الفصل الخامس من رواية فتنة كارنيليان
أنور الخطيب
ذلك المساء، غادرت كاترين سيارة زاهر باتجاه بيت صديقتها جين، ظل زاهر يرقبها، التفتت قبل أن تدخل البناية، لوحت له بابتسامة صافية، شعر زاهر بنغمة شوق على حركة شفتيها، لم يتوقف كثيرا، انطلق مسلما نفسه لشوارع أبوظبي.
يحلو لزاهر أحيانا أن يسلم نفسه للطريق، هو والمسافة توأمان، يمنحها نفسه برضا كامل. تقوده أحيانا إلى طريق دبي السريع، أو طريق مدينة العين الخضراء، لكنه يعود من منتصف المسافة، دون أن يعرف السبب.
تصيب زاهر تشنجات فكرية كثيرة، يشعر أنه في حاجة ماسة لمدى يشتت هواجسه، أو يلملمها، أو لصوت أعلى من صوته، فتراه يذهب لصالة الرقص، ( الديسكو) لفظة سيئة عند العرب، تعني الفلتان في الليل، والاحتكاك ببنات الهوى، رغم ذلك، يتوجه زاهر إلى تلك الضجة، ليتخلص من ضجته الخاصة، يذهب وحيدا، ببساطة، لأنه فشل في تكوين صداقات، يراها ناقصة في هذه المنطقة من العالم، يرى أن المصالح هي التي تحكم العلاقات، ثم أن جلسة رمزي، صديق طفولته باتت مملة، رمزي تغير، شكلته الصحراء وفق رمالها المتحركة، و ( صديقه ) المصري دائم الحديث عن مصر (أم الدنيا)، يرى زاهر أن مصر باتت ( مصرا ) أخرى بعد جمال عبد الناصر .
قادته المسافة ذلك المساء إلى منطقة الرأس الأخضر في أبو ظبي، منطقة هادئة مظلمة وتطل على البحر، لكن لا بحر في الليل. تذكر أمه المسنة وهو يقبع في تلك الوحشة السوداء، استيقظ الطفل المختبئ في قلبه، اتصل بها، سألها كما يفعل في كل مرة، عن صحتها وهمتها وأخواته وخالته والجيران وبعض الأصدقاء والطقس والطعام، حاول مداعبتها والضحك معها، ضحكة أم زاهر نادرة، طلب تبريكاتها ودعاءها ورضاها قبل أنهاء المكالمة، لكنها داهمته بسؤال لم يندهش له زاهر: هل أنت بخير؟
زاهر: بخير يا أمي، كل شيء على ما يرام، لم تسألين !!
أم زاهر: أشعر أنك في ضيق، رغم أنك تحاول أن تكون طبيعيا..
زاهر: لا شيء مهم على الأطلاق، عندما أزورك نتحدث، أقول لك كل شيء، كما أفعل في كل مرة، لكن جاءتني جدتي في المنام الليلة الماضية.
أم زاهر: الله يرحمها، خير، اللهم اجعله خيرا..
زاهر: كانت تحدثني عن جارتها اليهودية، وكانت حزينة جدا يا أمي..
أم زاهر: ماتت وهي توصي بدفنها في البلد.
زاهر: الله يرحمها، اهتمي بصحتك يا ست الكل..
أم زاهر: الله يهتم بنا جميعا، لا تتركني مشغولة يا ابني ..
زاهر: لا تنشغلي، عملي ممتاز وصحتي جيدة ..
أم زاهر: ألله يجعل أولاد الحلال في طريقك، أشعر أنك تخفي عني أمرا ما ..
زاهر: لا شيء، بصراحة، قابلت امرأة إنجليزية أمس..
أم زاهر: ألهذا السبب حلمت بجدتك، هل تعتقد أن المرأة يهودية.
أم زاهر: لم أفكر بالأمر يا أمي..
أم زاهر: أنت تمهد الطريق لتقول أنك تزوجتها، تمهل يا ابني، كل مصائبنا من الإنجليز..
زاهر: لا تقلقي يا أمي، لم أتزوجها بعد، لكنني حين كنت أتحدث إليها، تذكرتك وتذكرت أبي، والخيمة التي عشتما فيها قبل سبعة وخمسين عاما ..
أم زاهر: لعنهم الله، ولعن الأمريكان معهم ..
زاهر: المهم، صحتك أهم من كل شيء يا أمي، أهم من السياسة والإنجليز والأمريكان وكل العرب.
أم زاهر: ربنا هو الحافظ يا ابني ..
حين يزور زاهر أمه، يفكر مليا في صمتها، وبتأملها الدائم، لديه أمنية كبيرة أن يدخل إلى مخيلتها وعقلها وأحاسيسها ليتعرف على تفاصيل هواجسها ومشاعرها. زاهر يدرك بعض أسباب صمت أمه، رحيل الزوج، ثم الأخ، فالإبن الثالث في ترتيب أبنائها، والفاجعة الكبرى كانت مع الابن الأكبر، يتذكر زاهر ما حل بأمه حين نقل إليها خبر وفاته، شدت شعرها، بكت كالأطفال اليتامى، ناحت، ثم رفعت يديها إلى السماء وقالت: (سامحتك بكل من أخذت، ولا أسامحك بهذا)، وعادت للبكاء والنواح. ظلت أكثر من عام ترتدي ملابسها السوداء، ولم ير أحد ابتسامتها منذ ذلك اليوم.
يؤمن زاهر باستمرار صلة ما بين الأم وابنها حتى بعد قطع حبل الصرة، يجعل الأم تشعر بمرض ابنها وضيقه وهو على بعد آلاف الكيلومترات، شعرت أن ابنها الأكبر ليس على ما يرام، بل إنها في أحد الأيام بكته بحرقة، وكأنه على فراش الموت، وكان كذلك فعلا.
يزور زاهر أمه مرتين أو ثلاث مرات في العام، في كل مرة يكتشف زيادة في انكماشها، في تجاعيد وجهها، في رجفة خطوتها، تسكنه غصة حين يحتضنها ليودعها، لا تغادره حتى بعد مغادرة الطائرة الأرض، حيث ينشغل عادة بسر الطائر السحري، يسأل نفسه في كل مرة، كيف تطير الطائرة وهي تحمل كل هذه الأطنان؟ يزداد سؤاله دهشة وقت الهبوط، كيف تحافظ على توازنها وليس بينها وبين الأرض سوى سنتيمترات قليلة؟ لم يحاول زاهر البحث عن الإجابة، لم يسأل مهندس طيران، لم يقرأ في كتب عن الطائرات، كأنه يشعر بلذة في طرح تلك الأسئلة، كأنه يضفي أسطورية للإنسان وهو يحقق طموحه في الطيران.
لم تأت هذه التأملات من فراغ، كان طموح زاهر أن يصبح طيارا عسكريا، قبل أن تطأ قدمه جوف طائرة مدنية، قبل أن يعرف مكان المطار، قبل أن يتصور شكل الطائرة من الداخل، كان حلمه أن يحقق معجزة الطيران. يؤمن زاهر بأن لكل إنسان معجزة، يستطيع تحقيقها أو القيام بها أو تجسيدها في لحظة ما، أو في مكان ما.
فكرة العلو يحققها زاهر حين يمارس الحب، يحرص على تحقيق الإحساس بالارتفاع عن الأرض، التفوق على المادة، معجزة الخروج من الجسد، لمعانقة جوهر الحبيبة، يتحول إلى عاشق مخلوق من نار وماء. في لحظة خروج النار من جنسه، يكون جسده يهطل رذاذا، يكون رأسه قد فتح بوابة ليدخل في عالم خفيف تغرد فيه الروح ويتراقص فيه الجسد.
استدرجته الظلمة في منطقة (الرأس الأخضر) إلى أعماق روحه، حملته إلى أمه، أدخلته إلى كاترين، لم يخفق قلب زاهر لجاذبيتها وجمالها، ثمة أمر يحول دون ذلك، بإرادته أو رغما عنه، لو فعل لكانت كاترين ملكة من ملكات الفجر، لها حضور النجوم في كرة الكريستال السحرية. لم يسأل زاهر نفسه عن سبب غياب الخفقان ذاك، لم يزعجه، لم يعطه أهمية كبيرة، سقوط القلب أمر كسقوط نجم من السماء، كحدوث كسوف أو خسوف، ظاهرة يقيم لها زاهر احتفالات قد لا تتحملها امرأة. كاترين قادته إلى أميرة، امرأة لم تتخيل أن يقدسها عاشق، لم تحتمل أن تكون طفلته وامرأته وأمه وعشيقته وحبيبته وموضوع أشعاره، فاصطدم بالخيبة، التي تختلف عن الخيبة التي ربما تعيشها كاترين بينها وبين نفسها نتيجة غموض مشاعر زاهر، كما أوحت لـ جين ، إلا أن زاهر لا يشعر بالخيبة، لأنه لم يشعر بالفرحة حين تعرف عليها، لم تنتفخ رئتاه حين سمع صوتها، لم ترتسم في عينيه حقول نرجس حين شاهدها، لم ترقص العصافير على صدره حين جلس إليها، أما أميرة، فقد هطلت عليه كالسحر حين سمع صوتها في الهاتف، وحين شاهدها لأول مرة كاد أن يعانقها، لولا تداركها هي وليس هو، جلس إلى قربها في كافتيريا في دبي، كان الوقت صباحا، كان الدور الثاني من الكافتيريا فارغا، بعد نصف ساعة من اللقاء، مرر زاهر يده بجنون من تحت قميصها ليلامس ظهرها، لم يعرف كيف أتته الجرأة، لم يفهم لماذا لم تصده، شعر أنه يلامس ماء حياتها، كأنه صافحها من نخاعها الشوكي، وأميرة دخلت لحظات من الجنون لتلك الحركة التي لم تعرف لها تفسيرا، لم يكن فيها ما يشير إلى إغراء أو جنس أو رغبة. هللت روح زاهر، أدرك أن أميرة فهمت معنى حركته، زاهر لم يفهم حركته في البداية، انساق لها، إلا أنه في اللحظة التي لامست أصابعه ظهرها عرف لماذا نفذ أمر الصوت الذي جاءه من مكان ما من طاقته الموزعة على بقية أنحاء جسده، شعر أنه لمس روحها فارتعشت يده، اغرورقت عيناه بالدموع، وحين سألته أميرة عن سر كل ذلك الوجد، قال لها: ( لم أكن أعتقد بأن السماء يمكن أن تطرزك وفق ما أشتهي، وفق أحلام يقظتي، ووفق معاني قصيدتي.. )، فمررت أميرة أصابع كفيها في شعره الطويل، كأنها تباركه..
قضى زاهر قرابة يوم وليلة مع كاترين، لم يصب قلبه بتصدع، غادرته، أطلق العنان لعجلات سيارته، لم يشعر بشوق كبير لها، شعر أنه كان يقرأ رواية ذكية تجمع بين شخصيتين ذكيتين، أو كان يحضر فيلما سينمائيا أتقن مخرجه وكاتبه صناعة حديث سري داخلي بين رجل وامرأة، انتهى الفيلم ولم ينته الحوار، لا يزال يدور في رأس زاهر، وزاهر تحرك من مكانه، بدأ يدور بسيارته في منطقة الرأس الأخضر، في تلك اللحظة، رن هاتفه المحمول، كان صوت كاترين، بدا حزينا، تلك كانت المرة الأولى التي يسمع فيها صوت كاترين على الهاتف، وقد عرفت بنفسها، فقال لها: عرفتك...
-: أردت أن اشكرك بصدق على ذلك الوقت الممتع ..
- لا تشكريني كاترين، كانت ساعات رائعة، كيف هي صديقتك؟
- تخيل يا زاهر، ذهبت إلى سريرها لتنام وتركتني وحيدة ..
- يبدو أنها مرهقة من السفر ..
- نعم قالت ذلك، لكنها أفسدت علي متعة الساعات التي قضيتها معك ..
- يسعدني أن اسمع هذا الكلام، أعني متعة لقائنا..
- أحببت أن أشكرك وأن اسمع صوتك وأطمئن عليك، وبالتأكيد لن استطيع التحدث معك طويلا، ماذا بشأن الغد ؟
- يمكنني مقابلتك في المساء إذا أردت ..
- سأكون سعيدة، ولكن قد أصطحب جين معي ..
- لا بأس، هل تريدينني أن أحضر أحد الأصدقاء معي ؟
- لا بأس، سنؤكد ساعة ومكان اللقاء غدا ..
تمنى كل منهما ليلة سعيدة للآخر.
***
أقفلت كاترين السماعة، حفظ زاهر الرقم باسم كاترين، انطلق بسيارته ليجد نفسه خارج منطقة الرأس الأخضر، باتجاه فندق الإنتركنتننتال. انحدر يسارا نحو منطقة الخالدية، أجرى اتصالا بالحلاق، لم يكن في حاجة إلى قص شعره، أخبره الحلاق أن حظه يفلق الصخر، لأنه كان سيغلق الصالون.
وصل زاهر، نزل من سيارته بهدوء، كان الحلاق ماهر في استقباله خارج الصالون، مع ابتسامة هادئة، قاده مباشرة إلى كرسي الحلاقة، الحلاق ماهر لا يسأل زبونه عن كيفية قص شعره، يبدأ بالحديث معه وكأنه يعرفه منذ سنوات، يضع أمامه كوب شاي بالنعناع دون أن يسأله، يبلل شعره بالماء، يبدأ ممارسة هوايته في قص الشعر. ماهر يقصر شعر زبونه رغم طلبه بالإبقاء عليه طويلا. معظم زبائنه يهتدون إليه عن طريق أصدقاء، لهذا، هنالك دائما موضوع للحديث أثناء قص الشعر: ( كيف صديقك وما هي أخبار عائلته، وهل تحسّن ابنه ..) وفي الزيارة الثانية، يكون الزبون موضوع الحديث، بعد أن يكون قد جرجره ليتحدث في موضوعات كثيرة، بعضها يلامس مساحات خاصة.
يعتقد كثيرون بوجود سر يحيط كرسي الحلاقة، الزبون يتحدث بصراحة وصدق عجيبين حتى في الأمور الشخصية، يبدو أن ثمة سيطرة يمارسها الحلاق على الزبون دون أن يدري، أصحاب نظرية الطاقة ويفسرون هذا الأمر كالتالي: الحلاق قريب من دماغ الزبون، الحلاق ينظر دائما إلى رأس الزبون، يسرب إليه أحاسيس بالاسترخاء والتداعي، قد يجهل الحلاق هذا الأمر، إنما يمارسه بتلقائية، في معظم الأحوال، ثمة حالة غامضة من الاستسلام.
جلس زاهر مباشرة على الكرسي، كانت الزيارة الثانية للحلاق:
- كيف الأهل في لبنان ؟
- بخير، الحمد لله ..
- أعرف أنكم ممنوعون من العمل في لبنان، أما عندنا في سوريا، يمكنكم العمل والإقامة والمتاجرة بحرية تامة ..
- كلامك صحيح، معظمنا يغادر لبنان إما إلى الخليج أو الغرب، بريطانيا، كندا أو استراليا أو حتى إفريقيا.
- أنا رأيي إن اللبنانيين لا يفهمون، لديهم مشكلة مع أنفسهم، يا أخي، إنهم غير قادرين على حكم أنفسهم، دائما هناك من ينتمي للخارج..
- ليس دائما، على كل حال للبنان خصوصية، أهمها تعدد الطوائف..
- طبعا، اللبنانيون طائفيون..
- .......
- سمعت أنك ( تعمل ) قصائد ..
- قصدك أكتب الشعر ..
- يا عيني عليك، هذا قصدي..
- ولكن أنا أكتب روايات وقصصا أيضا، أو في الأصل أكتب قصصا وروايات..
- يعني تكتب قصص وروايات مثل الكاتب المصري نجيب محفوظ ؟
- تقريبا ..
- طيب، يا أخي اكتب عني ( بشي ) قصة ..
- ولا يهمك، سأكتب عنك وعن الصالون ..
- يا عيني عليك، لا تنسى ( إستاز)، اسم المحل زهرة حلب ..
- حاضر، اسم جميل .
- أنا مسافر آخر الشهر للشام، ما رأيك لو قصرت لك شعرك أكثر، حتى لا ( تتغلب) بغيابي!
- لا، أحب شعري طويلا، لقد قمت بواجبك وقصرته بالفعل ..
- ما رأيك ( أشيلك شعر مناخيرك )
- لا أرجوك، شكرا ..
تعمد زاهر أن يذهب إلى صالون الحلاقة، لينتقل إلى أجواء مختلفة وبسيطة، يتناسى لقاءه بكاترين، يعود إلى حياته الاعتيادية. يعترف زاهر في قرارة نفسه، أن كاترين رجّت حياته وليس قلبه، شعر بقيد ما حين استيقظ ووجد أن ثمة من يشاركه الإقامة في شقته، فخرج لشراء المناقيش. مسألة يتوقف عندها زاهر، غالبا ما يسأل نفسه، هل أدمن وحدته، هل تحولت إلى مرض؟ هل يشمل هذا حتى النساء، يمل منهن حتى لو كانت المرأة جميلة ورائعة ومتحدثة وجذابة، ويعلم أنه يستثني أميرة منهن جميعا، لكنه في المجمل العام، ينتظر زاهر في حياته أكثر من امرأة جذابة وجميلة ومثقفة، إحساسه بعدم الاستقرار في مكان، انعكس على علاقاته بالأمكنة والناس، لا شيء ثابتا، كل شيء مؤقت، الوظيفة، الأصدقاء، الأماكن، وحتى الحب. النساء يصيبهن الملل من الرجل غير المستقر، والمزاجي، زاهر يعيش كل ذلك، ربما رغما عنه.
في اللحظة التي خرج فيها من صالون الحلاقة، طرقت كاترين رأسه من جديد، فكر بضيقها وهي في ضيافة جين، بدأ يتخيل لقاءه بهما في اليوم التالي، يضع سيناريوهات لحوارات ممكنة، لن يستكين للصورة التي كونها عن جين عن طريق كاترين، تساءل: (من يدري، ربما سيناريو بينهما، ربما هما على خلاف في الطبائع، وإن كانتا على اتفاق في التاريخ).
كاترين خلقت فضولا في وعي زاهر لمقابلة جين دون أن تدري، أو ربما تدري، ذكرها أنها متعددة العلاقات رسالة واضحة لزاهر، امرأة لا توفر وسيلة تعود عليها بالمتعة، ولكن، هل اعتقدت كاترين أن زاهر يمكن أن يكون وسيلة متعة؟ أجاب في نفسه: ( لا أعتقد).
راودته الأفكار والسيناريوهات طيلة المسافة من صالون الحلاقة حتى وصل شقته. حين وضع مفتاحه في قفل الباب، تمنى زاهر أن يجد كاترين في انتظاره، لم يعرف السبب، كأنه يبحث عن شخصية مثل كاترين منذ سنوات، ليقول ما لم يقله في حياته، ليكتب ما لم يخطه قلمه من قبل. كأن كاترين حضرت لتجيب على أسئلة تعتقت في رأسه منذ الطفولة، ولكن لماذا كاترين؟ لم يستطع الإجابة ...
جلس زاهر مباشرة إلى طاولة الكمبيوتر، فتح بريده الإلكتروني، تذكر أنه لم يتبادل مع كاترين العناوين الإلكترونية، وجد رسالة من امرأة أسمت نفسها ( ليال) ، استخدمت اسما حركيا ( القبلة الخالدة )، كانت تناوشه شعريا، كان من الواضح أنها تعرفه حق المعرفة، لكنها اختارت تلك المشاكسات لتحرضه على الكتابة، واستجاب...
منذ أن بدأ زاهر يتحسس شعر إبطيه، كانت تراوده امرأة بلا تفاصيل، تهطل عليه مع الرذاذ، تقبله مع أول شعاع شمس، تحضنه في أوقات رعبه، يحضن يدها الناعمة كورقة وردة الجوري، ينطلق بين بساتين اللوز، يصوغ لها قلادة. كان يراها في أحلام يقظته، شارف على الأربعين، وهي في دهاليز خياله، كلما قابل فتاة اعتقد أنها هي، ثم حين يتلمس ما يربطها بالأرض يكتشف أنها ليست هي، حتى قابل امرأة سكنته كجنية، وسط فرح غامر، لكنها غادرته كجنية أيضا، وسط صراخ ممسوس.
( ليال )، تلك المرأة الإلكترونية، داعبت من جديد مخيلته، أضفى الغموض أبعادا لجهاتها، ما أدهشه تلك اللغة القريبة من لغته، ذاك الجنون القريب من جنونه، أعجب باستغاثاتها الحرفية، سحرته بنداءاته البلاغية، أسرته بصراخ أنوثتها، حتى بات ينتظر رسالتها الإلكترونية بفارغ الصبر، ليقرأ ما ينز منها، ويكتب من حممه، لكن الأمر لم يطل، خرجت في إحدى المرات على صفحات الدردرشة، أوقفها، دعاها للحوار، وحين تحول الشعر إلى كلام استيقظت الشكوك، استدرج انفعالها فعرفها، حينئذ، سقطت (ليال)، حاولت الفرار حين اكتشفها..
( ليال) عينان ليليتان مفعمتان بنداء أنثوي راجف، شفتان مكتنزتان بالرغبة، لغة مراوغة، روح ساخرة وذكية، أدركت بأنها أفسدت الحوار حين اعترفت، باحت له بنيتها للبعاد، بل إنها سألته: هل ما زلت تحب ( ليال)؟ هي تريد أن تكون (ليال)، ترفض أن تنزل من علياء الحروف والصور الشعرية إلى جسد الأنثى. ضحكت باستخفاف حين قال لها بأنه يعشق الاثنتين، لم يكن يعرف أن (ليال) تكتب الشعر بتلك اللغة الجهنمية المفتوحة على الإغواء، تلاشت الحوارات شيئا فشيئا، غابت (ليال)، لتطل تلك الليلة، بجملة واحدة (اشتقت لرسائلك)، يعني أنها لم تشتق له، كتب لها مقطعا شعريا، يحاور فيه ليال، وهذا ما أربكها من جديد.
زاهر لا يعرف أحيانا أي امرأة يريد، بعد اختفاء المرأة التي سكنته كالجنيات، وحقق فيها المرأة الحلم وتلاشت كالرماد، منذ ذلك الوقت، وزاهر يعاني فراغا عاطفيا شديد القسوة. لم يتوقع أن تأتي امرأة من قارة أخرى، من تاريخ آخر كان قد أفسد تاريخه، لترج حياته.
تذكر زاهر وهو يبحر في الشبكة العالمية للمعلومات، عشق كاترين للعقيق، خشي، وهو ينكر سبب خشيته، أن تكون قد سحرته بالعقيق. كتب كلمة عقيق على محرك بحث غوغل، ظهرت له صفحات كثيرة، تعرف على العقيق، نوع من الأحجار الكريمة، تتكون من الحمم البركانية على امتداد ملايين السنين، والعقيق من أهم الأحجار الكريمة التي يحلى بها الذهب، وتصنع منه العقود والسبح والتحف والأختام، وقطع الشطرنج وكرات البليارد والساعات وطفايات السجائر. أهم ما قرأه ما جاء في كتاب "مفاتيح الجنان"، لكاتبه الشيخ عباس قومي، يقول، قال محمد الباقر: ( من قام الليل حتى الفجر مرتديا خاتما من عقيق في يده اليمنى، قبل أن يرى، أو يُرى من أحد من الناس هذا النهار، ثم يلف الخاتم نحو كفه، وبينما يظل ناظرا إلى الحجر الكريم يقرأ سورة القدر من القرآن ويتبعها بدعاء، فإن رب الكون سيمنحه الحماية طيلة نهار هذا اليوم حتى المغرب، من شر ما يسقط من السماء أو ما يصعد إليها أو يختفي في الأرض أو يظهر منها). تصفح صفحات إلكترونية أخرى فعثر على صور لأحجار عقيق يتجلى فيها لفظ الجلالة ( ألله) وبخطوط مختلفة، بعضها ظهرت فيها صورة الكعبة الشريفة. أثار انتباه زاهر ما ذكره أحد المواقع، تلك الحجارة الكريمة تعود إلى ما قبل 30 مليون سنة. تحدثت صفحات أخرى عن كيفية جلب العقيق للرزق والحظ والسعادة ودفع الأمراض، والأكثر من ذلك، أن الجن يسكن العقيق.
أقفل زاهر المواقع كلها وهو يتأفف من المعلومات، خاصة تلك التي تدور حول سكان العقيق، شعر أنه يدخل في دائرة الشعوذة والخرافات.
اقتربت الساعة من الواحدة بعد منتصف الليل، ألقى زاهر رأسه على سريره البارد، تأمل ما حدث له طيلة اليومين الماضيين، التفت إلى المكان الذي تمددت عليه كاترين، فوجئ وهو يستسلم لسلطان النوم، كيف أن أثر كاترين لم يؤرقه، وغط في نوم عميق....
ذلك المساء، غادرت كاترين سيارة زاهر باتجاه بيت صديقتها جين، ظل زاهر يرقبها، التفتت قبل أن تدخل البناية، لوحت له بابتسامة صافية، شعر زاهر بنغمة شوق على حركة شفتيها، لم يتوقف كثيرا، انطلق مسلما نفسه لشوارع أبوظبي.
يحلو لزاهر أحيانا أن يسلم نفسه للطريق، هو والمسافة توأمان، يمنحها نفسه برضا كامل. تقوده أحيانا إلى طريق دبي السريع، أو طريق مدينة العين الخضراء، لكنه يعود من منتصف المسافة، دون أن يعرف السبب.
تصيب زاهر تشنجات فكرية كثيرة، يشعر أنه في حاجة ماسة لمدى يشتت هواجسه، أو يلملمها، أو لصوت أعلى من صوته، فتراه يذهب لصالة الرقص، ( الديسكو) لفظة سيئة عند العرب، تعني الفلتان في الليل، والاحتكاك ببنات الهوى، رغم ذلك، يتوجه زاهر إلى تلك الضجة، ليتخلص من ضجته الخاصة، يذهب وحيدا، ببساطة، لأنه فشل في تكوين صداقات، يراها ناقصة في هذه المنطقة من العالم، يرى أن المصالح هي التي تحكم العلاقات، ثم أن جلسة رمزي، صديق طفولته باتت مملة، رمزي تغير، شكلته الصحراء وفق رمالها المتحركة، و ( صديقه ) المصري دائم الحديث عن مصر (أم الدنيا)، يرى زاهر أن مصر باتت ( مصرا ) أخرى بعد جمال عبد الناصر .
قادته المسافة ذلك المساء إلى منطقة الرأس الأخضر في أبو ظبي، منطقة هادئة مظلمة وتطل على البحر، لكن لا بحر في الليل. تذكر أمه المسنة وهو يقبع في تلك الوحشة السوداء، استيقظ الطفل المختبئ في قلبه، اتصل بها، سألها كما يفعل في كل مرة، عن صحتها وهمتها وأخواته وخالته والجيران وبعض الأصدقاء والطقس والطعام، حاول مداعبتها والضحك معها، ضحكة أم زاهر نادرة، طلب تبريكاتها ودعاءها ورضاها قبل أنهاء المكالمة، لكنها داهمته بسؤال لم يندهش له زاهر: هل أنت بخير؟
زاهر: بخير يا أمي، كل شيء على ما يرام، لم تسألين !!
أم زاهر: أشعر أنك في ضيق، رغم أنك تحاول أن تكون طبيعيا..
زاهر: لا شيء مهم على الأطلاق، عندما أزورك نتحدث، أقول لك كل شيء، كما أفعل في كل مرة، لكن جاءتني جدتي في المنام الليلة الماضية.
أم زاهر: الله يرحمها، خير، اللهم اجعله خيرا..
زاهر: كانت تحدثني عن جارتها اليهودية، وكانت حزينة جدا يا أمي..
أم زاهر: ماتت وهي توصي بدفنها في البلد.
زاهر: الله يرحمها، اهتمي بصحتك يا ست الكل..
أم زاهر: الله يهتم بنا جميعا، لا تتركني مشغولة يا ابني ..
زاهر: لا تنشغلي، عملي ممتاز وصحتي جيدة ..
أم زاهر: ألله يجعل أولاد الحلال في طريقك، أشعر أنك تخفي عني أمرا ما ..
زاهر: لا شيء، بصراحة، قابلت امرأة إنجليزية أمس..
أم زاهر: ألهذا السبب حلمت بجدتك، هل تعتقد أن المرأة يهودية.
أم زاهر: لم أفكر بالأمر يا أمي..
أم زاهر: أنت تمهد الطريق لتقول أنك تزوجتها، تمهل يا ابني، كل مصائبنا من الإنجليز..
زاهر: لا تقلقي يا أمي، لم أتزوجها بعد، لكنني حين كنت أتحدث إليها، تذكرتك وتذكرت أبي، والخيمة التي عشتما فيها قبل سبعة وخمسين عاما ..
أم زاهر: لعنهم الله، ولعن الأمريكان معهم ..
زاهر: المهم، صحتك أهم من كل شيء يا أمي، أهم من السياسة والإنجليز والأمريكان وكل العرب.
أم زاهر: ربنا هو الحافظ يا ابني ..
حين يزور زاهر أمه، يفكر مليا في صمتها، وبتأملها الدائم، لديه أمنية كبيرة أن يدخل إلى مخيلتها وعقلها وأحاسيسها ليتعرف على تفاصيل هواجسها ومشاعرها. زاهر يدرك بعض أسباب صمت أمه، رحيل الزوج، ثم الأخ، فالإبن الثالث في ترتيب أبنائها، والفاجعة الكبرى كانت مع الابن الأكبر، يتذكر زاهر ما حل بأمه حين نقل إليها خبر وفاته، شدت شعرها، بكت كالأطفال اليتامى، ناحت، ثم رفعت يديها إلى السماء وقالت: (سامحتك بكل من أخذت، ولا أسامحك بهذا)، وعادت للبكاء والنواح. ظلت أكثر من عام ترتدي ملابسها السوداء، ولم ير أحد ابتسامتها منذ ذلك اليوم.
يؤمن زاهر باستمرار صلة ما بين الأم وابنها حتى بعد قطع حبل الصرة، يجعل الأم تشعر بمرض ابنها وضيقه وهو على بعد آلاف الكيلومترات، شعرت أن ابنها الأكبر ليس على ما يرام، بل إنها في أحد الأيام بكته بحرقة، وكأنه على فراش الموت، وكان كذلك فعلا.
يزور زاهر أمه مرتين أو ثلاث مرات في العام، في كل مرة يكتشف زيادة في انكماشها، في تجاعيد وجهها، في رجفة خطوتها، تسكنه غصة حين يحتضنها ليودعها، لا تغادره حتى بعد مغادرة الطائرة الأرض، حيث ينشغل عادة بسر الطائر السحري، يسأل نفسه في كل مرة، كيف تطير الطائرة وهي تحمل كل هذه الأطنان؟ يزداد سؤاله دهشة وقت الهبوط، كيف تحافظ على توازنها وليس بينها وبين الأرض سوى سنتيمترات قليلة؟ لم يحاول زاهر البحث عن الإجابة، لم يسأل مهندس طيران، لم يقرأ في كتب عن الطائرات، كأنه يشعر بلذة في طرح تلك الأسئلة، كأنه يضفي أسطورية للإنسان وهو يحقق طموحه في الطيران.
لم تأت هذه التأملات من فراغ، كان طموح زاهر أن يصبح طيارا عسكريا، قبل أن تطأ قدمه جوف طائرة مدنية، قبل أن يعرف مكان المطار، قبل أن يتصور شكل الطائرة من الداخل، كان حلمه أن يحقق معجزة الطيران. يؤمن زاهر بأن لكل إنسان معجزة، يستطيع تحقيقها أو القيام بها أو تجسيدها في لحظة ما، أو في مكان ما.
فكرة العلو يحققها زاهر حين يمارس الحب، يحرص على تحقيق الإحساس بالارتفاع عن الأرض، التفوق على المادة، معجزة الخروج من الجسد، لمعانقة جوهر الحبيبة، يتحول إلى عاشق مخلوق من نار وماء. في لحظة خروج النار من جنسه، يكون جسده يهطل رذاذا، يكون رأسه قد فتح بوابة ليدخل في عالم خفيف تغرد فيه الروح ويتراقص فيه الجسد.
استدرجته الظلمة في منطقة (الرأس الأخضر) إلى أعماق روحه، حملته إلى أمه، أدخلته إلى كاترين، لم يخفق قلب زاهر لجاذبيتها وجمالها، ثمة أمر يحول دون ذلك، بإرادته أو رغما عنه، لو فعل لكانت كاترين ملكة من ملكات الفجر، لها حضور النجوم في كرة الكريستال السحرية. لم يسأل زاهر نفسه عن سبب غياب الخفقان ذاك، لم يزعجه، لم يعطه أهمية كبيرة، سقوط القلب أمر كسقوط نجم من السماء، كحدوث كسوف أو خسوف، ظاهرة يقيم لها زاهر احتفالات قد لا تتحملها امرأة. كاترين قادته إلى أميرة، امرأة لم تتخيل أن يقدسها عاشق، لم تحتمل أن تكون طفلته وامرأته وأمه وعشيقته وحبيبته وموضوع أشعاره، فاصطدم بالخيبة، التي تختلف عن الخيبة التي ربما تعيشها كاترين بينها وبين نفسها نتيجة غموض مشاعر زاهر، كما أوحت لـ جين ، إلا أن زاهر لا يشعر بالخيبة، لأنه لم يشعر بالفرحة حين تعرف عليها، لم تنتفخ رئتاه حين سمع صوتها، لم ترتسم في عينيه حقول نرجس حين شاهدها، لم ترقص العصافير على صدره حين جلس إليها، أما أميرة، فقد هطلت عليه كالسحر حين سمع صوتها في الهاتف، وحين شاهدها لأول مرة كاد أن يعانقها، لولا تداركها هي وليس هو، جلس إلى قربها في كافتيريا في دبي، كان الوقت صباحا، كان الدور الثاني من الكافتيريا فارغا، بعد نصف ساعة من اللقاء، مرر زاهر يده بجنون من تحت قميصها ليلامس ظهرها، لم يعرف كيف أتته الجرأة، لم يفهم لماذا لم تصده، شعر أنه يلامس ماء حياتها، كأنه صافحها من نخاعها الشوكي، وأميرة دخلت لحظات من الجنون لتلك الحركة التي لم تعرف لها تفسيرا، لم يكن فيها ما يشير إلى إغراء أو جنس أو رغبة. هللت روح زاهر، أدرك أن أميرة فهمت معنى حركته، زاهر لم يفهم حركته في البداية، انساق لها، إلا أنه في اللحظة التي لامست أصابعه ظهرها عرف لماذا نفذ أمر الصوت الذي جاءه من مكان ما من طاقته الموزعة على بقية أنحاء جسده، شعر أنه لمس روحها فارتعشت يده، اغرورقت عيناه بالدموع، وحين سألته أميرة عن سر كل ذلك الوجد، قال لها: ( لم أكن أعتقد بأن السماء يمكن أن تطرزك وفق ما أشتهي، وفق أحلام يقظتي، ووفق معاني قصيدتي.. )، فمررت أميرة أصابع كفيها في شعره الطويل، كأنها تباركه..
قضى زاهر قرابة يوم وليلة مع كاترين، لم يصب قلبه بتصدع، غادرته، أطلق العنان لعجلات سيارته، لم يشعر بشوق كبير لها، شعر أنه كان يقرأ رواية ذكية تجمع بين شخصيتين ذكيتين، أو كان يحضر فيلما سينمائيا أتقن مخرجه وكاتبه صناعة حديث سري داخلي بين رجل وامرأة، انتهى الفيلم ولم ينته الحوار، لا يزال يدور في رأس زاهر، وزاهر تحرك من مكانه، بدأ يدور بسيارته في منطقة الرأس الأخضر، في تلك اللحظة، رن هاتفه المحمول، كان صوت كاترين، بدا حزينا، تلك كانت المرة الأولى التي يسمع فيها صوت كاترين على الهاتف، وقد عرفت بنفسها، فقال لها: عرفتك...
-: أردت أن اشكرك بصدق على ذلك الوقت الممتع ..
- لا تشكريني كاترين، كانت ساعات رائعة، كيف هي صديقتك؟
- تخيل يا زاهر، ذهبت إلى سريرها لتنام وتركتني وحيدة ..
- يبدو أنها مرهقة من السفر ..
- نعم قالت ذلك، لكنها أفسدت علي متعة الساعات التي قضيتها معك ..
- يسعدني أن اسمع هذا الكلام، أعني متعة لقائنا..
- أحببت أن أشكرك وأن اسمع صوتك وأطمئن عليك، وبالتأكيد لن استطيع التحدث معك طويلا، ماذا بشأن الغد ؟
- يمكنني مقابلتك في المساء إذا أردت ..
- سأكون سعيدة، ولكن قد أصطحب جين معي ..
- لا بأس، هل تريدينني أن أحضر أحد الأصدقاء معي ؟
- لا بأس، سنؤكد ساعة ومكان اللقاء غدا ..
تمنى كل منهما ليلة سعيدة للآخر.
***
أقفلت كاترين السماعة، حفظ زاهر الرقم باسم كاترين، انطلق بسيارته ليجد نفسه خارج منطقة الرأس الأخضر، باتجاه فندق الإنتركنتننتال. انحدر يسارا نحو منطقة الخالدية، أجرى اتصالا بالحلاق، لم يكن في حاجة إلى قص شعره، أخبره الحلاق أن حظه يفلق الصخر، لأنه كان سيغلق الصالون.
وصل زاهر، نزل من سيارته بهدوء، كان الحلاق ماهر في استقباله خارج الصالون، مع ابتسامة هادئة، قاده مباشرة إلى كرسي الحلاقة، الحلاق ماهر لا يسأل زبونه عن كيفية قص شعره، يبدأ بالحديث معه وكأنه يعرفه منذ سنوات، يضع أمامه كوب شاي بالنعناع دون أن يسأله، يبلل شعره بالماء، يبدأ ممارسة هوايته في قص الشعر. ماهر يقصر شعر زبونه رغم طلبه بالإبقاء عليه طويلا. معظم زبائنه يهتدون إليه عن طريق أصدقاء، لهذا، هنالك دائما موضوع للحديث أثناء قص الشعر: ( كيف صديقك وما هي أخبار عائلته، وهل تحسّن ابنه ..) وفي الزيارة الثانية، يكون الزبون موضوع الحديث، بعد أن يكون قد جرجره ليتحدث في موضوعات كثيرة، بعضها يلامس مساحات خاصة.
يعتقد كثيرون بوجود سر يحيط كرسي الحلاقة، الزبون يتحدث بصراحة وصدق عجيبين حتى في الأمور الشخصية، يبدو أن ثمة سيطرة يمارسها الحلاق على الزبون دون أن يدري، أصحاب نظرية الطاقة ويفسرون هذا الأمر كالتالي: الحلاق قريب من دماغ الزبون، الحلاق ينظر دائما إلى رأس الزبون، يسرب إليه أحاسيس بالاسترخاء والتداعي، قد يجهل الحلاق هذا الأمر، إنما يمارسه بتلقائية، في معظم الأحوال، ثمة حالة غامضة من الاستسلام.
جلس زاهر مباشرة على الكرسي، كانت الزيارة الثانية للحلاق:
- كيف الأهل في لبنان ؟
- بخير، الحمد لله ..
- أعرف أنكم ممنوعون من العمل في لبنان، أما عندنا في سوريا، يمكنكم العمل والإقامة والمتاجرة بحرية تامة ..
- كلامك صحيح، معظمنا يغادر لبنان إما إلى الخليج أو الغرب، بريطانيا، كندا أو استراليا أو حتى إفريقيا.
- أنا رأيي إن اللبنانيين لا يفهمون، لديهم مشكلة مع أنفسهم، يا أخي، إنهم غير قادرين على حكم أنفسهم، دائما هناك من ينتمي للخارج..
- ليس دائما، على كل حال للبنان خصوصية، أهمها تعدد الطوائف..
- طبعا، اللبنانيون طائفيون..
- .......
- سمعت أنك ( تعمل ) قصائد ..
- قصدك أكتب الشعر ..
- يا عيني عليك، هذا قصدي..
- ولكن أنا أكتب روايات وقصصا أيضا، أو في الأصل أكتب قصصا وروايات..
- يعني تكتب قصص وروايات مثل الكاتب المصري نجيب محفوظ ؟
- تقريبا ..
- طيب، يا أخي اكتب عني ( بشي ) قصة ..
- ولا يهمك، سأكتب عنك وعن الصالون ..
- يا عيني عليك، لا تنسى ( إستاز)، اسم المحل زهرة حلب ..
- حاضر، اسم جميل .
- أنا مسافر آخر الشهر للشام، ما رأيك لو قصرت لك شعرك أكثر، حتى لا ( تتغلب) بغيابي!
- لا، أحب شعري طويلا، لقد قمت بواجبك وقصرته بالفعل ..
- ما رأيك ( أشيلك شعر مناخيرك )
- لا أرجوك، شكرا ..
تعمد زاهر أن يذهب إلى صالون الحلاقة، لينتقل إلى أجواء مختلفة وبسيطة، يتناسى لقاءه بكاترين، يعود إلى حياته الاعتيادية. يعترف زاهر في قرارة نفسه، أن كاترين رجّت حياته وليس قلبه، شعر بقيد ما حين استيقظ ووجد أن ثمة من يشاركه الإقامة في شقته، فخرج لشراء المناقيش. مسألة يتوقف عندها زاهر، غالبا ما يسأل نفسه، هل أدمن وحدته، هل تحولت إلى مرض؟ هل يشمل هذا حتى النساء، يمل منهن حتى لو كانت المرأة جميلة ورائعة ومتحدثة وجذابة، ويعلم أنه يستثني أميرة منهن جميعا، لكنه في المجمل العام، ينتظر زاهر في حياته أكثر من امرأة جذابة وجميلة ومثقفة، إحساسه بعدم الاستقرار في مكان، انعكس على علاقاته بالأمكنة والناس، لا شيء ثابتا، كل شيء مؤقت، الوظيفة، الأصدقاء، الأماكن، وحتى الحب. النساء يصيبهن الملل من الرجل غير المستقر، والمزاجي، زاهر يعيش كل ذلك، ربما رغما عنه.
في اللحظة التي خرج فيها من صالون الحلاقة، طرقت كاترين رأسه من جديد، فكر بضيقها وهي في ضيافة جين، بدأ يتخيل لقاءه بهما في اليوم التالي، يضع سيناريوهات لحوارات ممكنة، لن يستكين للصورة التي كونها عن جين عن طريق كاترين، تساءل: (من يدري، ربما سيناريو بينهما، ربما هما على خلاف في الطبائع، وإن كانتا على اتفاق في التاريخ).
كاترين خلقت فضولا في وعي زاهر لمقابلة جين دون أن تدري، أو ربما تدري، ذكرها أنها متعددة العلاقات رسالة واضحة لزاهر، امرأة لا توفر وسيلة تعود عليها بالمتعة، ولكن، هل اعتقدت كاترين أن زاهر يمكن أن يكون وسيلة متعة؟ أجاب في نفسه: ( لا أعتقد).
راودته الأفكار والسيناريوهات طيلة المسافة من صالون الحلاقة حتى وصل شقته. حين وضع مفتاحه في قفل الباب، تمنى زاهر أن يجد كاترين في انتظاره، لم يعرف السبب، كأنه يبحث عن شخصية مثل كاترين منذ سنوات، ليقول ما لم يقله في حياته، ليكتب ما لم يخطه قلمه من قبل. كأن كاترين حضرت لتجيب على أسئلة تعتقت في رأسه منذ الطفولة، ولكن لماذا كاترين؟ لم يستطع الإجابة ...
جلس زاهر مباشرة إلى طاولة الكمبيوتر، فتح بريده الإلكتروني، تذكر أنه لم يتبادل مع كاترين العناوين الإلكترونية، وجد رسالة من امرأة أسمت نفسها ( ليال) ، استخدمت اسما حركيا ( القبلة الخالدة )، كانت تناوشه شعريا، كان من الواضح أنها تعرفه حق المعرفة، لكنها اختارت تلك المشاكسات لتحرضه على الكتابة، واستجاب...
منذ أن بدأ زاهر يتحسس شعر إبطيه، كانت تراوده امرأة بلا تفاصيل، تهطل عليه مع الرذاذ، تقبله مع أول شعاع شمس، تحضنه في أوقات رعبه، يحضن يدها الناعمة كورقة وردة الجوري، ينطلق بين بساتين اللوز، يصوغ لها قلادة. كان يراها في أحلام يقظته، شارف على الأربعين، وهي في دهاليز خياله، كلما قابل فتاة اعتقد أنها هي، ثم حين يتلمس ما يربطها بالأرض يكتشف أنها ليست هي، حتى قابل امرأة سكنته كجنية، وسط فرح غامر، لكنها غادرته كجنية أيضا، وسط صراخ ممسوس.
( ليال )، تلك المرأة الإلكترونية، داعبت من جديد مخيلته، أضفى الغموض أبعادا لجهاتها، ما أدهشه تلك اللغة القريبة من لغته، ذاك الجنون القريب من جنونه، أعجب باستغاثاتها الحرفية، سحرته بنداءاته البلاغية، أسرته بصراخ أنوثتها، حتى بات ينتظر رسالتها الإلكترونية بفارغ الصبر، ليقرأ ما ينز منها، ويكتب من حممه، لكن الأمر لم يطل، خرجت في إحدى المرات على صفحات الدردرشة، أوقفها، دعاها للحوار، وحين تحول الشعر إلى كلام استيقظت الشكوك، استدرج انفعالها فعرفها، حينئذ، سقطت (ليال)، حاولت الفرار حين اكتشفها..
( ليال) عينان ليليتان مفعمتان بنداء أنثوي راجف، شفتان مكتنزتان بالرغبة، لغة مراوغة، روح ساخرة وذكية، أدركت بأنها أفسدت الحوار حين اعترفت، باحت له بنيتها للبعاد، بل إنها سألته: هل ما زلت تحب ( ليال)؟ هي تريد أن تكون (ليال)، ترفض أن تنزل من علياء الحروف والصور الشعرية إلى جسد الأنثى. ضحكت باستخفاف حين قال لها بأنه يعشق الاثنتين، لم يكن يعرف أن (ليال) تكتب الشعر بتلك اللغة الجهنمية المفتوحة على الإغواء، تلاشت الحوارات شيئا فشيئا، غابت (ليال)، لتطل تلك الليلة، بجملة واحدة (اشتقت لرسائلك)، يعني أنها لم تشتق له، كتب لها مقطعا شعريا، يحاور فيه ليال، وهذا ما أربكها من جديد.
زاهر لا يعرف أحيانا أي امرأة يريد، بعد اختفاء المرأة التي سكنته كالجنيات، وحقق فيها المرأة الحلم وتلاشت كالرماد، منذ ذلك الوقت، وزاهر يعاني فراغا عاطفيا شديد القسوة. لم يتوقع أن تأتي امرأة من قارة أخرى، من تاريخ آخر كان قد أفسد تاريخه، لترج حياته.
تذكر زاهر وهو يبحر في الشبكة العالمية للمعلومات، عشق كاترين للعقيق، خشي، وهو ينكر سبب خشيته، أن تكون قد سحرته بالعقيق. كتب كلمة عقيق على محرك بحث غوغل، ظهرت له صفحات كثيرة، تعرف على العقيق، نوع من الأحجار الكريمة، تتكون من الحمم البركانية على امتداد ملايين السنين، والعقيق من أهم الأحجار الكريمة التي يحلى بها الذهب، وتصنع منه العقود والسبح والتحف والأختام، وقطع الشطرنج وكرات البليارد والساعات وطفايات السجائر. أهم ما قرأه ما جاء في كتاب "مفاتيح الجنان"، لكاتبه الشيخ عباس قومي، يقول، قال محمد الباقر: ( من قام الليل حتى الفجر مرتديا خاتما من عقيق في يده اليمنى، قبل أن يرى، أو يُرى من أحد من الناس هذا النهار، ثم يلف الخاتم نحو كفه، وبينما يظل ناظرا إلى الحجر الكريم يقرأ سورة القدر من القرآن ويتبعها بدعاء، فإن رب الكون سيمنحه الحماية طيلة نهار هذا اليوم حتى المغرب، من شر ما يسقط من السماء أو ما يصعد إليها أو يختفي في الأرض أو يظهر منها). تصفح صفحات إلكترونية أخرى فعثر على صور لأحجار عقيق يتجلى فيها لفظ الجلالة ( ألله) وبخطوط مختلفة، بعضها ظهرت فيها صورة الكعبة الشريفة. أثار انتباه زاهر ما ذكره أحد المواقع، تلك الحجارة الكريمة تعود إلى ما قبل 30 مليون سنة. تحدثت صفحات أخرى عن كيفية جلب العقيق للرزق والحظ والسعادة ودفع الأمراض، والأكثر من ذلك، أن الجن يسكن العقيق.
أقفل زاهر المواقع كلها وهو يتأفف من المعلومات، خاصة تلك التي تدور حول سكان العقيق، شعر أنه يدخل في دائرة الشعوذة والخرافات.
اقتربت الساعة من الواحدة بعد منتصف الليل، ألقى زاهر رأسه على سريره البارد، تأمل ما حدث له طيلة اليومين الماضيين، التفت إلى المكان الذي تمددت عليه كاترين، فوجئ وهو يستسلم لسلطان النوم، كيف أن أثر كاترين لم يؤرقه، وغط في نوم عميق....
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق