم يتواجدون بكثرة هنا، قرأت مقالا عن السكان قبل حضوري، 70% من الجالية الآسيوية من الجنسية الهندية..
- هل أوضاعهم جيدة في بلدكم ؟
- جيدة، هناك تجار وأثرياء كبار ..
- وهنا أيضا، كيف تجدين طبقك ؟
- إنه لذيذ، اشكرك على اختيارك بالفعل ..
ليس ذاك ما أرادا التحدث عنه، كان واضحا من الإجابات المختصرة، أراد زاهر أن ينفض الملل عن الحوار فقال: قابلت امرأة هندية قبل حوالي عشر سنوات، كنت أعمل في الصحافة، جمعتنا رحلة سياحية داخل الدولة. على العشاء في أحد الفنادق، رغبت في تناول النبيذ، كانت المرأة تجلس إلى جواري، سألتها إن كانت ترغب في كأس نبيذ، اعتذرت، قالت بأنها لا تشرب الخمر، دينها يمنعها، عددت لي الممنوعات، اعتقدت أنها مسلمة، سألتها، أخبرتني بأنها بوذية، سألتني فيما يشبه التذكير إن كنت مسلما أم لا ؟! أجبتها: نعم، بكل تأكيد!
سكت زاهر، ناول كاترين شريحة جزر، أخذ لنفسه قطعة خيار، التفت حوله، عادت عيناه إلى الطاولة، كانت كاترين تنظر في وجهه: أكمل..
- لي بعض الآراء التي أؤمن بها، لا أخجل بأن أقولها لك، أرى بأن حكم الخمرة في ديننا مثل حكم تعدد الزوجات، أمر الله باجتناب الخمرة، وأخبر الناس ألا يتزوجوا أكثر من واحدة، لأنهم لن يعدلوا، كثيرون منعوا الخمرة، وأباحوا تعدد الزوجات دون ضرورة.
- أليس مباحا فعلا..
- مباح ولكن بشروط، أن تكون المرأة مريضة، أو غير قادرة على ممارسة الحب، لا تستطيع الإنجاب، أو أن تكون طاقة الرجل الجنسية تفوق طاقة زوجته على التحمل، وهناك شرط آخر، أن يعلم الرجل المرأة بأنه سيتزوج، ومن الأفضل أن تكون راضية عن الزواج.
- هذه معلومة جديدة، هل أستطيع أن أسألك: وماذا عن المرأة؟
- لا يحق للمرأة أن تتزوج من رجلين، هذا موجود في كل الشرائع الدينية، لكنها بالنسبة للمسلمين، تستطيع أن تطلق نفسها بسهولة..
- وماذا عن الأسباب.. ؟
- لا أريد أن أبدو صاحب فتوى، أقول لك ما أظن به، يكفي أن تقول أنها لم تعد تحب زوجها حتى يطلقها القاضي، وحدث هذا في زمن الرسول ( صلعم). أما لديكم، وفي بعض المذاهب، ربما الكاثوليك أو المارونيين، لا أدري، فالطلاق شبه مستحيل، وفي بعض المذاهب، لا يستطيع الرجل الزواج من ثانية إلا بعد مرور ثمان سنوات.. هل يعقل هذا !!
- كلا ، هذا غير موجود لدينا..
فهم زاهر من جوابها، أنها ليست كاثوليكية أو مارونية، ربما تكون بروتستانتية ..
- هل جين بروتستانتية أيضا؟
ابتسمت كاترين: نعم، جين بروتستانتية ..
زاهر: طبيعي، 65% من المسيحيين في أمريكا من البروتستانت ..
ضحكت كاترين، طلبت من زاهر أن يكمل طعامه وقالت: من أين تأتي بهذه المعلومات، أنت غريب جدا !!
- نحن نقول في لغتنا، الغريب هو الشيطان، فهل أنا شيطان؟
كاترين ( مازحة): نصف شيطان ..
لم يعلق زاهر، ابتسم، استمر في تناول طعامه، أحبت كاترين أن تتدارك الموقف أو تشاغبه فقالت: ونصف إنسان رائع، لكنك لست ملاكا، لا تتوقع أن أقول هذا..
- لا يمكن لبشر أن يكون ملاكا، يمكنه أن يصبح إنسانا، ثم إن المعلومة معروفة، أليست صحيحة، أليس البروتستانت هم أول الذين فروا من أوروبا إلى أمريكا واستوطنوها، يا إلهي، قرأت أشياء تشيب لها الولدان عن ذلك الغزو الدموي ..
- ماذا تقصد ؟
- أقصد الطريقة التي تعامل معها البيض مع سكان أمريكا الأصليين، الذين أطلقوا عليهم اسم الهنود الحمر، وفي الواقع، ليسوا هنودا، ولكن لونهم قد يكون أقرب إلى اللون الأحمر ..
كاترين: كيف ذلك؟
- آسف أن أقوم بدور مدرس تاريخ، لا أحب هذه المهنة، لأنني أعرف أن التاريخ نصفه مزور، اسمعي يا سيدتي، عندما انطلق كريستوفر كولمبس من إسبانيا غربا، بعد أن اقتنع بأن الأرض كروية، ظن أنه سيصل إلى الهند وبهاراتها وعاجها وشايها، لكنه وصل إلى هاييتي وبقية جزائر البحر الكاريبي، فسماها جزر الهند، وسمى سكانها هنودا، وعندما تقدم ( الأميركيون ) نحو الغرب لاحتلال المزيد من أراضي الهنود، سموهم ( حمر)، لأن لونهم كان يميل إلى الاحمرار.. طبعا أنت تعرفين بأن قادة الهنود اعترضوا على التسمية في ما بعد، قالوا بأن الهنود في الهند، وتسمية الإنسان بلونه هو تمييز عنصري، ويضر بثقافته وهويته.
- هذه معلومات مهمة، أنا قرأت شيئا مشابها عن الأمريكيين السود، الذين رفضوا كلمة زنوج، (نيغرو) لأنها مرتبطة بمعنى العبد أو العبيد، واقترح بعض قادتهم أن يتم تسميتهم بالأمريكان الأفارقة، أو الأمريكان السود، البعض فضل كلمة الأفارقة، والبعض فضل كلمة السود، ولا تزال التسمية مثار جدل، لكن إن نعتّ رجلا أميركيا أسود وقلت له ( نيجر niger ) فإنه قد يقتلك، لأنها شتيمة، يعنى أنت تقول له: يا عبد ..
- سأبوح لك بسر، إن معلوماتي عن الهنود الحمر طازجة، بحثت عنها بعد لقائنا أمس، حين استفزتني جين، وقالت بأنني لن يكون لي وطن، ولن أدخل أي دولة بدون تأشيرة دخول.. أنا أعرف أن الولايات المتحدة الأمريكية هي مستوطنة كبيرة، تضم الملايين من البشر، بعد أن قتلوا حوالي 150 مليون من سكانها الأصليين، الآن خصصوا لهم محميات، حوالي خمسمائة محمية، معظمها في كاليفورنيا وأريزونا وأوكلاهوما. لقد آلمتني حين نعتت نصر الله بالإرهابي، والفلسطينيين بالإرهابيين.
- لا تهتم، إنها تردد أحيانا كلمات لا تعنيها، فقط لأنها تسمعها أو تقرأها ..
- وددت لو كنت قد قرأت تفاصيل استيطانهم للأرض الجديدة، وطرق قتلهم للسكان الأصليين قبل مقابلتها، وددت لو كنت قد قرأت تفاصيل عن الحروب الأهلية في أمريكا وبريطانيا وهولندا وفرنسا، لتعلمي حقيقة الإرهاب الديني، كانوا ينشرون الرجل نصفين بالمنشار، أقترح عليك أن تقرأي رسائل المطران برتولومي دي لاس كازاس إلى ملك إسبانيا، يصف فيها المذابح الذي قام بها الجنود، صحيح أن ذاك القس كتب رسائله بعد أربعين عاما، إلا أن ضميره استيقظ، وطالب الملك أن يسحب جنوده، ومن ناحية أخرى، اعذريني، لقد تقاتل المسيحيون في ما بينهم بأساليب متوحشة، وفنون القتل تثير الغثيان، بل إنهم قتلوا من اليهود أعدادا كبيرة، ليس في ألمانيا، ولكن في فرنسا وهولندا والدنمرك وغيرها.. أرجو أن تعذريني ..
- لا تعتذر، أنا سعيدة بحديثك، لكن الواقع الآن أفضل على ما أعتقد ..
- أنا لا أعتقد، السلاح الأمريكي لا يزال يقتل الناس بنفس البرود الذي قتلوا به ما أتفقوا على تسميتهم، الهنود الحمر، يقتل العراقيين والأفغان والصوماليين بشكل مباشر، والفلسطينيين بشكل غير مباشر.
- أعذرك، أنت تحت تأثير الحرب في جنوب لبنان..
- بل قولي، في لبنان، لقد نسفوا الجسور ومحطات الكهرباء وخزانات الوقود ..
ظهر على كاترين الارتباك، اقترحت تغيير المكان لأن رائحته حارة، اقترحت أن تدفع الحساب، رفض زاهر، وعدها أنه سيسمح لها في مرة قادمة..
- هل حقا، يشعر الرجل العربي بالحرج حين تدفع امرأة الفاتورة بدلا منه ؟
- من قال لك ذلك؟
- جين قالت ذلك، أخبرتني ألا أحاول دفع الحساب حين أكون مع رجل عربي، لكن هذا لن يجعلني مرتاحة..
- سأريحك في المرة القادمة ..
غادرا المطعم، لم يستطع زاهر التخلص من عبء أحزانه، حاولت كاترين إخراجه من بين أنقاض دموعه المتحجرة أكثر من مرة.
داخل السيارة، طلبت منه سماع أغنية عربية، اقترح عليها أغنية لفيروز، فرحت لأنها سمعت بها، لكنها لم تسمع لها، كان الـ ( سي دي ) في حجرته، حين ضغط على مفتاح التشغيل انطلقت موسيقى، ثم صوت فيروز ( من أجلك يا مدينة الصلاة أصلي)، لاحظت كاترين أن الموسيقى كنائسية، أخبرها بأن الملحن مسيحي، وفيروز مسيحية. صمتت كاترين حين أخبرها بأنها تغني للقدس، تنهدت، غرقت في حديث داخلي، لم يقاطعها زاهر..
- لبنانية مسيحية وتغني للقدس، إنها مقدسة لنا أيضا !!
- يقول اليهود أنها مقدسة بالنسبة لديانتهم، القدس مدينة عالمية القداسة..
- أليس غريبا أن المدينة التي يقدسها الجميع، هي سبب نزيف الدم منذ مئات السنين!
- كأن الطريق إلى الله يجب أن يمر بالقرابين البشرية، هل يريد الله ذلك؟
- لست أدري، أنا لست متدينة كما يجب، لكنني لا أعتقد أن الله يحرض على سفك الدماء، هل لديك أغنية أخرى؟
مرر ال ( سي دي ) إلى الأمام، ( حبيتك بالصيف، حبيتك بالشتي )، أحبت كاترين الأغنية، قالت بأنها تمزج بين الموسيقى العربية والغربية، أخبرها زاهر بأن الأخوان الرحباني الذين لحنوا لفيروز، اشتغلوا على الموسيقى بشكل جيد، يعترفون بأنهم أدخلوا إلى موسيقاهم تراثا غير عربي، في الكلمة واللحن، شرح لها كلمات الأغنية، قالت بأنها رومنسية، الطبيعة فيها تتكلم..
- أحب أشعار العصر الرومنسي، هل قرأت للشعراء الإنجليز ووردز وورث وكولوريدج وشيلي وبايرون، أحب ووردز وورث على وجه الخصوص، الأخوان الرحباني على ما أظن، اقتبسوا بعض الجمل من قصيدة له، تتحدث عن امرأة جميلة خجولة تشبه وردة إلى جانب صخرة في البرية، وحيدة متوحدة بجمالها وعشقها ..
- كيف تفهم الحب يا زاهر ..
- الحب ؟
- نعم الحب، لا اصدق أنك لم تعش تجربة حب ..
- نعم عشت تجربة حب، (صمت)، الحب الحقيقي أشبه بالمعجزة، يصفي روحنا حتى تستحيل نورا، يعيد تشكيلنا من جديد، يمدنا بطاقة كبيرة على التفاؤل، يمنحنا الأمان والخوف معا، يجعلنا نعرف قيمة الزمن والوقت والحياة والموت، النهار والليل، الاقتراب والهجران، يجعلنا نرق كنسيم فجر بارد، إنه يبكينا ..
- ولم يبكينا ..
- لأنه يضعنا أمام موضوع الخلود، خلود الحب، وخلود الإنسان، حيث يوجد الحب الحقيقي، يوجد الخوف من الفقد، هذا يقود إلى التملك أحيانا، الغيرة أحيانا أخرى ..
- أنت شديد التطرف في أحاسيسك ..
- وفي غرائزي أحيانا ..
- ماذا تعني، لا تجعلني أخاف منك ..!!
- العاشق أشبه بالصوفي أو الناسك الذي يسعى للوصول إلى فكرة عليا عن طريق إجهاد جسده، نهاية ممارسة الحب عناق وليس افتراق. يقال بأن علامة عشق اثنين لبعضهما بعضا تظهر عند انتهائهما من ممارسة الحب، فإذا افترق جسداهما تكون العملية محض مادية، وإن تعانقا تكون ممارسة حب وليس ممارسة جنس ..
- أنا لم أعش هذه التجربة، أنت تتحدث بثقافة مختلفة ..
- هذه الثقافة كانت موجود لديكم في بريطانيا في عصور سابقة، ولكنها أخذت تتراجع، انظري إلى قصص الحب في الأفلام السينمائية، إنها قليلة، أو تمر بشكل عارض أو مرضي، حل محلها الإيقاع السريع للحياة، وهذا يحدث في ثقافتنا منذ فترة.
- تكنولوجيا الاتصال أفسدت كل شيء ..
- الاستخدام السيئ لهذه التكنولوجيا أفسد الشيء الكثير، لكن معك حق، من يكتب رسالة بخط يده هذه الأيام، ويضعها في مغلف، ويرسلها إلى صديقه أو صديقته أو أمه أو أبيه، الرسائل الإلكترونية صارت البديل، بل إن الرسائل النصية الهاتفية أصبحت البديل، تخيلي، انتظارك لرسالة في مغلف، تصلك برائحة معينة، ربما برسم وردة أو شفاه أو خربشات ..
- أصبحت اللقاءات ميسرة بين الشباب والبنات، في السابق كان ينتظرها عند ناصية الشارع، أمام منزلها، يرشقها بوردة من بعيد، يسرب لها رسالة عن طريق صديقتها، الآن يدعوها لممارسة الجنس عن بعد، وأمام شاشة الكمبيوتر، حيث يراها بواسطة كاميرا الإنترنت وتراه، ويكون في الوقت ذاته يدردش مع فتاة أخرى في غرفة مختلفة، نحن نتحول إلى كائنات إلكترونية كاذبة ..
- أنا أرفض هذا التحول، أنا في حاجة ماسة إلى قلبي، أن يكون مستودع حياتي ..
كان زاهر قد أوقف سيارته أمام البحر في منطقة الرأس الأخضر، المعتمة قليلا، أوقفها هناك حين انتقل الحديث إلى الحب، وكانت كاترين قد استراحت في جلستها، مدت جسدها إلى الأمام قليلا، استرخت، نظرت إليه وقالت: وأنا في حاجة ماسة إلى قلبي، أنت وضعتني في أجواء عجيبة لم أعشها طيلة حياتي، كنت أتوق إليها منذ زمن، أشعر أنني لا أنتمي لتلك الأرض الباردة، لا أنتمي للضباب، أنتمي لهذه المنطقة من العالم، إلى الشرق الجميل، البحر المتوسط، الدفء، قل لي يا زاهر، هل أنت مختلف أم أنها روح مجتمعكم ..؟
- يفترض أن تكون روح مجتمعنا كذلك، إلا أنها تتغير ..
- أنت لا تمدح نفسك حين تقر بأنك مختلف، ولكن تغيركم حتى الآن ليس بالخطورة التي تغيرت فيها مجتمعاتنا..
- أخشى أن تكون أخطر، بعض مجتمعاتنا، تشبه السجين الذي قضى خمسين سنة في الحرمان، وخرج إلى عالم يضج بالحركة والشهوة والجاذبية والنساء والمعلومات، الخطورة تكمن في الانفتاح غير التدريجي على العالم، أنتم تطورتم تدريجيا، لهذا، لم تنجح الديمقراطية في بلادنا حتى الآن ..
- أحاول تغيير الحديث لكنك تعيدني إليه، أنت تقول كلاما خطيرا، هل أنتم غير مؤهلين لخوض غمار الديمقراطية؟
- بصراحة، نعم غير مؤهلين، الديمقراطية ليست صندوق اقتراع وانتخابات أشخاص، إنها ثقافة وسلوك وقيم يا عزيزتي ..
- ألا توجد لديكم ثقافة وقيم وسلوك الديمقراطية؟
- أنت تستدرجينني وسأكون صريحا، نحن العرب ما زلنا نعتز بالعائلة والقبيلة، ما زلنا نكتب قصائد فخر كل يوم في سلوكنا اليومي، ولهذا، تجدين أن القوانين تُخترق، المحسوبيات كثيرة، ابن العائلة الكبيرة له الأولوية، خاصة إذا كان من الأثرياء، العرف يتحكم بكثير من المجتمعات، هل وفرت لك مادة للكتابة؟
- أنا لا استغلك، وإن أردت أن أكتب، فإنني سأستئذنك أولا، صدقني لم أفكر بالكتابة.
- أصدقك، لكنه مشروع مؤجل، أليس كذلك ..
قرصته من أرنبة أنفه: أنت مشاكس، أين ستأخذني الآن ..
- إلى البيت بالتأكيد ..
- إلى بيتك ؟
- بيتي هذه الأيام استوديو أخبار ..
- قل لي بصراحة، ألم تفكر بي ..
- أكذب عليك إن قلت لا ..
- كيف فكرت بي ..
- بصراحة، فكرت كالتالي: هذه امرأة تمتلك كل المواصفات التي أحبها، لماذا لم أندفع نحوها عاشقا منجذبا مصارحا حتى الآن !!
ظلت كاترين تحدق بعينيه، لم يخف الظلام حزنهما، ظلا على هذه الحال أكثر من دقيقة، أكثر من سبعين خفقة، أكثر من ارتباك، من رعشة يد، من دوران، لو كان الوقت نهارا للاحظ ارتعاش شفتيها، ولاحظت تسبيلة عينيه واضطراب صدره، قربت وجهها من وجهه، قبلته على خده: شكرا لصراحتك، كأنك قلت لي أحبك ألف مرة ..
أصابت زاهر رعشة داخلية، مد نظره إلى المدى الأسود المتكسر ببعض الأضواء الخافتة، كانت فيروز لا تزال تغني ( يا ريت، إنت وأنا في البيت، شي بيت أبعد بيت). حرك سيارته، مشى بهدوء، بصمت، كل شيء فيه ينبض، يخفق، يتدفق، شعر بكل شيء، إلا بالإثارة، أزمة أخرى، حين تداهمنا المشاعر يختبئ الجسد ..
وصل إلى البناية التي تسكن فيها جين، نظرت إلى عينيه مرة أخرى، ابتسمت: هل أزعجتك؟
مدت يدها لمصافحته، أمسك بكفها، قبّل راحتها قبلة طويلة، التصقت أنفاسه بخطوط عمرها، لفظت اسمه متقطعا: خذني معك، أرجوك .. خذني ..
في طريقه وحيدا إلى شقته، شعر أنه ينفصل عن المكان، عن الجزيرة، عن الليل، سافر إلى أمه، اتصل بها، قيل له إنها نائمة ..
دخل شقته، جلس أمام التلفاز وهو مقفل، فتحه بعد تدخينه سيجاره، نفس الأخبار، نفس الموت الهاطل من السماء، نفس الحرائق، قال المذيع أن الجيش الإسرائيلي عاجز عن الاجتياح حتى تلك اللحظة، نهض، شغل الكمبيوتر، فتح الإنترنت، قرأ رسالة من صديقه أحمد، توقع أن يقرأها زاهر في الصباح، قالت الرسالة:
(( صديقي زاهر// أسعد الله صباحك، لم أرغب في الاتصال بك ليلا، حتى تتمكن من النوم ولو لساعات قليلة، أعلم أنك ملك السهر وابن الليل البار، وأعلم أنك تتابع الأخبار وكأنك في غرفة عمليات. أذكر أنني أخبرتك خلال النهار بأنني سأرى جين في المساء، وأنت ستقابل كاترين، وهاك ما حدث: اختارت جين مطعم فندق قصر الإمارات، قالت أنها تتردد هناك بين وقت وآخر! تحب تناول سمك السلمون المدخن هناك، ولكن حين دخلنا الفندق، بدأت تبدي إعجابها بالديكور الفخم الذي يجمع بين الذوق الشرقي والغربي، وتغزلت باللون الذهبي الذي يطغى على الأثاث، والألوان المتغيرة لقبة الفندق، أحسست أنها تدخله للمرة الأولى، وحين خرجنا إلى الواجهة البحرية بعد تناولنا العشاء، قالت: يا للروعة، إنه يطل على بحر مفتوح، ما أسهل الدخول إليه من جهة البحر، لدي رغبة كبيرة بالسباحة، إلا أنني لا أرتدي لباس البحر، أنا مجنونة يمكنني السباحة لو شئت بملابسي الداخلية، لكن رأسي ثقيل، ثلاثة كؤوس من النبيذ الثقيل كفيلة بإغراقي وموتي، ما أجملها من فكرة، الموت أمام القصر، لا شك أنهم سينقلونني إلى إحدى الغرف لإسعافي، ما رأيك لو قفزنا إلى الماء بملابسنا يا أحمد!!
أعلم يا صديقي بأنني أنقل إليك معلومات وتفاصيل عادية، قد لا تهمك، أو قد لا تستحق أن أرسل لك إيميل في هذا الليل المتوتر، لي ولك، لتقرأه في الصباح.
تحدثنا في أمور كثيرة باستثناء السياسة، حتى عندما أتينا على ذكر العراق، لم تتحدث في السياسة، تخيل، قالت لي فعلا أنها تستطيع التعاون مع شركتنا في مجال المقاولات، لديها معارف يعملون في العراق، ويمكنها الحصول على مشروع كبير أو مشروعين متوسطين، لبناء جسر أو وزارة أو مدرسة أو مستشفى أو حتى ( تزفيت ) شارع، وحين سألتها عن الطريقة، قالت مازحة، نفجر بنايتين أو مدرستين أو وزارتين، ونعيد الإعمار! حين لاحظت دهشتي من كلامها قالت: (أليس هذا ما تقولونه).
منطق عجيب يا زاهر. المرأة ليست سهلة على الإطلاق، قالت لي بأنها تعرف أين أعمل، وماذا أعمل، وإنها معجبة بمراكز الدراسات في المنطقة، ومعجبة بتوجهاتها، امرأة ليست مدرسة فقط، امرأة تمتلك جاذبية فريدة، امرأة صريحة، مبادرة، تتحدث وكأنها تحفظ الكلام عن ظهر قلب، لا تفكر بما تقول مطلقا، لا تتردد، تصر على رأيها حتى وإن فندته لها نقطة نقطة، وفكرة فكرة، تخرج من الحرج بدعابة، و إيحاء أنثوي، ولكن ليس هذا ما أريد البوح به، أنا متردد في الكشف عن أهم معلومة أخبرتني بها جين خلال جلستنا، قذفتها في وجهي قذفا، لم نكن نتحدث عن كاترين ولا عن الأديان، كان معظم حديثنا عن عملها في الكلية، حياتها الصاخبة، مشاويرها إلى دبي، معارفها، تربطها علاقة حميمية مع سفير بلادها، والملحق التعليمي. إن ما يسهل الأمر علي هو أننا تحدثنا كثيرا في الديانات السماوية، ونتفق على أن الدين لا يعبر عن وجهة نظر سياسية، يقنن العلاقات أحيانا، وبعض أمور الحياة وخاصة الأحوال الشخصية، فليس بالضرورة أن يكون اليهودي صهيونيا، أذكر هذا على سبيل المثال، ولكن، رغم هذه القناعة، إلا أنني، لا أخفيك، صدمت، هل تعلم بأنني جلست لأول مرة في حياتي مع يهودية، كنت أتخيلهم يختلفون عنا، كنا نتخيلهم ونحن صغارا على هيئة وحوش، لهم ذيول تخرج من خلفياتهم، أو أن اشكالهم مقززة وقميئة، وكل واحد منهم يحمل ساطورا أو رشاشا لذبحنا، قلت لك لأول مرة أجلس مع يهودية، رغم أننا نراهم يوميا في البرامج الإخبارية، الكل يستضيفهم، يسألهم ويستمع لآرائهم، وينعتهم المذيعون بالأسياد والأساتذة، ويحضر كثير من العرب مؤتمرات بحضورهم، بحضور الصهاينة وليس اليهود فقط. أجد أنني قد أطلت عليك، ماذا أقول لك يا زاهر، جين أخبرتني بأن كاترين يهودية، أرجو ألا يسبب لك هذا صدمة، سنتحدث حين أمر بك اليوم في الدوام، لا تهتم كثيرا، المسألة لا تحتاج إلى تعقيد، أنا استوعبت الأمر، أكذب عليك إن قلت لك بأنني استوعبته كله، أرجو أن تفعل مثلي، استوعب ثلثه فقط، يعني الثلث الذي اتفقنا عليه، أما ما تبقى فتكشفه الأيام والمواقف، لا تفكر كثيرا، لا أعتقد بأنك غارق في حبها، وإنها أخفت عليك معلومة مصيرية، ضع المعلومة في مكانها الصحيح، ولا تشعر بالاكتئاب، عليك أن تواصل عملك بإبداع كعادتك، لدينا عمل كثير اليوم .. تحياتي، أحمد .. )).
استرجع زاهر تفاصيل الحوار الذي دار في المطعم الهندي، تذكر كلامها حين قالت: ( نحن لم نشن حربا على الهند، كان بإمكانهم شراء البهارات.. أنا لست بروتستانتية.. أنا سألت نفس السؤال: لماذا نحن ولا أحد غيرنا .. لا أنتمي للضباب، أنتمي لهذه المنطقة من العالم .. القدس مقدسة لنا أيضا..) .
أقفل زاهر بهدوء شبكة الإنترنت، شغل التلفزيون، الإعلان عن تدمير بارجة إسرائيلية قبالة سواحل بيروت، الطائرات الإسرائيلية تقصف بلدة مروحين منذ الصباح، بعد أن أنذرت أهلها بمغادرتها، تم قصف موانئ بيروت وطرابلس وجونية ومدينة بعلبك، صواريخ حزب الله تصل مدينة طبرية للمرة الثالثة، عمرو موسى، أمين عام الجامعة العربية قرر الذهاب إلى مجلس الأمن، ويهدد بأنه سيستخدم كل الوسائل لإيقاف العدوان الإسرائيلي على لبنان.
احتفظ زاهر بأعصابه هادئة، سحب نفسه إلى سريره، وضع صمته على الوسادة، نام سريعا، منذ زمن لم يخلد إلى النوم بتلك السرعة وذاك الهدوء ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق