الأربعاء، 16 يونيو 2010

الفصل الثاني من رواية فتنة كارنيليان

الفصل الثاني من رواية فتنة كارنيليان
- لماذا يسير مرشدي السياحي صامتا؟
اكتشف الصمت حين سألته، كان يحس بالإلفة إلى جوارها، قال لها: ما يحدث هنا يحدث في أي مركز تسوق في أي بلد غربي، خاصة خلال فصل الصيف، ألم يلفت انتباهك عشرات الجنسيات التي ترتاد المطاعم ومراكز التسوق والحدائق في لندن، خلال فصل الصيف على سبيل المثال؟ ألم تشاهدي النساء اللواتي يرتدين هذه العباءات السوداء، والرجال الذين يرتدون الدشاديش والحطات والعقل.. !!
- نعم شاهدت، لكنني شاهدت أيضا نساء عربيات يرتدين الجينزات والبلوزات القصيرة، وأحيانا السراويل القصيرة، بل رأيت بعضهن على الشواطئ وفي المسابح بالبكيني، و قابلت شبابا يرتدون ملابس عصرية، كنت أظنهم من جنسيات إفريقية، خاصة الذين يحملون اللون الأسمر أو الأسود، يرتدون بلوزات واسعة وسراويل أوسع، وقبعات إلى الخلف، يدخنون ويذهبون إلى النوادي الليلية، رأيت كل شيء، لكن ما ألاحظه هو أن نسبة أعدادهم في بريطانيا أو في مراكز التسوق في أمريكا، تساوي نسبتهم هنا، فهل لديهم أماكن تسوق خاصة بهم؟
- لا، لا توجد أماكن تسوق خاصة بهم، ولا مطاعم أو كافتيريات، كما كان يحدث في زمن التمييز العنصري في أمريكا أو بريطانيا، لكن عدد المواطنين أقل من عدد غير المواطنين...
- ولماذا لا تفعل الحكومة مثل أستراليا مثلا، تقوم بتجنيس الناس الذين يستوفون الشروط لزيادة أعدادهم..؟
- كاترين، هذا موضوع نناقشه لاحقا إذا سمحت، هل لفت انتباهك شيء في مركز التسوق؟ هل ترغبين في زيارة محل المجوهرات مرة أخرى ..!!
- سأزوره لاحقا لأشتري عقد الكارنيليان، ربما غدا، عندما تعود صديقتي من دبي..
- أود أن ألقي نظرة لأتعرف على ذوقك على الأقل، معرفتي بالأحجار الكريمة متواضعة...
توقفت كاترين عن السير، وقالت: توقف عن استخدام ذكاءك معي..
كتب زاهر في دفتر مذكراته غير اليومية في ما بعد:
(( لا أعتقد بأنني تعمدت استخدام ذكائي مع كاترين ذلك المساء، لا أعتقد بأنني استخدمت ذكائي عامدا متعمدا مرة واحدة في حياتي، ربما غباء مني، لكنني أشعر بالراحة وأنا أمارس تلقائيتي، أحيانا أشعر بأن استخدام الذكاء هو نوع من اللؤم، يعني: تخطيط ووضع أهداف للوصول إلى غاية، لم يكن لي غاية في كاترين في تلك المرحلة، سوى فتح حديث معها، والتعرف عن قرب على كيفية تفكير الإعلاميين والمثقفين في الغرب، بدأت أفكر بكلام كاترين: لماذا قالت لي بأن أتوقف عن استخدام ذكائي، ربما ظنت بأنني سأشتري لها العقد، تكون واهمة إن ظنت، على الأقل في هذه الفترة، أو اعتقدت بأنني أريد أن أورطها في موقف مؤسف متكرر، كأن تنظر إلى العقد وتتحسر، هل تعتقد أنني سادي، كوني تعرضت للاضطهاد، حسب النظريات النفسية.. ))
زاهر يعرف تماما مكان محل الأحجار الكريمة، إنه إلى جانب السلم الكهربائي، يقع على زاوية حادة، مقابل محل يبيع ملابس داخلية للنساء، ملابس غريبة جدا، لكنها ليست جذابة، بدأ يسير وفق خطة أوصلتهما إلى المحل، وفجأة، التفتت كاترين نحوه لتقول بابتسامة من أكل مقلبا: لقد فعلتها.
- حين اكتشفتِ أنك لا تحملين النقود، خرجت من المحل بحثا عن صديقتك، لم تتفرجي كفاية على المحل، ربما يعجبك عقد آخر أو أقراط أخرى مثلا، فلا تضيعي وقتك غدا حين تعودين.. أعرف قيمة الوقت لديكم.. هل أخطأت، يمكننا الاستمرار إن شئت دون الدخول إلى المحل..
شدت على يده بود وتلقائية وألفة، دخلت المحل، وقفت مباشرة أمام عقد الكارنيليان، بدأت تتغنى بجماله وسحره وتصميمه. وافقها الرأي على أنه جميل وتساءل عن سبب تعلقها بالعقيق، الكارنيليان بالذات، وعدته بالإسهاب في الحديث حول العقيق، ونوعها المفضل، لكنها همست في أذنه، بل شعرها تهمس في رقبته، معلقة على أن معظم المتسوقات غير عربيات، تجاهل تعليقها للحظات كان يستمتع خلالها بأنفاسها الساخنة، ورائحة عطرها، أعاد الهمسة بأن العربيات يتواجدن في محلات الذهب والعطور ..
قالت وكأنها تشعر بقشعريرة: هن على حق ..
التزم الصمت، بدأت تتفرج على المعروضات، زاهر لا يحب الذهب، يشعر بأن هذه الأحجار الكريمة تمنح المرأة بعدا أسطوريا، تزيدها سحرا، لكن المرأة العربية تفكر كثيرا في المستقبل، إنها وهي تشتري الذهب تمارس عملية الادخار، وهذا غير موجود لدى الأوربيات والأمريكيات، ربما لأن أسعار الذهب هناك مرتفعة جدا، وإن المرأة تعودت على البساطة، وتريد من يومها أكثر مما تريد من غدها، أو أنها ترى البريق في داخلها وليس حول جيدها ومعصميها، ورغم هذا سأل كاترين وهما يغادران المحل: هل تحبين الذهب؟ لم يدهش حين قالت بحسم: ألست امرأة ؟
جوابها لم يربكه، سألها: أعني هل يمكن أن تدفعي مبلغا كبيرا لشرائه؟
- لست مضطرة ولا يشكل أولوية، أن أتعرف على بلد لم أزره سابقا، أهم عندي من شراء الذهب، طبعا، وكما أرى، النساء هنا يعشقن الذهب والمجوهرات، كل امرأة تلف ثروة حول عنقها ومعصميها وأصابعها، يبدو أنها تشعر بالأمان لترتدي كل هذا الذهب، وتمشي في مركز تسوق أو في الشارع، هل تدري، المرأة عندنا لا تجرؤ على هذا، قد تتعرض في أي لحظة لعملية ابتزاز أو سرقة أو تهديد..
- الأمان موجود، والقناعة أيضا، أحيانا أنسى شباك سيارتي مفتوحا وحقيبة عملي بداخلها، وفي الصباح أجدها كما هي..
- معقول .. ؟؟
- نعم معقول، ولكن لدينا سرقات من نوع خاص ..
انتظرت كاترين أن يقدم لها أمثلة، لكنهما كانا على مقربة من مدخل مركز المارينا، وانشغل بالنظر إلى الساعة، كانت العاشرة ليلا..
اعتقدت كاترين أنها عطلت موعدا أو أخرت عودته إلى المنزل، لكنه فاجأها بدعوتها للعشاء: أنت لم تطلبي الكلوب ساندويش وسلطة الروبيان والغاتو والعصير ونحن في المقهى، ما رأيك ؟
- إلى اين ستأخذني ..؟
- ماذا تشتهين؟ لا تقولي همبرغر وهوت دوغ وبيتزا وغيره.. جربي شيئا آخر..
- يقال بأن المشاوي لذيذة هنا ..
- وهي كذلك، هل استطيع اختيار المكان؟
- أرجوك افعل ..
كانت الحرارة داخل المارينا حوالي 23 درجة، وحين خرجا لفحتهما الرطوبة، كرمشت كاترين مستنكرة الفرق، وقالت: لا شك سأمرض الليلة ..
أفلتت منه جملة متسرعة بالعربية: لا يهمك سأدفئك..
استفسرت كاترين عن معنى ذلك، فأجابها: سأقول لك في ما بعد ..
- تبدو لي أحيانا أنك كثير الغموض ..
تذمرت كاترين مرارا من شدة الرطوبة قبل وصولهما السيارة، دخلتها وهي تكرر طلبها لتشغيل التكييف؟
- من يسمعك يعتقد أنك وصلت هذه اللحظة إلى المطار..
- هذا صحيح ..
في موقف السيارات، حيث تزدهر لعبة الضوء والظل، ألقى الليل سحرا من نواياه على وجهها، تسللت إلى شعرها خيوط من الضوء، فبدت امرأة من كل الجنسيات، خاصة أنها تمتلك شفتين ممتلئتين قليلا، ليستا مثل شفاه الإنجليزيات الرقيقة كحواف فناجين الشاي .
ألقت كاترين القبض عليه وهو يتأمل وجهها فارتبكت قليلا وقالت: ملامحك سريعة التغير، في المقهى بدوت لي إنسانا محايدا بدون عواطف، أراك الآن وكأنك تكتب قصيدة شعر..
دهش للغتها ووصفها، لكنه سرعان ما تذكر بأنها كاتبة صحفية، ربما أدبية أيضا، أخبرها وهو يحرك السيارة إلى الخلف هربا من التداعيات: هذا ما كنت أفعله..
- وماذا كتبت؟
- أنت تستعجلين الوصول إلى النتائج، أنا لم أكتب الشعر، لقد دخلت حالة شعرية ليس أكثر..
- هل كانت جميلة ؟
- لا فرق بينك وبين النساء العربيات في الدهاء الأنثوي ..
- كلنا نساء مستر زاهر ..
كان عليه أن يقوم بدورة نصف دائرية حتى يتمكن من الخروج إلى الشارع الرئيس، أصبح المول على جهة اليمين، أمامهما مطبات كبيرة يتوقف عندها السائقون لإفساح المجال أمام المشاة، ليعبروا بعرباتهم وأطفالهم وأكياسهم وحبيباتهم وزوجاتهم وعباءاتهن وسراويلهم وكل شيء، ابدت كاترين إعجابها بالنظام، ووقوف السيارات لعبور المشاة.
سادت فترة صمت حتى وصلا تقاطع طرق، يؤدي يسارا إلى القرية التراثية، وأماما إلى شارع الكورنيش. بعد لحظات من تجاوزهما للتقاطع والإشارة المرورية، شهقت كاترين بأنفاس أربكته: ما هذا القصر يا ترى .. ؟
كانت تشير إلى قصر الإمارات، جمع في هندسته المعمارية الطراز الإسلامي والغربي، قبابه المصنوعة من الزجاج المعشق، وألوانه المتبدلة جعلته يبدو أسطوريا، قالت: أكيد هنا ألف ليلة وليلة، ما رأيك ؟
- إنه فعلا قصر بديع، هذا فندق يا عزيزتي، فيه قاعات مؤتمرات ومسارح وشاطئ خلاب، يمكننا المرور بجانبه أو الطواف حوله، فهو من الخارج أجمل من الداخل .. ثم إنني لا أستطيع أن أدعوك للعشاء بداخله..
- يمكننا أن نتقاسم ..
- لقد دعوتك للعشاء، وهذه الدعوة لا تقبل القسمة، سنزوره غدا إن شئت ..
- كيف عرفت بأنني سأراك غدا .. ؟
لم يعلق، اكتفى بالابتسام، طافا حول الفندق القصر، ظهر من الناحية البحرية أجمل وأكثر سحرا، دخلا منطقة مظلمة، تجاوزا الشاطئ حتى وصلا نهاية الطريق.
- هذه البوابة تقود إلى مسبح للنساء..
- هل تعني أنه للسيدات فقط؟
- للسيدات والأطفال الذين تقل أعمارهم عن ست أو تسع سنوات، لا أدري ...
قطعا مسافة أخرى، لفت انتباه كاترين مبنى آخر بقبة كبيرة وبتصميم ملكي أيضا فقالت: هل هذا مسجد أم فندق أيضا؟
- هذا مبنى حكومي، إنه قصر الرئاسة.
- واضح، لمحت حرسا على البعد، هل تعلم، الأماكن التي يقف الحراس أمام بواباتها تغريني بالدخول، أشعر أن مجموعة أسرار تكمن وتتحرك خلف هؤلاء الجنود أو رجال الأمن، الغموض يجذبني في كل الأحوال، وهذا سر ارتباطي بالعقيق.. هل أعجبك العقد، لونه كبدي، أحمر محروق CARNELIAN، هنالك سر وراء هذا اللون، كما هنالك أسرار في دماء الإنسان..
- يبدو أن العقد سيطر على أحاسيسك ومشاعرك..
- رغم أن العقيق يتكون كيميائيا من ثاني أوكسيد الكربون، ويشوبه أكسيد الحديد، ورغم أنه يتواجد في الحمم البركانية أو يتكون منها، إلا أن مفعوله أبعد من رعب فوران بركان وتقاذف حمم، هل تدري يا زاهر، حتى الآن لا أدري بم أناديك، زاهر أو مستر زاهر أو عزيزي زاهر، ماذا تفضل؟
- بدون ألقاب كما قذفتنا أرحام أمهاتنا ..
- حسنا زاهر، لدي اهتمام بالعقيق، لذلك أرجوك لا تمل مني، وتقول بأنني استعرض ثقافتي، لقد قرأت عنه كثيرا، زرت أماكنه الأصلية في الهند واستراليا والبرازيل وأمريكا وسلوفاكيا وألمانيا واليمن، ويقال بأن السودان لديه كميات وافرة جدا من العقيق غالي الثمن، لكنني لم أزر السودان منذ أن تسلم عمر البشير الحكم، المهم، العقيق يا زاهر يمنحك القوة، يدب في قلبك الشجاعة، يقولون أنه يمنح الفصاحة ويشحذ العقل، على كل حال يقولون بأن الجن يسكن العقيق.. ولكنني لا أصدق هذه الترهات ..
- كيف ..؟
- كيف سأصدق حكاية تقول بأن الجن يخافون الذئاب، فإذا رأى الجني ذئبا مقبلا عليه تحول إلى صورة حجر كريم خشية أن يراه، فإذا رآه الذئب وبال عليه، صار الجني حبيس تلك الصورة، ويبقى على تلك الحال حتى يقع الحجر في يد آدمي، فيظهر له في نومه عارضا خدماته مقابل أن يحرره.
أوقف السيارة أمام بناية شاهقة، مقدمتها باتجاه مطعم تضيء مدخله إنارة خافتة، وسألها: هل يوجد عقيق في إيران؟
- طبعا يوجد..
- ستتناولين المشاوي هذه الليلة مع الجن إذن ..
كان المكان الذي أوقف فيه السيارة معتما، يقف أمام المطعم رجلان بزي موحد، فوقهما لائحة ليست كبيرة كتب عليها ( القصر الفارسي )، سألت كاترين هامسة: هل تعني أننا سنتناول العشاء هنا؟
أجاب بصوت هامس أيضا: إذا رغبت، هنا يقدمون لحوما مشوية من جميع الأنواع، أطباق أرز بالزعفران والكاري وسلطة اللبن بالخيار، وأسماك لذيذة أيضا.
همستْ كاترين مرةً أخرى في رقبته وكأنها تفشي سراً: أنا لا أحب أحمدي نجاد يا زاهر..
ابتسم وقال وهو ينظر إلى الرجلين الذين يقفان أمام: وهو أيضا لا يحبك، لكن ما دخل كراهيتكما بالمشاوي المشكلة وسلطة اللبن وخبز التنور..
– لا علاقة لمشاعرنا، سأنزل، وأنت المسؤول عن سلامتي ..
- لا يهمك، أنا مسلح .. لدي عفريت في علاقة المفاتيح.. !!
قرصته من يده وترجلا، رحب الحارسان بهما، دخلا المطعم، استقبلتهما شابة فلبينية وقالت: غرفة مستقلة أم تفضلان الجلوس في الصالة؟
شرح لكاترين أن أمامها أن تختار بين تناول العشاء في غرفة مستقلة لا يشاركها بها أحد، أو في الصالة الرئيسية العامة. أجابت بلغة حاسمة واختارت الصالة العامة، لكن الغرفة المستقلة أثارت فضولها فطلبت رؤيتها. قادتهما النادلة الفلبينية إلى مجموعة من الغرف، شرحت لها الوضع: يمكنك تناول العشاء هنا يا سيدتي، لتوفير الخصوصية المنشودة، هنا جرس نداء مثبت على الطاولة، تضغطين عليه إن احتجت شيئا، ولن يدخل أحد الغرفة، ولا حتى نحن، دون استئذان.
اختارت كاترين الغرفة الخاصة معبرة عن ارتياحها: هذه تجربة جديدة..
اختيارها لم يدهشه، لكن المكان أدهشها، جالت عيناها به، أخذت تقلب قائمة الطعام وتنظر حولها بارتياب، لم تر إيرانيا واحدا في المطعم، استراحت، طلبت طبقا من الأرز المشكل، وطبقا من المشاوي المشكلة، وطلب زاهر طبق شيش طاووق مع البطاطا المقلية، ويقدم المطعم صحن متبل الباذنجان وسلطة لبن بالخيار وصحن سلطة خضراء وصحن جبنة بيضاء وثلاثة أرغفة من خبز التنور الذي يصنع داخل المطعم، على سبيل الضيافة ..
كانت كاترين تنظر طيلة الوقت الذي سبق تقديم المقبلات من نافذة تطل على الصالة الكبيرة ذات الديكور الفخم، حين أشبعت فضولها وهدأت هواجسها قالت: أعتقد بأن هذه الغرف الخاصة صممت خصيصا للسيدات، وقلت لي أن هناك مسبحا للسيدات، وصديقتي قالت لي أن هناك جامعات وكليات للبنات أيضا، وأخبرتني أمرا لم اصدقه كثيرا، قالت بأن لديكم كنائس، وتساءلت بيني وبين نفسي إن كانت هناك معابد أيضا..
أخبرها زاهر أن نظرتها ستبقى قاصرة طالما أنها لم تقض وقتا يسمح لها بالتعرف عن كثب على هذه المجتمعات، وشرح لها أنه لا يوجد فصل تام في الحياة بين الرجل والمرأة، وإن المرأة تمارس حريتها في العمل والدراسة وتقلد المناصب العليا، أخبرها عن وزيرات وعضوات في البرلمان، ومديرات وطبيبات وجراحات.
وتساءل زاهر إن كانت تقصد بمعابد لليهود أو الهندوس وقال: لا أدري في الواقع، ولكنني لا أظن أنها موجودة ..
- صديقتي قالت لي أن هناك مراقص ونواد ليلية ..
- وهناك كافتيريات ومطاعم عامة..
- ما هي القصة إذن..؟
- إنها خيارات يا عزيزتي، هناك مطاعم هندية وإيرانية وصينية ولبنانية وغربية وخليجية وروسية ومغربية، وهناك محلات ملابس تبيع العباءات والدشاديش والغتر والعقل والشيلات، ومحلات تبيع السراويل والتنانير القصيرة جدا والبلوزات التي تظهر البطن، وهناك محلات للمحجبات ..
صمتت كاترين، يبدو أنها كانت تتوقع نمطا معينا للحياة في المدينة الخليجية، رغم أنها كانت على علم بوجود مدارس وكليات أيضا تعلم باللغة الإنجليزية، وأخرى باللغة الفرنسية، وقالت:( ولكنني أفكر في أمر ما، لا أريد أن استخدم مصطلج العولمة، لأنه مصطلح معقد، ولكنني أرى بأن الناس يمكن أن يتعايشوا بثقافات مختلفة.. )
- هناك شرط لتحقيق هذا التعايش، أن تكون المصلحة واحدة للجميع..
- وهل هو متوفر هنا؟
- طبعا، الناس جميعا، على اختلاف جنسياتهم ولغاتهم يسعون إلى تأمين مستقبل أفضل لأنفسهم وأفراد أسرهم، ولهذا فإنهم ينسون خلافاتهم العقائدية والمذهبية والثقافية والفكرية والسياسية..
- هل هي العولمة؟
- عندما مر الجندي البريطاني من هذه البلاد للحصول على البهارات الهندية، لم يقل قادته أنهم يريدون خطا تجاريا للوصول إلى الهند، بل كانوا يرددون شعار " عبء الرجل الأبيض "، لقد غلفوا فكرة الاستيلاء على ثروات الشعوب الأخرى بهدف أخلاقي، كما يفعل الرئيس بوش الإبن اليوم، أو كما تفعل الولايات المتحدة منذ زمن، وتساعدها بريطانيا على ذلك..
طرقت النادلة الفلبينية الباب، أذن لها بالدخول، وضعت المتبل الإيراني والمقبلات..دعا كاترين لتذوقها، تناولت قطعة من الخبز وشيئا من المتبل وسألت سؤالا خارج المائدة: هل أشكل لك حساسية معينة كوني إنجليزية؟
- وهل أنت من أصدر وعد بلفور؟
- لست أنا، ولا أفكر بهذه الطريقة..
- هل تريدين أن أطعمك بيدي كي أثبت لك بأن نواياي طيبة ومحايدة؟
التمعت عينا كاترين، تأملته بعمق، كانت نظراتها مشبعة بالعاطفة، من المؤكد أن قلبها كان يخفق بسرعة، قالت: "لم يمض على تعارفنا أكثر من ثلاث ساعات ..".
سكتت، كانت تخفي ابتسامة جذابة في عينيها، ثم قالت: هل تدري، عمري الآن سبعة وثلاثون عاما، ربطتني علاقة بشاب إنجليزي لمدة خمس سنوات، كانت علاقة جادة، كان رقيقا للغاية، لكنه لم يطعمني بيده طيلة فترة علاقتنا، كنا نتقاسم فاتورة المطعم والشراب، وأحيانا المواصلات، هل تعلم ماذا يعني أن يطعم شاب حبيبته، إنه يمنحها لقمته، أي يمنحها رداءه حين تشعر بالبرد، يمنحها دفئه، يقدم لها أبوته على طبق من حنان واحترام، لقد نبشت أمرا عجيبا يا زاهر، رغم أنني أعيش مع أسرتي، ولم أغادرها كما يفعل معظم الشباب والشابات عندما يبلغون السن القانوني ..
- آسف إن كنت نبشت مشاعر أحرجتك أو أزعجتك ..
سمعا طرقا على الباب، قال لها: أخرجي من حزنك، لقد حضر الطعام، أكاد أشم رائحة الشواء..
دخلت العاملة الفلبينية مبتسمة، وضعت الطعام على الطاولة، بدأت كاترين بتذوق الأرز، أعجبها: "لدينا في لندن مطاعم إيرانية أيضا، لكنني لم اتذوق طبق أرز بهذا التنوع".
- الأرز بالزعفران طيب ومفيد ويمنح الطاقة..
- هل تعني أنه مقو جنسيا؟
لم يجبها، أومأ برأسه علامة: ربما، ممكن، احتمال..
كانت كاترين تراقبه جيدا فقالت: رغم أنك أظهرت لي في اللحظة الأولى لتعارفنا احتمال أن تكون عدوانيا أو شرسا، إلا أنني ألمح في عينيك مساحة من الخجل، وفي أصابعك رجفة لذيذة..
- هذا ليس خجلا وليست وقاحة أيضا ..
كتب زاهر في دفتر مذكراته غير اليومية في ما بعد:
( كاترين كانت تراقبني، اكتشفت رجفة أصابعي في المطعم، فسّرت صمتي بأنه خجل، وفي مارينا مول اعتقدت بأنني عدواني وشرس، لم أكن أرغب مطلقا في أن أرى الأنثى فيها، إلا أنها كانت تقودني إلى تلك المساحة الجاذبة المربكة، حرصت ألا أقع في استدراجها، وألا تكتشف انجذابي نحوها، كنت أبحث عن أمر ما بداخلها، لم أكن أعرفه، أردت وضعها أمام حقيقة أن الجنس لا يشكل كل حياتنا، لم أنجح تماما في حرصي، أربكتني كاترين بصراحتها وعفويتها، أعلم إنها جزء من طبيعة الإنجليز والغربيين، إلا أنها كانت مبادرة وصريحة وواثقة، لا تتحدث بالألغاز والإيماءات، تلقي مفرداتها مباشرة، لو أن امرأة عربية سمعت ما قلته عن الأرز لقالت: توقف عن الشيطنة واللؤم، أما كاترين فتعاملت مع الأمر من باب الاكتشاف، أو من باب الأنوثة، والأنوثة والاكتشاف توأمان، لكنني في الواقع، وحين أقفل باب الغرفة علينا، صهل الشيطان قليلا، وقعت تحت موجة عابرة من الارتباك، زادته حين استفسرت عن الزعفران وعلاقته بالجنس، أنا لم أكن أعرف العلاقة بينهما، إلا بعد أن سردت لي صديقتي الإماراتية حكاية عن صديقاتها المتزوجات، حين اشتكين قلة رغبة أزواجهن بهن، فنصحتهن بالإكثار من شرب نقيع الزعفران، ووضعه في الطعام أو مع الشاي، شعرت للحظة أنها كانت تقدم لي الوصفة شخصيا، رغم أن علاقتنا كانت أكثر من مجنونة، إنني أفتقد تلك المرأة التي حملت الطفولة والأنوثة والحكمة والإغراء والجد والهزل، افتقدت أن أطعمها بيدي وأمشطها بأصابعي، وأرش العطر على عباءتها، وأمسح بقطرة عنبر بين نهديها، تلك امرأة جعلت كل النساء اللواتي مررن بعدها، بما فيهن كاترين، تمارين عشق..)
كانت كاترين تتناول طعامها بشهية وتلقائية وعفوية، لم تتصنع الأتيكيت أو المدنية، كانت أحيانا تتناول قطعة الكباب بأصابعها، متلذذة في مضغها، عبرت عن إعجابها بالمشاوي، قالت إنه محضر بطريقة فريدة، وقطع اللحم تكاد تذوب بالفم. أخبرها أنهم ربما ينقعون اللحم باللبن لفترة قبل شيّه ..
لم تنس كاترين أنها صحافية، انتقلت إلى موضوع ذي صلة، كأنها تصر على أن تجعل جزءا من الحوار ثقافيا، قالت: جميل أنكم ما زلتم تأكلون الدجاج، هل تم اكتشاف إصابات بإنفلونزا الطيور هنا ؟
- لا أدري، لم تعلن الدولة، سمعت عن بعض الإصابات بين الطيور، ولم يبلغ أحد عن إصابات بين البشر..
- أعلم أنه ليس من السهل الإعلان عن الإصابات بين البشر بسهولة، ولكن هذا خطأ فاحش وكبير، في مصر مثلا، اكتشفوا إصابات بشرية قبل الإعلان عن أول حالة وبشكل رسمي بثلاثة أشهر، ثم توالى ظهور الحالات، أعدمت الدولة عشرات الآلاف من الدواجن، تذمر المواطنون، انتشر الرعب بين الناس، ثم لفهم الصمت. أعلم أيضا أن الإنسان المصري يعتمد على وجبة الدجاج أكثر من اللحمة، لأنها أقل تكلفة..
وضع الشوكة والسكين جانبا بهدوء وقال: أنا لا أؤمن بنظرية المؤامرة كثيرا، لكنني أستخدمها في بعض الأحيان، وقصة انفلونزا الطيور، أعتقد بأنها من صنع الإنسان، يعني أن هناك دوافع اقتصادية وراءها، فهي تشبه تجارة الأسلحة، تجار الأسلحة يا عزيزتي، ومنهم رؤساء ووزراء في دول كبرى، يعملون أحيانا على إثارة الفتن والحروب بين القبائل أو الدول لتزدهر تجارتهم، وهذا له علاقة بالعولمة أيضا..
- وما دخل العولمة بتجارة الدواء والأسلحة، أنت تحشر العولمة في كل شيء..
- هل تعتقدين أن غزو الولايات المتحدة للعراق كان بسبب تغيير النظام كأولوية، أو بسبب وجود أسلحة دمار شامل؟
- ماذا تقصد.. ؟
- أقصد أن المنظومة العسكرية العراقية كان معظمها من روسيا والصين وكوبا، ولكن بعد إزاحة نظام صدام حسين، صارت المنظومة أمريكية، أسلحة، وتكنولوجيا عسكرية، ثم تأتي مسألة تكنولوجيا المعلومات وبعدها أو معها الأدوية، ثم السيارات والبضائع.. طبعا ناهيك عن النفط..
- أتفق معك في هذا، هناك سبب آخر أيضا، تخليص الشعب العراقي من النظام الدكتاتوري، ونشر الديمقراطية، وحرية الرأي ..
- وهل تحقق هذا بعد سنوات من الاحتلال؟ إن ما يتحقق هي دكتاتورية الموت.. !!
- لم يتحقق، لأن دولا مثل إيران وسوريا وتنظيم القاعدة يتدخلون في شؤون العراق الداخلية..
- وماذا عن إسرائيل، ألا تتدخل أيضا؟
- سمعت أن هناك خبراء في مناطق الأكراد، ولكنها مجرد أخبار..
- ليست أخبارا، على الأقل، المسؤولة السابقة عن سجن أبو غريب جانيس كاربنسكي، قالت أن لديها أدلة عن وجود محققين إسرائيليين، والبعض لا يستبعد أن تكون المخابرات الإسرائيلية وراء بعض عمليات التفجير.
- هل يمكن تأجيل الحديث في هذا الموضوع، لن أسألك أكثر حتى أعطيك فرصة لتتناول طعامك، فأنا أكاد أن أنتهي من طبقي وأنت تتحدث، إنه لذيذ..
- موافق، يسرني أنني اخترت المكان المناسب، أحمدي نجاد يجيد الطبخ أيضا!!
- بل لقد ظهرتَ في الوقت المناسب، تحدثتَ معي بشكل مناسب، جعلتني اشعر وكأنني في مجتمعي، وإلا كان على صديقتي أن .. آه تذكرت، أريد أن أحدثها، ممكن؟
- فاتورتك تزداد، أنت حرة..
- لا تقلق، سأدفعها كاملة قبل سفري ..
- ومن قال بأنني سأسمح لك بالسفر ..
- هل ستخطفني؟
- شيء من هذا القبيل، لكن موافقتك ضرورية كي أخطفك ..
- ما هذا الإرهاب الأنيق والحضاري!
- شيء يشبه هذا، ما رأيك، أنا مصر..
كان يتحدث دون أن تظهر على وجهه علامات مداعبة، كان يبدو جادا، ما أثار بداخلها الظن وشيئا من الريبة ..
- وإن لم أوافق ؟
- لم لا تتصلي بصديقتك، ولا تنسي أن تسأليها ..
ابتسمت بخبث وحيرة واطمئنان، موجات متناقضة من الأحاسيس والأفكار انتابتها، لكنها استطاعت طردها، استنادا إلى فراستها ..
- اضغطي على آخر رقم فقط، لم نتحدث مع أحد بعد مكاملتك مع صديقتك..
شربت كاترين قليلا من الماء، غادرت الغرفة لغسل يديها، ظل وحيدا، فكر بالساعات التي مرت، بالإلفة التي جمعتهما سريعا، وتساءل إن كان ذلك بسبب عدم إظهار لهفته عليها كما يفعل كثيرون؟ هل لأنه طلب منها مشاكسا ثمن المكالمة؟ في الحقيقة أعجبته المغامرة الكلامية كما أعجبته طلاقة لسانه باللغة الإنجليزية، ربما شجعها هذا أكثر، فاللغة يمكن أن تخلق غربة بين اثنين، ويمكن أن تخلق ألفة، وتساءل إن كانت قد صدقته حين أظهر لها عزمه على خطفها..
عادت كاترين تصف ديكور الحمام، والرسومات الخرافية على الجدران، ومرورها بصالة أشبه بالكهف، قالت بأنها مناسبة لحفلة أصدقاء، ذكرها بمهاتفة صديقتها فاندهشت، شخص يذكرها بأشيائها الخاصة، يشاركها قلقها وهي وحيدة، واتصالها بصديقتها يمنحها إحساسا بأنها ليست وحيدة.
طلب لها الرقم، وضع الهاتف على أذنه فضحكَت، طلبت منه محادثة صديقتها: لم لا .. استمر..
ناولها الهاتف..
كاترين: هالو جين، كيف حالك، تناولت للتو طبقا لذيذا من المشاوي في القصر الفارسي..
جين: هل هو المطعم الإيراني..
كاترين: نعم نعم، أنت تعرفينه إذن، حسنا، كنت سأستفسر عن المفتاح، نعم مع الحارس..
جين: قلت لك سابقا ..
كاترين: نعم قلت لي ذلك،آسفة نسيت، ولكن لا أعرف العنوان، كيف سأعود..
جين: اعطني مرافقك، سأشرح له العنوان.
كاترين: هذا زاهر ..
التقط الموبايل: هالو جين، كيف حالك، هل أنت مستمتعة في دبي ..
جين: نأسف على إزعاجك سيد زاهر..
زاهر: لا إزعاج، كاترين فتاة مؤدبة لا تسبب مشاكل ( ضحكت كاترين)..
جين: العنوان هو : بناية بي إتش إس..
زاهر: لا تقلقي، مساء ممتعا، هذه كاترين معك ..
جين: يبدو أنه ظريف، أو يتظاهر بالظرافة ..
كاترين: لا، لا ، إنه كذلك حقا، وهو مختلف ..
جين: سأعود عصرا ..
كاترين: ليست مشكلة على الإطلاق .. باي
ناولته الهاتف وهي تقول: جين خائفة علي ..
- تقصدين خائفة عليك مني ..
- تعتقد أن الشباب العرب يطمحون دائما إلى ... يطمحون إلى ممارسة الجنس مع أي امرأة يتعرفون عليها، ويتحمسون أكثر إن كانت امرأة غربية..
- معها حق ..
صدمت، اعتقدت أنه يسرب إليها رسالة من نوع ما، لكنه أخبرها: ( هناك شريحة كبيرة من الرجال العرب وغير العرب لديهم هذا الشعور وتلك الرغبة، وهناك من لا يفكر مطلقا، أنا مثلا، لم أفكر في إقامة علاقة مع امرأة غربية، أفضل المرأة العربية، وبصراحة، تعجبني المرأة الخليجية، لكن العلاقة بين المرأة والرجل ليست جنسا فقط، ومن يريد الجنس المباشر، فإنه يحصل عليه خلال نصف ساعة، زيارة إلى أحد الفنادق أو النوادي الليلية، ويخرج بعدها متأبطا ذراع حسناء، من أي جنسية يشاء ..)
انبسطت أسارير كاترين وقالت: هل اسألك سؤالا خاصا؟
- أرجوك، ولي حق الإجابة أو الامتناع..
- بالتأكيد، ولن أنزعج لو لم تجب، هل تذهب أحيانا وتخرج متابطا ذراع حسناء؟
- كان عليك ألا تسألي هذا السؤال، لأنني أجبت قبل قليل..
- الأنثى متسرعة أحيانا، وترغب في الحصول على إجابات مباشرة ..
لأول مرة تصف نفسها بالأنثى ..
- نعم خرجت كثيرا وأنا أتأبط ذراع امرأة في غاية الجمال ..
- أنت لا تقول الحقيقة .. أكاد أجزم بذلك ..
- هذا صحيح، ولكن، هل تعلمين، حدث مرة أن كنت في أحد النوادي الليلية، وتقابلت عيناي صدفة بعيني امرأة، لن أذكر جنسيتها، كنت مشغول الذهن تلك الليلة، أفكر في أمر عصيب، خلاصة الأمر، وجدت المرأة بعد لحظات تجلس إلى جانبي وتحدثني، لم أتفاعل كما يجب، اعتبرَته طعنة لأنوثتها، عرضتْ علي اصطحابها، رفضتُ، قالت بأنني لن أدفع فلسا واحدا، اعتذرتُ، عرضتْ علي المال، كان علي أن أصفعها، لم أفعل، انتقلت إلى مكان آخر فتبعتني، ألحتْ، اعتذرتُ، استفزت ذكورتي، اتهمتني بالضعف الجنسي، اعتذرتُ للمرة العاشرة، أعلمتُها بأنني لست على ما يرام، شتمتني وابتعدَتْ، كانت رائعة الجمال، ملامحها مثيرة إلى أبعد حد، رفضتْ كل من حاول النيل بها، بعضهن تفضل أن تختار، ووقع اختيارها علي، إلا أنني خيبت أملها.
- ماذا لو لم تكن مشغول الذهن ؟
- أنت لم تشربي شيئا سوى الماء، لديهم عصير طازج لذيذ، ومشروبات غازية.
قالت باستمتاع: هل تعلم ما أود تناوله، أود كأس نبيذ أبيض..
- للأسف، هنا لا يقدمون المشروبات الكحولية ..
- ولكنه موجود في الفنادق بالطبع، هذا ما فهمته ..
- نعم موجود، في الفنادق فقط، وبعض محلات السوبرماركت الخاصة، ولكن الحصول عليه يحتاج إلى رخصة..
- أخبرتني جين أيضا بهذه المعلومة، ولكنها قالت بأنها ستجلب معها.
- إن لم يتأخر الوقت بالنسبة لك، استطيع دعوتك لتناول كأس نبيذ في نادي الهمنغواي..
- كأس واحد فقط ؟
- ثلاثة كؤوس، طالما أنه على حسابك..
- موافقة، هل هو بعيد ..؟
- كلا، مسافة عشر دقائق بالسيارة من هنا ..
فكرت وهي تتأمله، ثم وافقت ..
التزمت كاترين الصمت، انشغل زاهر بقيادة السيارة، دخلا شارع الكورنيش، ظهر البحر وفندق قصر الإمارات والمارينا مول مرة ثانية، فرِحَت كاترين جدا بالمشهد، ثم عادت إلى قلق كان يساورها، أعلنتْ عنه حين لاحظت اقترابهما من الفندق بسؤال: كيف هو المكان، أعني كيف هو نادي الهمنغواي؟
- كأنك في لندن، وربما أكثر هدوءا وسلاما ..
- ماذا يوجد في الداخل؟
- يوجد عفاريت بأربعة رؤوس وساحرات
- أنا لا أمزح ..
- يوجد مطعم، وصالة للأغاني وأخرى للرقص، ومساحة يمكنك الجلوس فيها بعيدا عن الضوضاء، هل قرأت لآرنست همنغواي، طبعا تعرفين أنه كاتب أمريكي؟
- بالطبع، قرأت له رواية "لمن تقرع الأجراس" فقط..
- تعجبني أكثر رواية "العجوز والبحر" ..
- يعجبني اطلاعك يا زاهر، من أين ظهرت لي في هذه البلاد ..!!
- من عقد الكارنيليان..
ضحكا، ترجلا، مشيا باتجاه النادي، ألقى زاهر السلام على الحارس الضخم الطويل، أجابه: وعليكم السلام والرحمة..
زاهر:دائما أفكر، لماذا يختارون حارس هذه الأماكن طويلا وضخم الجثة، كأن المرتادين في حاجة لأحد يرعبهم دائما، بينما هم يزورون هذه الأمكنة للهروب من الرعب الخارجي..
ظلت نوبات القلق تنهش كاترين إلى أن دخلت، تفحصت الوجوه، استمعت إلى أكثر من ثلاث لغات أجنبية من بينها العربية، اطلعت على كل مكونات المكان، تنفست الصعداء: كأنني في لندن.. ماذا تشرب ..؟
- على حسابك طبعا .. !!
- أكيد ..
- عصير عنب، حتى لا يبدو شكلي شاذا..
- تقصد حتى يبدو وكأنه نبيذ أحمر، لم لا تشرب نبيذا معي، هل تعتبره حراما ..
- لي رأي مختلف في هذه المسألة، ولكنني توقفت عن شرب الكحوليات بشكل عام، مع أنني كنت أشربها باعتدال شديد، باتت تؤذي معدتي، أدعو أصدقائي أحيانا، وأحيانا أشرب البراندي مع الليمون والعسل والشاي حين أصاب بالزكام، سأطلب لك نبيذا أبيض، ثم نختار أين سنجلس، بإمكانك التحرك في الأماكن كلها.
- نتكلم في ما بعد في فلسفتك يا فيلسوف زمانك..
كان النادي يعج بالمرتادين، خاصة صالة الجاز بار، كل الطاولات مشغولة، حشد من الرجال والنساء بأعمار مختلفة، يقفون أو يجلسون، كلهم يستمعون لذاك المطرب الأسمر من جنوب إفريقيا، كان يغني بانسجام ويرقص بطرب، الكل مستمتع، لا مشاكل، لا صراخ، المكان لا يقصده الشبان الصغار أو المراهقون، ويمكن رؤية سيدة في الستين أو السبعين من عمرها وهي تراقص زوجها.
لم يتبق على موعد إقفال (جاز بار) سوى نصف ساعة، مضت سريعا، وجدا نفسيهما في صالة الرقص، أضواء ورقص وموسيقى عربية وغربية، تحمست كاترين بعد أن تخلصت من حذرها، بدأت تتمايل ببطء، تصاعد الطرب فبدأت ترقص في مكانها، دعاها للرقص، كانت الساحة غير مزدحمة في تلك اللحظة، وضعت كأس نبيذها جانبا، وضع عصير العنب إلى جانبه، ضحكت لحركاته العشوائية، لكنها علقت بأنه راقص ماهر، يمزج الحركات الغربية بالعربية، لم يعلم من قبل أن ذاك التخبط مهارة..
كانت تبتسم وهي ترقص، ارتفع صوت موسيقى أغنية ألف ليلة وليلة لأم كلثوم، اندفعت النساء العربيات إلى الساحة، حاولت كاترين تقليدهن، كانت تراقب خصورهن وتحاول محاكاتهن، انتهى المقطع الموسيقي، جاءت رقصة تتطلب من الراقصين أن يقتربا من بعضهما بعضا، تأملته مليا قبل أن تضع كفيها على كتفيه، أحاط خصرها بذراعيه الطويلين، كان الإرتباك واضحا عليهما، كان قلبه يرتجف، أحس بتواتر أنفاسها أيضا، تمايلا قليلا، كل يفكر مستهجنا بلذة مما يحدث.
كتبت زاهر في دفتر مذكراته غير اليومية في ما بعد ..
((منذ فترة طويلة لم يقترب جسدي من امرأة، فكيف إذا كانت مضمخة برائحة الخزامى، بت أشعر بان كاترين سافرت ثمان ساعات في الطائرة لمقابلتي، كأنني كنت في انتظارها ذلك المساء، كأنها كانت تذرع ممرات المارينا مول ذهابا وإيابا تبحث عني، قد أكون مخطئا، فنحن لا نفكر بالطريقة ذاتها، ولا أدعي أنها تفكر بي عاطفيا، ربما كان ارتباكها بسبب الإحساس بالغربة، إلا أنني لم أشعر بالغربة أبدا، كاترين، القادمة من بلاد الضباب دافئة بطريقة غير عادية، كأنها كانت تخبز أمام التنور، وجهها كان نضرا، ليس بفعل النبيذ، فهي بالكاد احتست رشفتين، رائحة عرقها التي امتزجت برائحة عطرها بدت لي مثيرة، تغيرت الموسيقى فجأة، بقينا متلاصقين، كأننا كنا نرقص على موسيقى أرواحنا، انسحبنا من ساحة الرقص، إلا أنني كنت أشاهد جسدينا ما زالا بين الناس، ألغيت ذاك التهيؤ مرة واحدة .. ))
رشفت كاترين من كأسها رشفة طويلة ولم تبق إلا القليل في القعر، رشفته كاملا.. قلدها زاهر، ضحكت كالأطفال وقالت: أخشى عليك السكر يا زاهر، لم لا تطلب كأس عصير آخر.
فهم قصدها، جلب اثنين، همس في أذنها ليس إغواء، ولكن ليضمن سماعها صوته: أشعر أنني أنفلت من زمني، كل ما يحدث جديد علي، هل أقول لك شيئا، أنت أول امرأة أوروبية أخرج معها، أو بمعنى أدق، أول امرأة غير عربية..
همست هي الأخرى: هل يجب أن أشعر بالسعادة..!!
لم أجب ..
قالت: في كل الأحوال أنا سعيدة، وأسعدني أن جين اتجهت إلى دبي مسرعة حتى لا تعود..
الساعة اقتربت من الثانية بعد منتصف الليل، ضجيج صالة الرقص يزداد، نظرت كاترين إلى ساعتها وقالت: الوقت يمضي ببطء في بلادكم، ما زالت الحادية عشرة..
قلت لها باسما: بتوقيت غرنيتش..
وضعت كفها على جبينها علامة الدهشة: يا لغبائي، لم أغير توقيت ساعتي، هل تعني بأنها الثانية بعد منتصف الليل؟
- هي كذلك، آسف على عدم تنبيهك.. هل نخرج ... ؟
- إذا لم يزعجك ..
في الخارج، بات بإمكانهما سماع صوتيهما بوضوح شديد..
- شيء رائع، تعرفت على الحياة في مدينتكم خلال أقل من ست ساعات، أشكرك يا زاهر ..
- رأيتِ جانبا واحدا من الحياة، التسوق، والمطعم، والحياة الليلية، هناك حياة أخرى، حياة اجتماعية وثقافية وفنية واقتصادية وسياسية، هناك تحديات تواجه الدولة، وأخرى تواجه الأفراد، هناك مشاكل للوافد ومشاكل لابن البلد .. و.. و ..
- أنت مستعد دائما للدخول في حوار جاد، لماذا لا تنسى قليلا..
وصلا السيارة، فتح لها الباب، أعجبها سلوكه النبيل ..
- تعقيبا على كلامك، آسف أريد أن أوضح فقط، أشعر أن ما يحدث في النيجر أو جزر القمر أو الأورغواي أو أمريكا أو نيوزلندا، يؤثر علي شخصيا، وعلى حياتي ومستقبلي..
أخذت كلامه على محمل المزاح وقالت: يا لطيف.. والله جورج بوش الإبن لم يقل هذا، زاهر علينا أن نسرع..
لم يسلك طريق الكورنيش، فضل الطريق الداخلي الذي يشق قلب المدينة، وصلا البناية التي تسكن فيها صديقتها الأمريكية، بحثا دون جدوى عن موقف للسيارة، عدد السيارات في المدينة يكاد يفوق عدد السكان، اضطر أن يوقفها بعيدا، ترجلا، كانت الساعة تشير إلى الثانية والنصف، تحدثا في الطريق عن الطقس والرطوبة ليلا والحرارة نهارا.
للبناية أكثر من مدخل، حددتْ كاترين أخيرا أحدها، أمامه صندوق بريد أحمر، هذا ما ذكرته، بدأت رحلة البحث عن غرفة الحارس في منطقة نائمة. طرق على الباب أكثر من مرة، فتح الحارس باب غرفته، تنفست كاترين الصعداء، ألقتْ عليه تحية المساء، كان الحارس الهندي شبه نائم ومتوتر، نظر إليهما بدهشة، فرك عينيه ثم أعاد النظر، اعتقد أنهما يبحثان عن مكان للبقاء فيه نصف ساعة، عاجلته كاترين بالحديث باللغة الإنجليزية اللندنية فلم يفهم، حدثه زاهر بلغة هي مزيج بين العربية والإنجليزية، استغرب الأمر وقال بأنه لا يعرفهما، ذكرته كاترين بصديقتها (جين)، المرأة الأمريكية الممتلئة ذات الشعر الأسود، رد بأنه يعرف (جين)، لكنها لم تخبره أن أحدا سيأتي، ولم تطلب منه فتح الشقة لأحد. اقترح زاهر على كاترين مهاتفة صديقتها، حاولتْ، (جين) لم ترد، اقترب من الحارس، أخبره بأن كاترين وصلت اليوم من السفر، من بريطانيا، وتريد الصعود إلى الشقة وحدها، لكنه هز رأسه يمينا ويسارا ورفض، الهنود أصلا لا يحبون الإنجليز، يبدو أن رفضه كان بسبب شكه، فرائحة النبيذ كانت تنبعث مع أنفاس كاترين، تجرأ الحارس وقال بأنهما ثملان، وأقفل الباب. بعد عدة طرقات فتح الباب غاضبا ليخبرهما بأنه سيبلغ الشرطة، تراجعتْ كاترين حين أوضح لها ما قاله الحارس الهندي ،أمسكت بيده وقالت بحزن وجدية: هيا نبتعد من هنا ..
مشيا بصمت حتى وصلا السيارة، حاول تهدئة قلقها: (لا تقلقي، لا توجد مشكلة أبدا، هذا فندق لا يبعد عنا سوى أمتار، أستطيع أن أحجز لك غرفة حتى الغد، وهناك حل آخر أيضا، لن أتردد في عرضه عليك، أستطيع أن استضيفك في بيتي، عندي غرفتا نوم، واحدة لك وواحدة لي، وإن شئت، أوصلك إلى بيتي واذهب فأنام عند أحد الأصدقاء .. لك مطلق الاختيار..)
تأملت وجهه، لم يعرف الأفكار التي تصارعت في رأسها، ابتسمت وقالت: لا تفكر هكذا، عرفتك الليلة بما يكفي لأذهب معك إلى أي مكان، لا أريد أن أثقل عليك بتكاليف الفندق..
***
منذ اللحظة التي نطقت بها كاترين بحروف موافقتها على مرافقته إلى البيت، ولسانه مرتبك حائر عاجز عن عن تكوين جملة مفيدة، كأن اللغة الأصلية اضطربت في سياق تنازلاتها الثقافية والاجتماعية، كأن معانيها دخلت في كبسولة اختبار وانتقلت إلى الفضاء، وهي إما أن تكمل الرحلة وتمتحن قدراتها التاريخية، وإما أن تنفجر في الجو، فلا تنطق بما لا تحمله اللغة من امتدادات خارج حدودها.
هل كانت كاترين تعيش الشعور ذاته؟ ربما، فالزمن لم يؤسس لشيء في علاقتها بإنسان ظهر فجأة، وصدمها بعدم منحها فرصة التحدث في الهاتف لدقيقة واحدة لا تكلف شيئا، وفي الحقيقة، فإنه صدم الصور المرتبة في خيالها، وحين رأت أنه يخرج من إطار الصور دفعة واحدة ودون تمهيد، انجذبت إليه، ربما كان بدافع الصحفية التي تمترس بداخلها، وتبحث دائما عن قصة، أو لأنه يحمل ألوان طيف تجعلها تتقلب دون تردد، ولكن كان عليها في ذلك الموقف، كما يبدو، أن تتقلب بحذر، ربما ذلك ما كانت تهجس به.
انتبها وهما يغادران نادي الهمنغواي، بعد ست ساعات من الاكتشاف والرفقة الجميلة المطرزة بالمعرفة، أنهما يغرقان في بحر صمت لم يتوقعانه، كأنهما أصبحا أمام حقيقة واضحة، ويبدو أن سؤالا نشب في رأس كل منهما في اللحظة ذاتها، نظرا إلى وجهي بعضهما بعضا، وعلى لسان كل واحد سؤال انطلق بتعبيرين مختلفين، قال: ( لم أنت صامتة)، وقالت كاترين : ( لم نحن صامتان ) ..
خرجت كاترين بدهاء من السؤال نحو سياق سابق: لم توقفت عن دور لعب المرشد، لم تعد تعرفني بالشوارع والأماكن..
- الناس نائمون، ونحن نناوش اليقظة، حتى أسماء الشوارع نامت في رأسي.
-هذا يعني أنك تفكر في أمور أخرى، هل أزعجك قراري؟
تعالى على ورطته: أنا خيرتك، على الرحب والسعة أينما تحلين.
داعبته: وهل تمتلك الفندق حتى ترحب بي به ...
تعمد أن يطرح موقفا فكريا موازيا لقناعته النظرية: أنا أمتلك نفسي فقط.
التمع في عينيها بريق واضح، وصلتها الرسالة، ليس كل من يدخل بيته يصبح من ممتلكاته.
ليس من الضرورة أن كاترين كانت تشارك زاهر اضطرابه وحيرته وورطته، ربما هو وحده الذي يحفر في الحالة أكثر، أنقذته حين أخبرته بأنه يفلسف الأمور دائما. لم يجبها، استمر يبحث عن موقف لسيارته، اتجه كالعادة إلى مساحة قريبة من مسجد قريب، ترجل بتثاقل، نزلت كاترين بحيوية، سألته سؤالا ذكيا: هل حارس البناية هندي أيضا؟
كان يمرر بطاقة أمام آلة صغيرة لفتح باب البناية، أخبرها بأن معظم الحراس من الهند أو الباكستان أو بنغلادش، الجنسيات الأخرى نادرا ما تعمل في هذه المهنة، حتى العرب.
كاترين: يا سلام .. الدور الخامس عشر ..
أرادت كاترين فقط أن تقول أي كلام وهما في أضيق مساحة مقفلة جمعتهما حتى تلك اللحظة، تساءل: هل يعني لك الدور الخامس عشر أي شيء؟
كاترين: يا سلام .. شقة 1505 ..
ضحك بصوت عال تنبه على أثره فجأة، فتأسف، الناس نائمون.
يبدو أن كاترين كان تقول كلاما فقط لتخفي مشاعر تعلمها وحدها، كانت مقبلة على تجربة فريدة من نوعها، صحيح أنها كانت ترافق صديقها إلى بيته باستمرار، إلا أنها لم يسبق لها أن رافقت عربيا إلى بيته، بل والشروع في قضاء ليلة عنده.
أدخل مفتاح الشقة في القفل وهو ينظر إلى عينيها مبتسما، حاول قدر الإمكان أن يوصل إليها مشاعر من الطمأنينة، لكن كما يبدو فشل، لاحظ توترها، فتح الباب، أشعل ضوء الممر وابتعد، السيدات أولا، دخلت بسرعة، كأنها تتجرع كأسا دفعة واحدة، سبقتنه إلى غرفة الجلوس. من عادة زاهر ترك غرفة في البيت مضاءة، جالت عينا كاترين بسرعة مسحت كل الموجودات، لفت انتباهها أمران، المكتبة المزدحمة بالكتب باللغتين العربية والإنجليزية، وطقم كنب على الطريقة العربية البدوية، بألوان الأحمر والأسود، فيه تصاميم هندسية مخروطية، وغرز متفرقة باللونين الأخضر والأبيض. ألقت نفسها على الكنبة كأنها آتية من سفر بعيد، عبرت بتلك الحركة ربما عن اشتياقها لبيت دافء، كانت عيناها ما زالتا تحاولان اكتشاف كل جزء في غرؤفة الجلوس.
ألقى مفاتيحه على طاولة صغيرة مغطاة بقطعة قماش مصنوعة يدويا في الهند، وضع هاتفه إلى جوار مفاتيحه، جلس قبالتها مرحباً، طلب منها التصرف بحرية، اقترح أن يعرفها على الشقة المكونة من غرفتي نوم وغرفة جلوس ومطبخ وحمامين، وشرفة صغيرة تابعة للمطبخ، وافقت، نهضا معا، لم يعلق كثيرا، تركها تأخذ الانطباع الذي يناسبها، لكن الأثاث البسيط وألوانه الدافئة جعلها تشعر بالألفة.
جالت في رأسه أفكار كثيرة حول كيفية التعاطي مع تلك المرأة، ذات العينين المتلونتين والقد الممشوق الطويل، والصدر الفخم، والشفتين المكتنزتين قليلا، فكر أن يتصل بصديقه وزميله الإماراتي أحمد، الذي عاش لسنوات طويلة في الولايات المتحدة الأمريكية، ولكنه تراجع بسبب سؤال طرحه على نفسه بسرعة: هل من الضروري أن يتشابه الإنجليزي والأمريكي في طريقة التعامل معهما؟
خرج عن صمته قائلا: أرجو أن تشعري وكأنك في منزلك تماما، يمكنك الاستحمام بعد هذا المشوار الطويل، بينما أحضر لك شرابا ساخنا، ما رأيك؟
لم توافق على الاستحمام، شجعت فكرة تناول نسكافيه كي تستيقظ قليلا.
- لكن النسكافيه سيجعلك تستيقظين وسيعوق نومك، ألا تشعرين أنك في حاجة للنوم وقد قاربت الساعة على الرابعة صباحا؟
شرحت له أن النبيذ كان أكثر تركيزا من النوع الذي تتناوله عادة، وتشعر بثقل في رأسها، هز رأسه، أخبرها بأنه سيحضر لها بيجاما وفوطة لاستخدامهما بعد الاغتسال.
دخلت كاترين لتنتعش، توجهت إلى المطبخ، كل تلك الحركات والتصرفات طبيعية في ظاهرها، مختلفة في جوهرها، على الأقل بالنسبة له، اعتقد أنها رغبت في تناول النسكافيه حتى لا تستغرق في النوم، فالتصرفات الظاهرة للإنجليز لا تعكس دواخلهم وحقيقة نواياهم، والمشكلة التي سيواجهها بينه وبين نفسه تكمن في احتمال إصرارها على البقاء مستيقظة، وستكون عندها قد تعمدت عدم النوم، وهي كارثة، قرر أنه يجب أن ينام قبل أن يتعكر مزاجه، ويتحول إلى إنسان نكدي لا يطاق، قرر أن يتصرف على طبيعته، لن يشاركها شرب النسكافيه، سيتناول العصير أو الماء، وسيرى ..
بعد انتهائها من غسل وجهها ويديها في الحمام، ظلت كاترين تحدق تحدق في المرآة، تتفحص ما حولها، أعجبتها نظافة الحمام، رائحته المعطرة، ونبتة بلاستيكية خضراء إلى جانب المغسلة، ثم قربت أذنها اليمنى من الباب لاكتشاف ما يحدث في الخارج، لم تسمع صوتا واحدا، فخرجت متوجسة، لتجده يجلس في غرفة الجلوس.
قرأ زاهر مشاعر غير مريحة على وجهها، حين لاحظت بأنه وضعت فنجان النسكافيه على طاولة صغيرة أمام الكنبة التي جلست عليها حين دخلت الشقة، بينما جلس قبالتها وبيده كاس عصير، يتابع موجز أخبار على قناة الجزيرة، ربما ظنت أن وضعه النسكافيه في ذلك المكان هو تحديد لمكانها، وجلوسه مقابلها يحدد المسافة بينهما، وربما قالت في نفسها أن زاهر ربما نسي أنها صحفية، ومتابعة الأخبار وما يجري في العالم من ضمن عملها واهتماماتها. حاولت أن تخرج من هواجسها وقالت: (وهل تعتقد أنك الوحيد في هذا العالم الذي يتابع الأخبار، كونك أحد ضحايا آرثر بلفور) ثم حملت فنجان النسكافيه وانتقلت لتجلس إلى جواره على أريكة منفصلة.
حاول أن يشرح لها وهو يتابع النشرة الإخبارية، أنه لم يتعمد ذلك، ولم يخطط ما طرأ على تفكيرها، قال لها: ( هي الأخبار ذاتها، قصف صهيوني على غزة بالطائرات والمدفعية، الضحايا مدنيون، انظري تلك الطفلة التي تصرخ باحثة عن أفراد أسرتها الذين مزقتهم قذيفة مدفعية، في الواقع، هذه المرة الثالثة التي أشاهد فيها هذا المشهد، وفي كل مرة أشعر بانحياز العالم الصارخ إلى جانب الوحشية..)
قالت باهتمام: وما الجديد في الأمر؟
- الجديد أن الحكومة العبرية تشك في أن الأسرة ماتت نتيجة قنبلة مزروعة على شاطئ غزة، أو أنها قصفت المنطقة لأن المقاتلين الفلسطينيين يطلقون صواريخ من هناك، وهو أمر مفضوح..
الخبر الآخر كان حول تداعيات مقتل أبو مصعب الزرقاوي، والانتصار الذي حققته أمريكا، لم يعلق على الخبر، ربما لأنه لم يرغب الدخول في حوار سياسي يتطلب تركيزا من نوع آخر..
انتهى الموجز، التف إلى يمينه، ألقى عليها القبض وهي تتأمل وجهه.
- مذ رأيتك وأنا أكاد ألمس الحزن في عينيك، في مركز المارينا، لم تكن قد شاهدت الأخبار بعد، لكنك كنت حزينا.
- الحزن لا يتشكل بخبر واحد ويختفي بآخر، الحزن عمره مثل عمري، لكنني لا أشعر به على الإطلاق، هذا قدرنا، المؤذي هو أن يحدث هذا في إطار محاربة الإرهاب، الضحايا كما ترين أطفال، ترى، هل تتخيلين مشاعر طفلة في الثانية عشرة فقدت فجأة معظم أفراد أسرتها؟
- يا إلهي، لا أستطيع، لكن حركة حماس هي المسؤولة..
- حركة حماس تم تكليفها بتشكيل حكومة لأنها فازت بانتخابات ديمقراطية أشرف عليها الرئيس الأسبق جيمي كارتر، ألست متعبة؟ ألا تريدين النوم؟
- في الواقع لا أِشعر بالنعاس، يمكنك النوم إن أردت.
- كيف أنام واترك ضيفتي وحدها مستيقظة.
- هل هذا من عاداتكم ..
- طبعا، ولا يجوز أيضا أن ننتهي من الطعام إذا كان لا يزال ضيفنا يتناول طعامه، أو على الأقل لا نترك المائدة ..
- وإن شعرت بالشبع؟
- أتناول أي شيئ حتى ينتهي الضيف ..
- أنتم العرب معروفون بالكرم، لم أردت أخذ أجرة المكالمة إذن؟
- شرحت لك الأمر، لكنني الآن لن أتبع هذه العادات، لأنني أشعر بالنعاس والتعب، أرجو أن تتصرفي وكأنك في بيتك كما أخبرتك، وأن تنامي، فصديقتك لن تعود حتى المساء، ثقي بأن المكان آمن، لن يزعجك أحد، باستطاعتك الدخول إلى غرفتك، وقفلها بالمفتاح من الداخل، وإقفال الستائر حتى لا يزعجك الضوء في الصباح الذي يوشك على القدوم.
- لم أقصد ما ذهبت إليه..
- لم أذهب إلى أي فكرة أو مكان، كل ما في الأمر، أريدك أن تشعري بحرية وكأنك وحدك في الشقة.
نهض حاملا كوب العصير، تمنى لها ليلة سعيدة، توجه نحو غرفة نومه التي يسميها (ورشة العمل)، ففيها يكتب ويقرأ ويدخن ويسمع الموسيقى ويمارس الرياضة وينام.
كان الحديث يدور بينهما، وعيناه تجولان غرفة الجلوس كأنه يراها للمرة الأولى، أو بشكل أدق، بنظرة مغايرة، ربما كان ينظر إليها يعيني كاترين، كان ينقل نظراته من التلفزيون إلى المكتبة، إلى تمثال امرأة عارية ممددة على طاولة سطحها زجاجي، استغرب لأن كاترين لم تعلق على التمثال، ربما كي لا يقودها الحديث إلى العري والمرأة والجنس، ربما اعتبرت وجوده عاديا، كونها رأت في زاهر رجلا يمزج ما بين العقل الشرقي والغربي، وربما ظنت أنه أقرب إلى الرجل العولمي، بينما علمت من خلال حديثهما في المطعم أنه لا يرى العولمة كما تراها. كان يحاول إدراك هواجسها، وتأكد من هاجس واحد لا يحتمل التفسير، كاترين قررت عدم النوم، فهي لم تلتفت أصلا إلى البيجاما التي قدمها لها، لم تعلق على السرير الذي قال بأنها تستطيع استخدامه، وهو نظيف بملاءاته ووساداته، ركزت على النسكافيه، طلبته ثقيلا كي تبقى مستيقظة.
حين قرر الذهاب إلى غرفة نومه، كان زاهر يرغب في إعطائها فرصة التصرف بثقة، لم يكن يشعر بالتعب أو النعاس، ورغم أن قلة النوم تجعل مزاجه كالأطفال الجائعين أو النعسانين، إلا أنه كثيرا ما كان يصل الليل بالنهار ويحافظ على لياقته الفكرية، خاصة حين كان يمضي الليل يتقلب بين القراءة والكتابة حتى يبزغ الفجر، فيستحم ويخرج، بينما ضوء الصبح يتسلل رويدا رويدا كاسرا كثافة العتمة، رغم أن أبو ظبي مدينة مضاءة بالكامل، شوارعها، ضواحيها، مناطقها السكنية، وحدائقها، ونادرا ما يشعر المرء بحد قاطع بين الليل والنهار، إلا أن اختفاء الناس من الشوارع وعودتهم إليها يحدد موعد نوم ويقظة المدينة، ولهذا، فإن البدر لا يستمتع كثيرا وهو يشق الليل بخيلائه.
دخل غرفة نومه، كانت الساعة تشير إلى الرابعة والربع، سمع أذان الفجر قبل أن ينطلق من مكبر صوت المسجد، استمع إليه كأن أمرا شده من روحه، ألقى نظرة على المسجد من الطابق الخامس عشر، صوت الأذان ينبعث بحلاوة لم يتذوقها من قبل، دقق بكل كلمة سمعها، كان يفتح مع كل دفقة صفحات كثيرة من ( الفتوحات المكية في معرفة الأسرار المالكية والملكية ) لابن عربي، ذلك الرجل الذي كان يسيطر على لياليه لأيام طويلة، ويتعب روحه وهو يحاول الإمساك بمعانيه وملامسة عمق خيالاته وتجلياته.
تمدد بملابسه على سريره المزدوج، استرخى بروح هادئة أقرب إلى الصلاة، يفكر بما اقترفت يداه منذ أن استيقظت ذلك النهار، حتى عودته إلى البيت بصحبة امرأة لم يمض على تعارفهما أكثر من ثمان ساعات. ارتعش دماغه حين مر خيال كاترين في تأملاته، هدأ، كأن كاترين لم تأت، كأنه أمضى الساعات وحيدا، يتخيل قصة من قصصه المعقدة، سحبه النعاس، قبض عليه سلطان النوم، دخل في مرحلة الحلم بسرعة، رأى في ما يرى النائم، جدته التي توفيت قبل عشرين عاما، كان يجلس قبالتها، يستمع إليها وهي تحدثه في السياسة، عن عودتها المؤكدة إلى فلسطين، عن جارتها اليهودية في عكا التي قالت لها: ( لن نبق إلى الأبد في فلسطين يا أم محمد، نحن نعلم هذا، وكتبنا تقول ذلك..)، وكانت جدته تتحسر لأن الأمراض هدتها، ولن تتمكن من العودة، فجارتها اليهودية لم تذكر لها موعدا ما، صمتت جدته، أغمضت عينيها، استسلمت لنوم هادئ وعميق أقرب إلى الموت، داهمته فكرة أن جدته توفيت فجزع، أعادته الخشية من حلمه، استيقظ، فتح عينيه دفعة واحدة، كانت كاترين تتأمله، تجلس على طرف سريره، تسند نصفها العلوي على ذراعها اليمنى، صدم في البداية، لكنها بادرت بالقول: سمعت شخيرك فظننت أنك لست على ما يرام، اعذرني لأنني دخلت غرفة نومك دون استئذانك، جئت لأطمئن عليك..
- أوه، يبدو أنني شخرت بصوت عال، هذا لأنني نمت على ظهري، أشكرك كاترين على خوفك، هل تعلمين لقد رأيت جدتي في الحلم، كانت تحدثني عن جارتها اليهودية قبل تهجيرها من فلسطين.
تجاهلت حديثه وقالت: تفرجت على غرفتك في أثناء استغراقك بالنوم، صحيح أنها قديمة وغير مرتبة، إلا أنني شعرت بدفء غريب، بألفة تدعو للاسترخاء..
- يمكننا تبادل الغرف لو شئت..
- أنت تتنازل بسرعة عن أشيائك الخاصة..
اعتدل في جلسته، نفض رأسه كخيل، كانت كاترين تسد عليه منافذ القيام، لم يشأ ترك الغرفة حتى لا تأخذها الظنون إلى أفكار أخرى، شرح لها وقلبه لا يزال يتقافز في صدره، أنه لا يشعر بخصوصية أبدا، وقال لها أنه على الرغم من أنه ينام على ذاك السرير، إلا أنه ليس له، يسكن هذه الشقة وهي ليست له، يمتلك سيارة، إلا أنه لا يشعر بملكيته لها، ويعيش في أبو ظبي منذ عشرين سنة ولكنه لا يحمل جنسيتها، شرح لها إحساسه الشديد بها، ومعرفته بالمدينة تفوق معرفته بأي مدينة أخرى في العالم، يعرف سياساتها وثقافتها وعاداتها وطبيعة شعبها، قال لها أنه لا يمتلك شيئا، قال لها: (أخاف من إحساسي بالامتلاك، اشعر أن كل الأشياء مؤقتة، أنا لا أجلس في مقهى واحد، لا أتردد على مطعم واحد، لا أسبح على شاطئ واحد، لا تربطني صداقة شديدة برجل أو بامرأة، لا تربطني علاقة حب مجنونة بامرأة، بل لم أعد أستطع منح نفسي لأحد، لأن لا أحد يمنحني نفسه لذاتي فقط، العلاقات كالعبادة يا كاترين، وهي غير متوفرة )
- أعرف أن وقت هذا الحوار غير مناسب، وأستغرب كيف تفتح هكذا مواضيع وأنت لم تستيقظ بعد، يبدو أنك لا تنتمي لشيء..
- لا عليك، أحيانا أنهض من سريري إلى الكتابة فورا، وبخصوص الانتماء، ليس كالمعنى الذي ذهب إليه كولن ولسون بالتحديد، أنا أنتمي لذاكرة أبي.
- سمعت صوتا قبل ساعة تقريبا يأتي من هذا الاتجاه .. أظن بأنني سمعته خافتا وأنا أمر في ضاحية من ضواحي لندن، إنه شيئ يتعلق بالإسلام، هل أنا محقة؟
- إنه الأذان، يعلن عن صلاة الفجر..
- وهل صليت ..؟
لم يجبها، تسللت إلى دمه رعشة جعلته يخشع كطفل، علمت كاترين أن لا إجابة لديه، اكتفى بدعك عينيه بشاهده: ألا تشعرين بالنعاس؟
وقفت كاترين، ألقت بجسدها على الجانب الآخر من السرير، نامت على ظهرها بكامل ملابسها وهي تردد: (نعم اشعر بالنعاس والتعب الشديد، كانت الرحلة بالطائرة متعبة، صديقتي الأمريكية اقترحت علي بعد وصولي بساعة تقريبا، أن نقوم بجولة في أبو ظبي، حدثتني عنها كثيرا في رسائلها الإلكترونية، لكنها وهي تقود سيارتها في شارع الكورنيش، هل رأيت، بدأت أعرف أسماء الشوارع! تذكرت (جين) أنها مرتبطة بموعد في دبي، وإن عليها أن تتوجه مباشرة، أعطتني مفتاح شقتها، كتبت العنوان على ورقة، دسستهما في حقيبتي، واقترحت أن أمضي وقتا في مركز المارينا، الذي كان يبدو رائعا على يمين الكورنيش، لم يكن أمامي سوى الموافقة على اقتراحها، خاصة كما أخبرتني، أن سيارات الأجرة متوفرة على مدار الساعة، بل أعطتني رقم هاتف يمكن الاتصال به وطلب سيارة، لا أخفي عليك، علي أن أكون صادقة وأنا أتمدد إلى جانبك، امتعضت من سلوكها، فهي حتى لم تعرض علي مرافقتها، أعتقد أنها ذاهبة إلى صديقها، حدثتني عنه كثيرا في رسائلها.. )
توقفت كاترين عن الكلام حين لاحظت صمته، أحسها تتأمله وهو ينظر إلى الأمام، يتأمل خارطة كبيرة، دهشت من وجود الخارطة، لقد جالت عيناها في كل تفاصيل غرفة نومه باستثناء الخارطة، وربما لامت نفسها. لم يرغب زاهر في التعليق على قصتها مع صديقتها، لم يكن الموضوع حسب وجهة نظره يستحق التعليق، ولم يكن يستحق التشفي، امرأة انجليزية تبدي امتعاضا من امرأة أمريكية، والمفتاح والعنوان الذين وفرتهما ( جين) لكاترين ظلا في الحقيبة داخل السيارة، ولم تتعب صديقتها نفسها بالعودة، وهي تعلم أن كل أموالها وبطاقاتها الشخصية والبنكية بداخلها. كانت كاترين تتحدث بألم، وحين صمتت كانت قد وصلت إلى حالة من الحرقة الخانقة التي تستفز البكاء، بل إنها مسحت عينيها، لمحها زاهر تفعل ذلك، اعتقد أن النوم لم يأتها للسبب ذاته، لا تريد البقاء وحدها للسبب ذاته، دخلت غرفته لأنها كانت تشعر بالحنق، وتريد أن تتحدث، ربما اعتقدت بأنه سيمسح دموعها ويحضن وجهها، أو يطبطب على يديها، أو يمسد لها شعرها، لكنه لم يفعل، ظل صامتا، حاول تبرير تصرف صديقتها بالتزامها بموعد مهم، لكن كاترين أخبرته بتأثر، إنها حضرت خصيصا لرؤيتها، لأنها تعتبرها صديقتها، صرفت مبلغا كبيرا لشراء تذكرة سفر، أحضرت لها هدية قيمة، لكنها لم تمكث معها أكثر من ساعة.
عاد من شروده، حاول تبسيط ما حدث، نصحها أن تحاول النوم، بل داعبها وهو ينظر إلى السقف: ألم تفعل صديقتك خيرا في ذهابها إلى دبي، لقد هيأت الظروف كي تلتقي بي!!
أجابت كاترين وعيناها تحملقان بالسقف: زاهر، أنت حقا لئيم، ولا تنتمي لأي شيء، ولا حتى لذاكرة والدك، لماذا لم تقل بأنها هيأت الظروف كي تلتقيني..
لم يعلق على المداعبة، ذاكرة والده خط أحمر، انطلق يغني أغنية شهيرة وقديمة للمطربة الإنجليزية ماري هوبكنز، كلمات وألحان جيني راسكن، تتحدث عن رجل وامرأة كانا يجلسان في حانة، وكيف كانا يصرفان الوقت بفرح وسعادة، ثم الفراق ..

Once upon a time there was a tavernWhere we used to raise a glass or two
Remember how we laughed away the hoursAnd dreamed of all the great things we would doThose were the days my friendWe thought they'd never endWe'd sing and dance forever and a dayWe'd live the life we chooseWe'd fight and never loseFor we were young and sure to have our way.Those were the days, oh yes those were the days
...........................................................................
خلدت كاترين لنوم عميق، ألقى عليها غطاء خفيفا، لم يدر زاهر إن كانت كلمات الأغنية هدأت أعصابها أم صوته، أم إحساسها بالأمان وهي إلى جانبه، فكر زاهر بأن الإحساس بالغربة لا يعرف ثقافة غربية أو شرقية، إنه إحساس إنساني، ومهما يكن سبب نومها، إلا أنه أيقن حجم الضياع الذي كان يتملكها، حجم تأثرها وألمها من موقف صديقتها الأمريكية ( جين)، لقد باحت كاترين بما كانت تخفي، واستسلمت لسلطان النوم ..
لم يبق زاهر إلى جانبها طويلا، ليس خوفا من استيقاظ غرائزه، إلا أنه لم يشعر بالراحة، فقد اعتاد وحدته في السرير، أدمنها إلى درجة لا يستطيع أن يشاركه أحد ليلته سوى لساعات، لا يحتمل نفسَ أحد إلى جانبه، مهما كان معطرا وشهيا، لهذا، تسلل بخفة إلى الغرفة الأخرى، ارتدى بيجامته رغم أنه يحب النوم كما ولدته أمه، أقفل كل الستائر ليمنع دخول الضوء، نام على جانبه الأيمن، غطى رأسه أيضا كي يكتم شخيره المحتمل، واستسلم للسلطان ..



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق