الأحد، 20 يناير 2013

تجرحني وأكتبها

تجرحني وأكتبها..!


أنور الخطيب



لستِ امرأة

لأرفع قبعة النهار

كلما مررتِ في العتمة،

لستِ حبيبتي

كي أمرَّ ببيتكِ الياسميني

كلما ناوشَتني فكرة الموت

أو لامني قلبي..

لستِ طفلةً

كي أشتري ابتسامة منك

بقطعة حلوى..

لست أمي

لأغسل أصابع قدميك

وأوهمني بالجنة..

لستِ كأسَ نبيذ معتّق

أحتسيك كلما قرأت منفاي

أو كتبتُ نفيي..

لستِ إلهَة

كي أقدّم القرابين لعينيك

في عيد الزهور،

لست فكرة

تجرحني فأكتبها.. وأشفى..

لست قصيدةً

فأَغوي حروفها بالخيال

فتحضن معناي،

لستِ زوادةَ الغريب في طريق

ما له آخِر،

لستِ بيتا

أشتريه فأخلد للنوم

لست مأدبة ..

أدعو إليها الأصدقاء القدامى

ونشرب نخب الذاكرة

لستِ فاكهة الخطيئة

أمضغها فأتوب..

......

لو كنت كل هذا..

أو أي مفردة ممّا كتبتُ

لما كتبتْ..

واكتفيتُ بالتوّحش الأليف

في حدائق الفلاسفة..

أو رقصتُ مثل راعٍ لذئبة عطشى

وسهرتُ عمري كلّه

أعدّ ما استطعتُ من نجوم الليل

لأنثره في تفاصيل نهارك،

وشربت نبيذ الأرض

كي أرسم الهذيانَ في الأرض،

وقبّلت كل ما فيك قبلة واحدة

بطول وعيي،

ودخلت في النسيانْ،

لو كنتِ حلُما

لنمتُ عشر سنين كي أراك..

لو كنتِ غيمة

لنصبت كل فخاخي

واصطدت مسراك..

لو كنتِ قتيلة

لصلّيتُ لصاحب المعجزات

ابتهلتُ لربي..

كي يعجّل في القيامة،

لو كنتِ كل هذا

لما كنتُ هنا؛

أرسم موتي البطيء

على أرصفة الكلمات،

لو كنتِ كل هذا

لما كنت أنا أنا

واخترتُ أيّ مهنة لأسكب الوقت

على طاولات المقاهي العتيقة،

ورافقت الصعاليك في غزواتهم..

أنت لست كل هذا

ولست كل ذاك..

وتضجرني أسئلة..

يتلهّى بها المطمئنون:

- إلى أين تمضي بعد هذا المكان؟

فلا أجيب..

- وما الكتب التي ستقرؤ

في عمرك الباقي؟

فلا أجيب..

ليس لديّ ما يكفي من الحروف

كي أرصّها، وأحدّد معناك..

وليس في ذاكرتي مكان آوي إليه

بعد امتلاء خلاياي بالأسئلة،

بل ليس لي حبيبةٌ تحمل سرّك

كي أحضنها وأدّعي النبوّة..

لست نبيّاً..

كي تكوني في الأرض كل الأرض

وفي الجهات كل الجهات

وفي الموت كل الموت

وفي الحياة كل الحياة

وفي النساء كل النساء

وفي الرجال كل الرجال،

لستُ هذا..

ولستِ كلَّ ما تقدّم أو تأخر

من بلاهة الأسماء والأمكنة،

ولهذا، أسأل المستيقظين

عن طعم قهوتهم

في الصباح الكسول،

أحاديثهم لزوجاتهم

في المساء الخجول،

أسأل البحارة الفقراء

عن طعم الملح في بحارهم

أسأل الفلاحين عن حوار

بين سواعدهم والتراب

ولا يجيبني أحدٌ.. لكنهم يقولون:

"إنها بديهيةُ الحياة،

قد يجيبك الغرباء،

فهل أنت منهم..؟"

- "بلى، لكن ذاكرتي مقفلة..

- من أين أنت، ومن تكون؟

- مراهقُ باحث عن سبع سنابل

في سنبلة..

ونبيّ.. في مرحلة الحزن والأسئلة

......................







واقف بيني وبيني

واقفٌ .. بيني وبيني

أنور الخطيب

واقف .. بيني وبيني

بين جنوب ولادتي

أو ولادتي في أقاصى الجنوب

بين شمال الألم

أو ألم الشمال الذي لا يتوب،

يقول مرافقي في الـ ما بين بين:

"لا فرق في المفردات وأنت موزّعٌ

بين معانيك أو متاهات عريك،

وبين ما تركته نوايا أبيك،

بين ملامحك التي تبديك وسيماً

في خلوة تختلسها من غبار منفاك

وبين ملامحك التي توقظ الشك فيك

تقودك للسؤال العتيق:

"كيف جئتُ إلى هنا؟

أراني جميلا في المرايا

ويرونني كل ما يربك المارين

عند ارتداء الجحيم وجوه الصبايا"

...

واقف.. لا نية لي أن أرى

كيف كانت هيئتي قبل ستين هزيمة؛



كنت ما زلت نظرة حزينة

ترتدي تردُّدا في عينيّ أبي

ولا نية لي أن أكتبني

فوق صدر جنوبية لا ترى بي

سوى ما يراه نسيمٌ

حائرٌ فوق جلد البحر،

لكنني واقفٌ .. بيني وبيني،

وأنّا وقفت .. قريبا أو بعيدا

أكون بيني وبيني،

تلبّسني الشمال كلون عينيّ

تأبّطني الجنوب دون نية واضحة،

أحمل مرة عَلَمي ومرةً أخرى عَلَمي،

لِعِلمي أنني عَلمٌ لا عِلمَ لي

سوى ما علّمني، هذا الأحمر السهم

في ساحة القلب،

يبقى واقفا.. بيني وبيني،

وإن مال .. استعاد استقامته

من بياض دمي..

....

واقف .. بيني وبيني

لا أسمع شيئا سوى أنني

أرى صوت أبي هائما

على سور عكا..

وأسمع قلب فتاة يطفئ شمعة الميلاد،

صخور هنا، وقرية نائمة

في حضن سهل شقيّ،

يُضمر الشوق للعصافير الصغيرة،

وصخور هناك، وقرية لم تعرف النوم

منذ ميلاد المسيح،

تصرف ليلها في حياكة الضفيرة،

قال لي مرافقي للحدود: "جئت كثيرا هنا،

أعود في كل مرة أكثر عجزاً؛

شعري الأبيض يغزو..حتى حاجبيّ،

بصري يتقهقر نحو ضبابية الأشكال،

ماء مفاصلي يتبخّر، أمام عينيّ رُكبي،

قررت ألا أعودُ ثانية إلى الحدود،

لئلا تسيرُ عيناي أمامي ولا أبصرها،

لئلا يدحرجني الوقت في سلال الخطايا،

قال لي مرافقي يحرّضني على الموت:

لم لا تفعل مثلي،

حماية للوقت من عقاربه؟

قلتُ: بلى ولكن، ماذا سأفعل بالجنوب

لو اعتراه الشمال.؟ فقال:

العبْ مع الخيال:

حضّر صوت أبيك على نقالة الموتى

شيّعه ثانية كأنه الآن ودّعك،

وإذ تستهلكُ حزنكَ حضّر نظرة أمِّك

تلك التي شقّتك نصفين

قبل توحّدها بالردى،

وغلّفها بشهقة طرية طازجة،

وإذ تستهلكُ رحمك، تذكّر أخاك الطفل

وهو يغادر نار الشمال،

تتساقط منه براءته كلّ خطوة

حتى إذا استنشق المنفى صار ذئبا،

يرعى أسرة من وحوش أليفة،

سيكبر أفرادها ويصبحون؛ إما شاعرا

أو غريبا أو من صعاليك البنفسج

في قصور الراهبات..حتى الممات،

.....

واقف .. بيني وبيني

أتناسى وصايا مرافقي،

ينتابني الذئب والطفل والمسيح

والله والجنوب والشمال

تنتابني روح دمية مذبوحة

في بيت "صبرا"،

صراخ القبّرات في "قانا"

مسبحةٌ تسبّح الجرح وحدها

في "دير ياسين"..

يسكنني الشعر والنثر،

تضاريس الحبيبة

جغرافيا الأنبياء والأولياء

أنات عصافير مهزومة

ينتابني هذا الوقوف وحيدا،

بيني وبيني،

ينتابني مرافقي،

كبُر عشر سنين خلال وقوفي

هربت ملامحي إلى بصيرته

أضاعت ركبتاه مفاصله

توجه نحو الشمال وطار..

صار طيرا يرى ما لا أراه،

وبقيت واقفا..

بين بدايتي ومنتهاه

الأربعاء، 16 يونيو 2010

الفصل الثالث عشر من رواية فتنة كارنيليان

الفصل الثالث عشر من رواية فتنة كارنيليان
أنور الخطيب

لم يستيقظ أحد قبل الآخر، لم ينم أحد قبل الآخر، الساعات مرت، الزمن هو العنصر الوحيد الذي لم يتمكنا من إيقافه، كاترين وزاهر عجزا في اللحظة التي بدأ يتشقق فيها الصبح عن مقاومة سلطان النوم، أقنع كل واحد منهما ساعته البيولوجية أنه سينام لساعة أو ساعتين، تعطلت الساعة البيولوجية، فتح كل منهما عينيه في الساعة العاشرة، اعتقد الإثنان أن الآخر قد غادر الشقة قبله. نهض زاهر، خلع بيجامته وفانيلته وبقي بسرواله الداخلي، بدأ يجري تمارينه الصباحية المعتادة، نهضت كاترين، نظرت من النافذة، سرقتها مراقبة البيوت والسيارات والمارة، أحست بحرارة الطقس في الخارج، ذلك أعطاها إحساسا بخلع الدشداشة، وترتيبها، ووضعها على السرير. فتح كل منهما باب غرفته متجها نحو الحمام وهو مطمئن لوحدته، تقابل الاثنان غير مصدقين، استغرقا وقتا كي يدركا عريهما، عادت كاترين بسرعة إلى غرفتها، ارتدت الدشداشة من جديد، عاد زاهر بسرعة إلى غرفته ليرتدي البيجاما ..
توقعت كاترين، رغم عدم تخطيطها لعريها، أن يحتضنها زاهر ويسترها بجسده، توقع زاهر أن تتقدم كاترين خطوة إلى الأمام وتختبئ به، لكن تراجعهما بسرعة أدهش الإثنين، شك زاهر برغبته نحوها عندما راقب تموج جسدها داخل الدشداشة وهي متجهة إلى غرفة النوم، أدركت كاترين أن صدر زاهر ليس المكان الذي يمكنها اللجوء إليه لستر عورتها.
ظل الإثنان خلف بابين مقفلين، لا يدري أحدهما ما يفكر به الآخر، الأمر بدا كحلم يقظة، التقيا كغريبين يقطنان في غرفتين متجاورتين، سوء التقدير وضعهما في ذلك الموقف المحرج، تجاوزاه كأنهما لن يتقابلا مرة أخرى..
بعد مرور حوالي عشر دقائق، خرجا مرة أخرى في وقت واحد، تقابلا كأنهما لم يتقابلا قبل لحظات في وضع لا يقاوم، أبدى كل دهشته لتأخره في النوم، وتقبله للكسل المشروع ..
حول مائدة الإفطار التي حضرها زاهر دار حديث هامشي، صمت الإثنان وهما يرتشفان الشاي، رن هاتفا زاهر وكاترين في اللحظة ذاتها، أبدى أحمد قلقه على زاهر، فأخبره أنه سيغادر بعد قليل، طمأنه أن التقرير سينجز، أجابه أن كاترين موجودة، وإنها ستغادر عما قليل، قد يوصلها إلى المستشفى..
أنهت كاترين المكالمة، أخبرت زاهر: إنه مساعد السفير، يطلب منها الحضور بسرعة إلى المستشفى، رفض إخبارها عن حالة جين الصحية، ألح عليها بالحضور في أسرع وقت ممكن ..
تركا الإفطار على الطاولة في المطبخ، كانا خلال دقائق قليلة في سيارة زاهر.
- هل تعتقد أنه من الصواب توصيلي إلى المستشفى؟
- يمكنك النزول قبل باب الدخول بأمتار ..
- ألا تعتقد أن المكان كله تحت المراقبة، طالما أن الأمر وصل إلى فتح تحقيق وجمع بيانات؟
ضحك زاهر بصوت مرتفع، أبدت دهشتها من ضحكه، اعتقدت أنه يستهزئ بالإجراءات، أخبرها أن الوهم يسيطر على كثير من العقول وقال: هذا قدرها، أن تصاب بنوبة قلبية وهي خارج وطنها، نحن نؤمن بالقدر ونتقبله ..
- لا أعتقد أن كثيرين يؤمنون بالقدر، وإلا ما حدثت هذه الفوضى في العالم، هل تعتبر أن الفوضى قدر أيضا ..
- هنالك فرق بين أن نرضى بالأمر الواقع الذي يحاول الإنسان فرضه، وبين القدر الذي يعجز الإنسان عن تجنبه، أليس كذلك ..؟
- ربما، ولكنك .. لكنك قاومت القدر ..
- أفهم ما تقصدين، أود أن أقول بكل وضوح، ربما هنالك أحداث أخرى يرتبها القدر في الأيام أو السنوات القادمة..
- كيف، ألم يأت بي القدر إلى هنا كي اقابلك؟
- نعم، ولكن لو أراد لنا القدر أن نمضي الليل في سرير واحد لأجج فيّ أو فيك الغريزة، أنت كنت مترددة حتى في أشد حالات إغوائك، وأنا كانت تعيق تقدمي نحوك فجوة ما ..
- هل تعرفها ؟
- ربما .. وربما تكون هي القدر ..
- هل تعتقد أنه حصل مكروه لـ جين ؟
- سيكون قدرها، ولكنني أعتقد أنها ليست في صحة جيدة، هذا كل ما في الأمر ..
- في كل الأحوال سأكون حزينة جدا لو حصل لها أي مكروه، أفكر في أمر ما ..
- وهل يتعلق بصحة جين ؟
- نعم بشكل أو بآخر، ولكن جين لم تعد تملك أمرها الآن، إنهم يخططون لأمر ما ..
- وهل تتابع أمريكا قلوب كل الأمريكيين في الخارج ؟
- أنت دائم تسيّس الأمور ..
- هل ترسلين تقريرا عن قلبك إلى رئيس وزرائكم كلما سافرت خارج بريطانيا؟
- توقف عن هذا الهزل، زاهر، أنت لا تتعاطف مع جين ..
- يبدو أننا وصلنا، هل تودين إعلامي بالمستجدات، إن لم تكن سرية بالطبع ..
- أراك حولت المسألة إلى سخرية ..
- نقول في أمثالنا: شر البلية ما يضحك ..
- وهل جين شر البلية! لم أكن أعلم أنك تتميز بهذا الحس ..
- ربما من قلة النوم ..
- أدع الله لها بالصحة لأنك ستتحمل النتيجة، أليس هذا هو المستشفى، أنزلني هنا من فضلك ..
دخلت كاترين المستشفى، اندفع زاهر بسيارته مسرعا نحو عمله. ظلت كلمات كاترين ترن في مسمعه ( أنت ستتحمل النتيحة ..)، تساءل: هل تعني بأنني وراء إصابة جين بالنوبة القلبية، أم أنني سأتحمل نتيجة ما يحدث لكاترين! لا بأس، حين قتلت أنديرا غاندي قالوا بأنني وراء ذلك، وربما كنت وراء التصحر في إفريقيا، أو الأعاصير في فلوريدا، أو الزلازل في إيران، لا بأس.. سأتحمل النتيجة، رأسمالها حقيبة على الظهر وتذكرة طائرة ..
حين وصل زاهر إلى مكتبه وجد أحمد في انتظاره، وملامح قلق بالغ تحتل ملامح وجهه، ظن أن قلق أحمد يعود إلى احتمال حدوث متاعب له، إلا أن زاهر هدأ من روعه: لا تخف يا أحمد، لن أزج بك في أي موقف محرج قد يسبب لك الأذى..
رن تلفون زاهر، أخبرته كاترين على الفور: اسمع يا زاهر، هل يمكن أن تمر بي بعد الانتهاء من عملك ..؟
- هل ترغبين في أن أمر بك الآن؟
- لن أعطلك عن عملك، ثم أنني لن أكون وحدي، هل تمر بي؟ سأنتظرك في المقهى الذي تقابلنا فيه أول مرة ..
أقفلت الهاتف، فكر في كل الاحتمالات، أخبر أحمد : طلبت مني مقابلتها في المقهى بعد انتهاء الدوام، هل تفكر بزيارة جين ؟
أحمد : وهل سيسمحون لي ..؟
زاهر: أسرع إن كنت تنوي ذلك، يبدو أن الأمر في غاية الخطورة ..
لأول مرة يتصرف زاهر مع أحمد بطريقة لئيمة، أراد أن يعرف على وجه السرعة ما حدث لـ جين، وحتى يخفي هدفه أخبره: يمكنك البقاء إذا أردت أيضا، على الأقل ننتهي من عملنا ..
بدأ زاهر يتصرف كأنه أنهى الحوار، بينما كانت كل حواسه موجهة إلى كيان أحمد، في انتظار قراره، وحين طال تردد أحمد، سحب زاهر ملفا من درج مكتبه وبدأ يقلبه..
نطق أحمد أخيرا: حاول أن تكتب النتائج التي توصلنا إليها في موضوع إيران، وسنراجع التقرير حين أعود ..
هز زاهر رأسه وهو يقرأ دون تركيز ..
انتهى الدوام ولم يحضر أحمد، سلم زاهر التقرير لمسؤوله المباشر..
في الساعة الثالثة والنصف، كان زاهر يجلس في المقهى ذاته في مركز المارينا، لم يجد كاترين، لم يفكر بأي فرضية أو احتمال، بدأ يراقب الداخلين والخارجين، لم يحضره كوفي عنان، لم تثره الأجناس والألوان التي كانت تتحرك في الممرات بأعداد قليلة، جاءت العاملة الفلبينية روز، طلب عصير برتقال محلّى، في تلك اللحظة شاهد كاترين قادمة نحوه مسرعة، اعتذرت عن التأخير، طلبت شايا بالحليب المحلّى، أبدت دهشتها مباشرة لعدم إحضار عقد الكارنيليان الذي وعدها به صاحب المحل، أخبرها بأنه يحضر معظم العقيق من اليمن، تأسف لأن الشحنة لم تصل.
كان زاهر يستمع إليها دون اهتمام، أحضرت روز العصير والشاي، اشعل سيجارة، نادرا ما يدخن زاهر قبل الغداء، نظر إلى هاتفه ..
- أنت قلق، هل تنتظر مكالمة من أحد ؟
- لست قلقا، ولكن قد يتصل أحمد بي، لا تشغلي نفسك، قضية عادية ..
- اسمع يا زاهر، قرروا نقل جين إلى أمريكا للعلاج، استعادوا هاتفها ومفتاح الشقة، أخذت حقيبتي وغادرت المكان، كان برفقتي أحد موظفي السفارة، عرضوا علي حجز غرفة لي في فندق لمدة يومين، رفضت، حريتي أكبر من تكاليف غرفة في فندق، وجدت مكتب سفريات في البناية التي كانت تقطن فيها جين، حجزت للعودة مساء الغد، هل يمكنك استضافتي الليلة، الليلة فقط .. ؟
- كل هذه الأخبار دفعة واحدة ؟
- يمكنني حجز غرفة في فندق، أنا لم أصرف شيئا يذكر منذ أسبوع، لم تستفد أبوظبي مني كثيرا..
- اصطحبتك إلى شقتي قبل أن أعرفك، فكيف أرفض الآن ..
- لا شيء أكيد في هذه الدنيا، إنها الأقدار، ربما ترفض ...
- تسألك الأقدار عن طبقك المفضل للغداء ..
غابت الابتسامة عن وجه كاترين، والشقاوة عن حركاتها ولغتها، تناولا الغداء في أجواء شبه صامتة، تجولا في مركز المارينا حتى المساء، تحدثا بملل عن الأزياء والعطورات والموضة والمطاعم والشباب والبنات والحرية، وحين تعبا دخلا إلى السينما، شاهدا فيلم آلام المسيح.
في الطريق إلى شقة زاهر أسرت له كاترين: هل تعلم، إنها المرة الثانية التي أشاهد فيها الفيلم، اليوم تأكد لي إحساسي الذي راودني بعد مشاهدته في المرة الأولى..
- وما هو ؟
- حين يتم توظيف الدين لخدمة السياسة، تدفع الشعوب ثمنا باهظا، أرسل الله الأنبياء لإحلال السلام، فإذا بالبشر يوقدون نار الحروب ..
- البعض يغير في الدين ليناسب أطماعه وأهواءه الخاصة، يلبسها أفكارا وطنية، بينما الدين جاء ليتمم مكارم الأخلاق، يبدو أننا وصلنا ..
- ما رأيك لو أبقي حقيبتي داخل السيارة، هل الدنيا أمان ..؟
- بالتأكيد أمان ..
- هل تعلم، وضعت حقيبتي في المكان الذي أخذناها منه، في مدخل مركز المارينا، إلى جانب مكتب الأمن بعد استئذان الموظف، لم يرفض، لم يعطني إيصالا، عدت ووجدتها، كما رأيت، في مكانها دون أن تتحرك سنتمترا واحدا ..
- لو احتجت شيئا منها يمكنني إحضارها حتى لو كان الوقت فجرا ..
- شكرا، هذه الحقيبة الصغيرة تحتوي على كل ما أحتاج، ثم أن الدشداشة قد أعجبتني، هل ستبخل علي بها الليلة ..
دخلا الشقة، اتجهت كاترين مباشرة إلى الغرفة، قام زاهر بما يقوم به في كل مرة يدخل فيها شقته، فتح التلفزيون، كانت الساعة تشير إلى منتصف الليل، وأخبار الحرب في لبنان تنهال تباعا..
( اعتقال شخصين يشتبه في تعاملهما مع
إسرائيل في مدينة صور في جنوب لبنان، قتل جنديين إسرائيليين وجرح 17 في معارك برية عنيفة مع مقاتلي حزب الله في مثلث قريتي عيترون ومارون الراس وبلدة بنت جبيل. حزب الله يتبنى إسقاط مروحية آباتشي ويعلن تدمير خمسة دبابات وإسرائيل ترفض فكرة إسقاط حزب الله للطائرة، الجيش الإسرائيلي يعلن أسر مقاتلين اثنين من حزب الله في قرية مارون الراس، و إنه يتحفظ على جثث 13 مقاتل. رئيس أركان الجيش الإسرائيلي يؤكد خطر سقوط صواريخ حزب الله على تل أبيب "ما زال قائما" و الجيش الإسرائيلي يهدد بتدمير عشرة مبان في الضاحية الجنوبية مقابل كل صاروخ يطلقه حزب الله على مدينة حيفا. السيد حسن نصر الله يقول في مقابلة مع صحيفة السفير اللبنانية "أؤكد لكم أن هذا الهدف (وقف الهجمات الصاروخية) لن يتحقق إن شاء الله من خلال أي توغل صهيوني". شن الجيش الإسرائيلي غارات استعملت فيها القنابل الفوسفورية على قرية كفر شوبا. قتل أربعة مراقبين تابعين للأمم المتحدة في قصف جوي إسرائيلي إستهدف مركزهم في بلدة الخيام بجنوب لبنان) .
دخلت كاترين الصالون، جلست قبالة زاهر، نظر إليها نظرة خاطفة، أدرك أنها لم تكن ترتدي الدشداشة على لحمها، سألته: هل من جديد؟
- لا جديد سوى استخدام القنابل الفوسفورية وقتل أربعة جنود تابعين لقوات حفظ السلام ..
- وهل لا يزال هنالك سلام .. !
- يتحقق السلام حين يقتنع القادة بأحقية كل شعب في الوجود ..
- هذه إشكالية كبيرة، هل تؤمن بما قلت حقا ؟
- أنا أؤمن بأمر واحد، ولا بأس من تكراره، لو بحث كل امرئ عن أصله وطالب به والعودة إليه، لتغيرت الخريطة السكانية في العالم، هنالك دول ستختفي من الوجود، وهنالك شعوب ستترك بيوتها وأراضيها لتعود إلى أصلها، فهل هي على استعداد؟
- أراك تنادي بوحدة الوطن والإنسان ..
- لست مثاليا إلى هذا الحد، ولكنني على قناعة بأن بعض المنظرين وبعض الذين يدعون الوطنية، وبعض الذين يعتقدون بأنهم يمثلون الله على الأرض، هم سبب مأساة الإنسان، الزعامة لها ألف قناع وقناع يا كاترين، البعض يرتدي قناع الدين، وآخرون قناع الوطنية، وطرف آخر يرتدي قناع العلم وغزو الفضاء، الإنسان يبحث عن زعامة وسلطة، وكلما تورمت الأنا في داخله، انعكس التورم على العلم، وازداد موتا وحروبا ومشاكل ..
- أريد أن أستأذنك في أمر، هل تسمح لي بنشر حواراتنا في حوار واحد ونشره في صحيفتي؟
- أنا لا أبحث عن شهرة أو زعامة يا كاترين، هل قطعت آلاف الأميال من أجل هذه المهمة؟
- في الواقع أنا في إجازة، لكن الصحفية التي في داخلي تبقى تعمل ..
- أوافق ولكن بشرط ..
- موافقة على كل شروطك ..
- لا تتعجلي الأمر، إنه شرط صعب، أنا أعلم أن ما تكتبينه لن يكون حوارا معي فقط، ستكون قصة صحفية عن زيارتك، أليس كذلك ؟
- تستطيع أن تقول هذا ..
- شرطي أن تكتبي كل ما حدث معك ..
- ماذا تعني؟
- أعني أن تتضمن قصتك ما حدث لـ جين، والتحقيق الذي تعرضت له، وتدخل السفارة في الأمر، والتحقيق الذي أجري معي ومع أحمد ..
- أنا لا أعرف ما جرى في التحقيق معكما ..
- سأعلمك بكل شيء، ابتداء من مستشفى الطب النفسي وانتهاء بمقابلتنا ذلك اليوم، حين أصبت بنوبة ضحك، ولكن علي أن أناقش أحمد في الأمر.
- هل أفشي لك بسر ؟
- إن كان ليس سرا ..
- لا تتفلسف، التقطت صورا لـ جين وهي في المستشفى، كما التقطت صورة للسفير في أثناء زيارته لها، لدي كاميرا صغيرة جدا لا يمكن ملاحظتها ..
- ماذا لو منعتك من النشر !!
- سأستجيب، علاقتي بك أهم من كل القصص الصحفية ..
- هل تشربين شيئا؟
- لا، ولكن أريد شيئا آخر، أريد صورتك وصورة أحمد في حال موافقته ..
- ألم تلتقطي لنا صورا أيضا؟
- أنت صعب يا زاهر، بصراحة، لم أفعل..
كانت الساعة تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل، اقترح زاهر أن يخلد كل منهما للنوم، وقال: لا أريد أن يتكرر غيابي وتأخري خلال يومين متتاليين، القوانين لدينا صارمة، هل قلت لي عن ساعة إقلاع طائرتك؟
- في السادسة مساء ..
- لدينا متسع من الوقت، سأنقلك إلى المطار بعد عودتي من العمل ..
شكرته، اتجه كل منهما إلى غرفته، استغرقا في النوم حتى الصباح، استيقظ زاهر قبلها، في الساعة السابعة والنصف كان يقرأ الصحف في مكتبه، في الساعة التاسعة زاره أحمد، بعد نقاش دام ساعتين شمل تسليم زاهر للتقرير دون حضور أحمد، عدم تمكنه من زيارة جين، حواره الطويل مع الطاقم الطبي، ومسألة ظهوره في القصة الصحفية لكاترين. انتهى الحوار بموافقة أحمد على النشر ولكن دون صورته: الناس يا زاهر يقرؤون الصور، فلا تفضحني! هل تريدني أن أرافقكما إلى المطار ..
زاهر: أفضل أن نكون وحدنا، وهذا لا يزعجك طبعا ..
في الساعة الثالثة وعشرين دقيقة، طرق زاهر باب شقته، انتظر للحظات، ثم فتح الباب، كانت كاترين تتوسط باب الصالون، طلبت منه ألا يدخل المطبخ. فتح التلفزيون، نقل مباشر لمراسل الجزيرة من شمال فلسطين، وتذمره من إزعاج الإسرائيليين للصحفيين وعدم السماح لهم بالاقتراب من المواقع العسكرية أو في أماكن سقوط صواريخ حزب الله ..
سمع زاهر صوت كاترين تدعوه للدخول إلى المطبخ، استجاب بسرعة، كانت كاترين قد حضرت طعام الغداء، خضار بالدجاج في الفرن، وسلطة خضراء، أخفى زاهر تردده في تناول الطعام، لكنه تناوله بشهية في ما بعد، مبديا إعجابه ورقة تصرفها.
خلال دقائق كانا في طريقهما إلى المطار، قطعا مسافة لا بأس بها قبل أن يدور بينهما حديث، بدأه زاهر بإعادة شكرها على تحضير الطعام: منذ زمن لم يحضر أحد الطعام لي، لم ينتظرني أحد على الغداء أو العشاء، لم يتمن لي أحد ليلة سعيدة، لم يتفقدني أحد وأنا نائم، وأنت فعلتها يا كاترين..
- سألتك إن كنت تمتلك بيتا في مكان ما، وقلت لي بأننا سنتحدث في ما بعد ..
- امتلكت بيتا في لبنان ولم أسكنه، المكان الوحيد الذي أشعره بيتا حيث تكون أمي موجودة، قد يدهشك كلامي، أنا لا أشعر ولم أشعر بالاستقرار أبدا، لهذا، لا أعرف ما معنى البيت..
- أنت هنا منذ خمسة عشر سنة، ألا تشعر بالاستقرار ..
- اشعر بالإلفة وليس بالاستقرار ..
- أريد أن أطرح فكرة ما، ماذا لو تحضر إلى بريطانيا، أنت ككاتب ومثقف، قد تجد فرصتك بشكل أفضل، خاصة وإن لغتك الإنجليزية ممتازة ..
- وهل الأمر سهل إلى هذه الدرجة ؟
- وافق أنت، واترك الباقي على كاترين، أستطيع إحضارك خلال أسبوع ..
وصلا المطار، دخلا سويا إلى صالة المسافرين، لم يمنعه الشرطي من مرافقتها، انتهت بسرعة من إجراءات شحن حقيبتها وأخذ بطاقة دخول الطائرة.
وقفا وجها لوجه، شكرته على وقوفه إلى جانبها، تمنت أن يتواصلا، وعدها بالاتصال، تمنى لها رحلة موفقة، وما كادت أن تخطو خطوتين حتى ناداها زاهر، عادت إليه، وضع يده في جيب سترته، أخرج عقد الكارنيليان، فرده على كفيه: هذا كي يمنحك الطاقة والتفاؤل!
وضعه حول عنقها، لم تنطق كاترين، سحرتها المفاجأة، عانقته، طال عناقها له، رفعت رأسها عن كتفه، تأملت وجهه، وقالت بصوت متقطع: لا أرغب بالسفر..
ابتسم زاهر: قد نلتقي يوما ما يا كاترين، قد نلتقي، انقلي تحياتي لـ جين ..
أبو ظبي/ 2008



صدر للمؤلف
روايات
· الأرواح تسكن المدينة اتحاد كتاب وأدباء الإمارات
· رحلة الجذور مكتبة بيسان (بيروت - لبنان)
· أبابيل دار الكرمل (عمّان - الأردن)
· رائحة النار اتحاد الكتاب والأدباء العرب (دمشق)
· صراخ الذاكرة دار ميريم للنشر (بيروت- لبنان)
· ند القمر دار الكرمل للنشر (عمّان- الأردن)
· المدثر دار شرقيات (القاهرة - مصر)
· مندل دار الكرمل (عمّان، الأردن)
· مس من الحب دار الحوار ( دمشق)
مجموعات قصصية
· خازوق دار صوت الخليج (الكويت)
· مزايدات لجنة مناصرة المقاومة اللبنانية (الشارقة)
· مطر في موسم البرتقال اتحاد كتاب وأدباء الإمارات
مجموعات شعرية
· ألفة متوحشة مؤسسة الاتحاد للصحافة والطباعة والنشر (أبوظبي)
· سيدة التعب دار الكرمل (عمّان - الأردن)
دراسات
· المرأة وقيثارة الكلمة دار الفنار (دمشق)
· الثقافة في الإمارات في ربع قرن (مؤسسة الاتحاد للصحافة والطباعة والنشر(أبوظبي)

الفصل الثاني عشر من رواية فتنة كارنيليان

الفصل الثاني عشر من رواية فتنة كارنيليان
أنور الخطيب

انتهى دوام زاهر في الساعة الثالثة عصرا، لم يشأ العودة إلى المنزل، ساعة واحدة لا تكفي لإيداع التعب في البيت، استغرب للمكان الذي ضربوا له فيه موعدا، اندهش للتوقيت أيضا، مباشرة بعد انتهاء العمل، كأنهم يريدونه منهكا غير قادر على التفكير، ويراهنون على أسئلتهم التي قد تزيده تشوشا.
مستشفى الطب النفسي، حيث يجد المجهدون راحتهم، حيث الحديث ينطلق دون مطبات. في طريقه إلى المكان، أقنع نفسه أن لجنة التحقيق ستضم طبيبا نفسيا، أمر غير متوقع على الإطلاق، إن مجرد العلم بذلك يشكل أزمة نفسية، استبعد زاهر الفكرة، لكنها بقيت محتملة.
وصل قبل الوقت، في الساعة الثالثة والنصف عصرا، أوقف سيارته بعيدا عن مدخل المستشفى، اشعل سيجارة، استعاد كل جلسات التحقيق التي تعرض لها، كل مقابلات العمل التي، حسب رأيه، لا تختلف عن التحقيق، وإلا ماذا يعني أن يطلب منك أحدهم طلبا عجيبا (حدثنا عن نفسك)، بينما السيرة الذاتية التفصيلية أمامه أو أمامهم، ويعتقد زاهر أنه أسخف طلب يمكن توجيهه لإنسان يمتلك من الخبرات والأفكار والقراءات، ما يجعل لجان المقابلات والتحقيقات، البقاء لساعات طويلة أمامه، لكنهم يتذرعون بالقول أنه اختبار شخصية، هل يجيد الكلام والنطق؟ هل يتحمل مشاكسة المدير؟ هل يعرف كيف يبتسم وقت الأزمات؟ هل يتحدث الانجليزية بطلاقة؟ إنها جلسة أقرب إلى جلسات الاعتراف أمام طبيب نفسي، يذهب الناس إليه طواعية ليتحدثوا بحرية.
يعرف زاهر ويدرك أن المقابلة التي ستتم بعد دقائق ليست مقابلة للحصول على وظيفة، ربما تكون مقابلة للخروج من الوظيفة، فبعد السؤال الأول، حدثنا عن نفسك، سيقاطعه المحققون بالسؤال عن الدراسة الجامعية، وحين تحضر إليه أجمل أيام حياته، وأجمل امرأة قابلها في عمره، يقاطعونه بسؤال حول انتمائه السياسي، وهل انخرط في دورات للتدريب على السلاح، ومع أي تنظيم...
قرر زاهر ألا يجهد نفسه في وضع سيناريوهات للمقابلة، أسوأ شيء سيكون مغادرة الدولة إلى دولة أخرى. كان زاهر يعتقد أن أماكن الغربة متشابهة، لكنه بعد إقامته في الإمارات اكتشف أنها ليست متشابهة على الإطلاق، أبو ظبي امتصت غربته، ربما لطول بقائه، ربما للحياة المنفتحة، ربما لأناسها الطيبين، وشعر أن الغربة الحقيقية ستكون في المغادرة الفعلية، فزاهر لا يعتاد الأماكن بسرعة، ولا يعتاد الشعوب أيضا بسرعة، يحتاج فصولا كي يتأقلم مع روائح التربة والرمال وهدوء البحار أو أعاصيرها، يحتاج زمنا كي يعرف للنوم مسارا هادئا.
استخلص أخيرا بأنه المسألة عادية جدا، إنسانة أصيبت بنوبة قلبية، التدخين والقهر والنبيذ والروبيان، تساوي أول أوكسيد الكربون والنيكوتين والدهنيات والكلسترول، معادلة واضحة ..
منذ زمن لم يدخل زاهر في تجربة المراقبة أو الرصد، شكر الله أن الوقت المتبقي على المقابلة قليل، وإلا سيبدأ برؤية الجماد يتحرك، والأشجار ترقص، والملامح تتشابه.
لم يلحظ زاهر دخول شخصيات رسمية أو استعدادات غير طبيعية، تساءل: أتراهم وصلوا في الساعة الثالثة؟
حين دلف زاهر من الباب الرئيس، استقبله شاب وسيم، لا هو بالغربي ولا بالشرقي، لا هو بالقصير ولا الطويل، لا هو مبتسم ولا عابس، لا هو نحيف ولا سمين، لا يوحي بالراحة ولا بالتوتر، لا يحب ولا يكره، شعر زاهر أنه أمام إنسان آلي. قابله الشاب مبتسما مرحبا، قاده عبر ممرات كثيرة، على جدرانها صور وإرشادات وتعليمات، أشعره أنه يحفظ المكان عن ظهر قلب، توقف عند باب مقفل، فتحه بسهولة، رجاه أن يدخل، وجد زاهر نفسه في غرفة واسعة، جدرانها بيضاء، عارية تماما، لا أثاث فيها، كرسي فقط يتوسط الغرفة، أمامه طاولة صغيرة جدا، عليها مطفأة تتسع لأعقاب ثلاثة سجائر، دعاه للجلوس، غادر الشاب، أقفل الباب خلفه، بقي زاهر في الداخل، أغمض عينيه قليلا، سحب شهيقا عميقا حتى امتلأت رئتاه، أطلق الهواء بهدوء وببطء، كرر ذلك خمس مرات، أدخل البياض كله في شرايينه كأنه موجات ضوء، رسم على جدران الغرفة بساتين من البرتقال، وحقول نرجس وشقائق نعمان وجداول مياه، رسم نسيما يهمس لأغصان الأشجار ويقبل أوراق الورد، وحين فتح عينيه جاءه صوت ظن زاهر أنه يأتي من كل الزوايا والسقف وأرضية الغرفة: هل انتهيت ؟
زاهر : لم أبدأ كي أنتهي ..
الصوت: كيف حالك يا زاهر؟
زاهر: الحمد لله.
الصوت: هل تمارس اليوغا ؟
زاهر: كلا ...
الصوت: ماذا كنت تفعل إذن؟
زاهر: شأن داخلي ..
ضحكت جدران الغرفة
الصوت: هل تجلس كثيرا في مركز المارينا ؟
زاهر: أحيانا..
الصوت: هل تشرب القهوة؟
زاهر: العربية فقط ..
الصوت: هل تتردد كثيرا على الهمنغواي كلوب؟
زاهر: حين أريد صوتا أعلى من صوتي ..
الصوت: هل يعجبك النبيذ ؟
زاهر: توقفت عن شربه منذ سنوات؟
الصوت: ولم، إنه يقوي الدم..
زاهر: مغشوش في معظم الأحيان..
ضحك سقف الغرفة
الصوت: هل تعجبك كاترين؟
زاهر: مثقفة ..
الصوت: وماذا أيضا؟
زاهر: منفتحة ومحبة للسلام..
الصوت: هل تشاهد التلفاز كثيرا ..
زاهر: الأخبار.. خاصة هذه الأيام ..
الصوت: ما هي مشاريعك الأدبية القادمة؟
زاهر: رواية ..
الصوت: هل يمكن التعرف على موضوعها؟
زاهر: أنا ..
الصوت: من أنت ؟
زاهر: تماما، كما تجدني في هذه الغرفة ..
الصوت: هل أنت منزعج؟
زاهر: دائما ..
الصوت: متشائم ؟
زاهر: كلا ...
الصوت: متفائل ؟
زاهر: كلا
الصوت: لماذا لم تتزوج حتى الآن ..
زاهر: حتى لا تمتلئ هذه الغرفة ..
ضحكت الأرض ..
الصوت: هل ستقابل كاترين هذا المساء ..
زاهر: لا بد من الجلوس إليها ..
صفقت الجدران والسقف والأرضية ..
الصوت: شكرا، ونأسف على إزعاجك..
زاهر: لا يوجد إزعاج ..
الصوت: ماذا يوجد إذن؟
زاهر: فصل آخر في رواية، تجربة أخرى ..
الصوت: تجربة مهمة؟
زاهر: نحن نعطي التجارب أهميتها ..
الصوت: نحن معجبون بإجاباتك، سنلتقي ذات يوم ..
زاهر: ....
الصوت: بإمكانك المغادرة، شكرا مرة ثانية ..
دخل الرجل ذاته، مبتسما كعادته، صافحه بحرارة، شكره لحضوره، قاده عبر الممرات ذاتها، ودعه عند باب المبنى الزهري، واختفى ..
وثب زاهر إلى سيارته، كانت الساعة تشير إلى الرابعة والنصف، لم يفكر بالمقابلة / التحقيق، لم ينظر إلى مدخل المستشفى، انطلق فورا ولكن بهدوء، قرر زاهر الذهاب إلى السينما، اختار فيلما مصريا كوميديا (الكتكوت) عمدا، ما يميز الممثل محمد سعد أنه يجسد الرسوم المتحركة في حركاته وأدائه، يغرق في المبالغة، يعيش دوره حتى الثمالة. ضحك زاهر أكثر من كل الحاضرين، ضحك للمشاهد التي لا تثير الضحك، انتهى الفيلم وهو يضحك، كتبت النهاية وهو يضحك، غادر المشاهدون مقاعدهم وبقي على مقعده يضحك، أدرك أنه وحيد في صالة السينما، حين نظر إلى المقاعد الفارغة ازدادت قهقهاته، تمنى لو يستطيع حجز كل مقاعد صالة السينما، يجلس على المقعد الأخير، يضع قدما على أول مقعد في يمين الصالة، والقدم الأخرى على أول مقعد على يسارها، ذكرته الصالة الفارغة بالغرفة الخالية، بالتحقيق، خيل إليه أن الأسئلة القادمة ستكون: هل تحب الكتكوت، هل تحب الضحك، هل أنت معجب بمحمد سعد، هل أنت مع الثأر، ولماذا تريد أن تجلس وحدك في صالة السينما؟ تخيل الصوت وهو يطرح الأسئلة وهو يضحك، سار في ممرات المارينا مول وهو يضحك، اتجه إلى ذات المقهى الذي قابل فيه كاترين، تلاشى ضحكه تدريجيا، كانت الساعة تشير إلى الساعة السابعة والنصف، وضع هاتفه وسجائره ومفاتيح سيارته على الطاولة، سمع صوتا يسأله باللغة الإنجليزية: هل بإمكاني استخدام هاتفك للحظات يا سيدي؟
أجابها: وهل ستدفعين؟
قالت: سأدفع، استعدت محفظتي وكل أوراقي الثبوتية ..
ضحكا، جلست كاترين، واصل هو الضحك حتى دمعت عيناه، دهشت للأمر، ما لبثت أن شاركته ضحكه، توقفا تدريجيا ..
كاترين: ما سر هذا الضحك يا زاهر .. ؟
زاهر: هذا ليس ضحكا يا عزيزتي، هذه نوبة ضحك، تشبه تماما النوبة القلبية، لكن الفرق بين النوبتين، أن الناس ينظرون إلى من يصاب بنوية الضحك على أنه مجنون أو على مشارفه، بينما يصفون من يصاب بنوبة قلبية بأنه مريض..
كاترين: وهل تصاب دائما بنوبات الضحك هذه؟
زاهر: هذه أول مرة، ربما بسبب ما مررت به اليوم ..
كاترين: وهل يمكنني معرفته ؟
زاهر: في مناسبة أخرى ..
كاترين: هل تدري، بغض النظر عن نوبة الضحك هذه، والتي أفهمها جيدا، إلا أن ضحكتك رائعة، وابتسامتك جذابة، هل يمكنني قول ذلك ؟
زاهر: قلت أكثر وفعلت أكثر، استئذانك يثير فيّ الضحك، فلا تستأذني مرة أخرى، وقولي ما شئت، هنالك حرية في التعبير يا عزيزتي، حرية في طرح الأسئلة، حرية في الأجوبة، حرية ..
كاترين: لا تشعرني بأنك غير طبيعي اليوم ..
عاد زاهر إلى جديته: بالله عليك، وإلهنا واحد، رغم أن إلهكم دللكم كثيرا، اذكري لي أمرا طبيعيا واحدا حدث أمامك اليوم؟
كاترين: معك حق، واصل الضحك إن شئت، ولكنني لا أستطيع مشاركتك، هل يمكنك مرافقتي إلى المحل الذي رأيت فيه عقد العقيق .. الكارنيليان ؟
زاهر: توقفي عن الاستئذان يا كاترين، أرافقك بالطبع، ولكن أخشى ألا تجدي العقد..
كاترين: ربما لا أجده، ولكنني لست ذاهبة بهدف شراء العقد..
في اللحظة التي قررا فيها المغادرة، اقتربت العاملة الفلبينية روز، تأسف لها زاهر، وعدها بالعودة خلال دقائق معدودات ..
اختارت كاترين حجر عقيق كبير الحجم، اخترقه خيط ثخين، تداخلت فيه درجات الأحمر (الكارنيليان)، دفعت ثمنه، خرجا من المحل، أخبرت زاهر بأن العقد الذي أسرها لم يعد موجودا، اشترته إحداهن أو أحدهم، وصلا المقهى، حضرت روز مسرعة، طلبا عصير ليمون لزاهر ونسكافيه بالحليب لكاترين. تأملها، ابتسم لها، سألها إن كانت تستعد للسفر!
كاترين: ما دعاك لقول هذا؟
زاهر: شراؤك للكارنيليان، هذا يعني أنك تستعدين للمغادرة..
كاترين: أولا، ليس من الصداقة أو الإنسانية أن أترك صديقتي وهي مريضة، ثانيا، لم أشتر الكارنيليان لنفسي وإنما لـ (جين)، قد يساعدها على استعادة طاقتها، رغم أن..
لم تكمل كاترين كلامها، ربما أرادت التعليق على طلبهم منها عدم البقاء إلى جانب صديقتها، ربما سمعت شيئا حول التحقيق، ربما حققوا معها هي أيضا، تذكر زاهر الأسئلة، أدرك أنهم فعلوها، وربما عاملوها كشاهدة ..
غرقت كاترين في حزن شديد، حاولت إخفاءه بابتسامة باردة، قالت: في الواقع لدي رغبة شديدة في العودة إلى بريطانيا، على الأقل قبل أن أصاب بنوبة قلبية، أو نوبة ضحك، لكنني لا أستطيع الآن، يجب أن أودعها، يحزنني أنني لا أستطيع وضع حجر الكارنيليان حول رقبتها، أنت تعلم بأنه يقوي الروح ويرفع المعنويات، ربما لا تؤمن جين بهذا، ولهذا كنت أود أن أمنحها من طاقتي وأنا أضعه حول رقبتها، أخشى ألا أتمكن من ذلك، تحولت غرفة جين إلى ما يشبه الحصن المنيع، حتى أنا يا زاهر لا أستطيع زيارتها إلا ضمن ترتيبات معينة، وأنا لا أريد أن يخضع هذا الكارنيليان للفحص، يجب أن يكون نظيفا من البصمات، لا بأس، لا بأس ...
زاهر: لقد قمت بواجبك، نقلتها إلى المستشفى رغم أنك غريبة هنا، وقضيت الليل إلى جانبها، وتحضرين لها الآن هذا الكارنيليان المسكون بالعفاريت والقوة، لست مسؤولة عن مرضها ..
كاترين: هل تعلم، أخشى أن يحملني أهلي السبب، فيقولون أنها اضطرت للسهر معي والترفيه عني، فزاد استهلاكها للشراب والسجائر والطعام وربما ممارسة الجنس، ومنعت نفسها من النوم فأصابها الإرهاق، واضطربت دقات قلبها ..
فضل زاهر الصمت، ألقى نظرة على مدخل مركز المارينا، شاهد امرأة تمشي بهدوء، تحيطها هالة حزن، وضعت قدمها على أول الدرج الكهربائي فابتلعها، وغابت عن أنظاره.. تذكر سطورا متفرقة من قصيدة للشاعر الفرنسي بودلير، فقالها باللغة العربية، مستعينا بترجمة حنا وجورجيت الطيار..
( عيناك الجميلتان متعبتان/ أيتها العاشقة المسكينة/ احتفظي بهما مغمضتين طويلاً/ في هذا الوضع الفاتر الذي فاجأتك عليه اللذة .. ) كاترين: ماذا تقول، لم أفهم العربية بعد..
زاهر: هذه أبيات للشاعر بودلير، من ديوان أزهار الشر، سأحاول ترجمتها لك ..
كاترين: هل تحفظ التكملة ...
زاهر: النافورة تثرثر في الفناء ولا تسكت/ لا في الليل ولا في النهار/ إنها تغذي بهدوء, النشوة التي أغرقني بها الحب هذا المساء ..
كاترين: وهل تشعر بالحب هذا المساء؟
زاهر: أشعر أنني في حاجة إلى الحب، حين قرأت عن حياة الشاعر بودلير، شعرت بأنني أشترك معه في أمر مهم جدا، البحث عن حنان الأم في الحبيبة، وجدته مرة، ولم أعثر عليه مرات ..
كاترين: حدثني عن بودلير ..
زاهر: أعلم أنك قرأت عنه، أكاد أجزم بذلك ..
كاترين: حدثني أرجوك ..
زاهر: كانت طفولته تعيسة، فضل التشرد على كل شيء، كان يبدد كل النقود التي يحصل عليها، كان يمنحها للنساء بشكل خاص، كان محط استغلالهن، سوى امرأة واحدة، ويا للصدفة اسمها جين ..
كاترين: جين ؟!
زاهر: نعم جين دوفال، كان يقول عنها: "إنها تضمد الجراح التي في عقلي.." كان بودلير يا عزيزتي يبحث عن حنان الأم في النساء، لكنه لم يجده على ما يبدو، وزادت معاناته حين تزوجت أمه للمرة الثانية من رجل عسكري قاس، كان بودلير في نظره مجرد إنسان بائس شاذ. لم تعد أمه إليه إلا وهو ممدد على سرير نهايته، لا يتحرك فيه سوى عينيه، كان يتمتم بكلمات مبهمة: (الدنيا تزداد شحوبا، إني أرتجف، أريد أن أنام.. )، ونام إلى الأبد، هل هذا ما أردت معرفته؟
كاترين: هل تعلم، حين يضع الشاعر عصارة روحه في أشعاره، ثم يأتي ناقد لا يرى من الأشياء سوى مظهرها، ويكيل إليه التهم، كانت التهم بحق بودلير عنيفة جدا، خاصة المقالة التي نشرت في جريدة لوفيغارو، والتي خيبت أمل بودلير كثيرا، اتهمته بالأباحية، والشذوذ والجنون، وبأن كلماته بذيئة ومقرفة، لكن يكفيه أن فيكتور هوجو أنصفه، فقد خاطبه قائلا: " لقد أحدثت بديوانك هذا زلزالا جديدا في سماء الفن والثقافة".
زاهر: هل تعلمين، في مثل هذا الشهر قبل مائة وخمسين عاما تقريبا، وجه المدعي العام تهمته لبودلير، وكانت نتيجة المحاكمة، تغريمه بمبلغ قدره ثلاثمائة فرنك، ومنع ديوانه من التداول بتهمة دعوته للإباحية .بينما حكم عليه بالبراءة من تهمة تنديده بالأعراف والقيم الدينية في نفس الديوان. كاد المدعي العام يود سجنه، لكنه لم ينجح..
كاترين: هل تعلم متى رفع الحظر عن ديوانه؟ كان ذلك في 31 مارس 1949، أي بعد حوالي مائة عام، هذا حدث في فرنسا الحرة، وذاك حدث في بريطانيا الديمقراطية،،
زاهر: ما رأيك بما تعرض له المفكر الفرنسي جيرودي؟
كاترين: بغض النظر عما كتبه جيرودي، أنا ضد مقارعة البحث العلمي بالسلطة، لقد كتب بحثا علميا، كان يجب أن يرد عليه خصومه ببحث علمي آخر، أليس كذلك ..
زاهر: هل حقا هذا رأيك ؟
كاترين: أنت مندهش بالتأكيد، وأعرف سبب اندهاشك، ولكن، ألم تسمع بالكاتب جون روز، وألم تقرأ عن فرقة يهودية تعتبر قيام دولة إسرائيل وبالا على اليهودية والعالم، أنا منهم، إذا أردنا أن نتحاور، ويفتح العالم عقله على الحب والسلام، لنبدأ من هنا، من أنه من المستحيل أن تعيش دولة تستند إلى عقيدتها، بينما كانت محصلة التاريخ وجود كثير من المسلمين والمسيحيين في فلسطين.. أعترف بأن اليهود كانوا قلة، وأكرر معك أنه لو بدأ كل فرد في البحث عن أصله ونسبه وحقوقه الدينية والتاريخية، لتبدلت خارطة العالم الديمغرافية والثقافية والعرقية، ولوجدنا أقواما عديدين يتحدثون لغات عديدة في كل كيلومتر مربع ..
صمت زاهر ثم ردد مقطعا من قصيدة لبودلير: ( ما همني أن تكوني حكيمة عاقلة/ أريدك جميلة حزينة/ فالدموع تضفي على الوجه/ السحر الذي يخلعه النهر على الطبيعة/ كالعاصفة تجدِّد شباب الأزهار/ أحبك عندما يهرب الفرح من جبينك المُرتاع/ وعندما يغرق قلبك في الرُّعب/ وعندما تنتشر على حاضرك/ غيوم ماضيك المثقل بالخطيئة/ أحبك عندما تذرف عيناك الواسعتان/ دمعاً ساخناً كأنه الدم .. )
كاترين بعد سماعها لترجمة بالإنجليزية: كأنك تخاطبني ..
زاهر: ليس تماما، بودلير يبجل الدمع لدوره في تطهير النفس ..
كاترين: وأنا أحتاج لهذا الدمع أحيانا ..
زاهر: وهل غيوم ماضيك مثقلة بالخطيئة؟
كاترين: لا تعزف على وتر آخر، كأنك لا تصدقني ..
زاهر: بل أصدقك ..
كاترين: وهل تصدق أنني أرغب في توسد صدرك؟
زاهر: يبدو أنك خضعت للتحقيق ..
رن هاتف زاهر، ظهر اسم أحمد: مرحبا أحمد ..
جاءه صوت أحمد وهو في سيارته: هل تتردد دائما على قصر الإمارات؟ هل تحب تناول القريدس؟ لماذا ترتدي البنطلون والقميص أحيانا؟ كم ساعة تنام في النهار؟ لماذا لم تتزوج حتى الآن؟ ما هي آخر مشاريعك البحثية؟ هل تهوى القنص بالصقور، لماذا لا تطلق لحيتك ؟
كان أحمد يغضب ساعة ويضحك أخرى، وزاهر يهون عليه، استمر أحمد في طرح الأسئلة: هل تحب النساء الأوروبيات؟ النحيفات أو السمينات، ذوات الصدور العارمة أم الصدور الصغيرة؟ هل تحب القهوة التركية، هل تتردد على لابريوش كثيرا ؟ ما هي آخر قصائدك ؟
زاهر: أنت في حاجة ماسة إلى (الكتكوت ..)
أحمد: هل ترافقني؟
زاهر: أنا مع كاترين حاليا ..
ضحك أحمد ضحكة عالية، استمر يقهقه كأنه ثمل، وقال: وأنا أقود سيارتي بسرعة مائة وسبعين كيلومترا في الساعة باتجاه مدينة العين، بعد قليل سأنحرف إلى الصحراء، هل تصحبني ..؟
زاهر: أنا وكاترين؟
أحمد: أنت وكاترين وكل العالم، تعالوا إلى الصحراء، أنا في انتظاركم، تعالوا، سألقي عليكم خطبة الفراغ والليل والخيل والبيداء لا تعرفني.. قهقه مرة أخرى، واقفل الهاتف ..
أرسل له رسالة هاتفية: سلم على الصحراء، ولكن عد بأمان ..
زاهر: هذا أحمد، أصيب بنوبة ضحك، وذهب للصحراء ليداوي نفسه ..
كاترين: ما رأيك لو نتبعه؟
زاهر: سيارتي لا تسير بالدفع الرباعي، حتى لو كانت كذلك، فأنا لم يسبق لي السير في الصحراء باستثناء مرة واحدة، أخذتني امرأة بدوية خارج المدينة، وكان الأمر مدهشا ..
كاترين: هل تمانع لو طلبت منك تغيير المكان، فكرة الصحراء جعلتني أشعر بحاجتي لمدى واسع..
وافق زاهر فورا، دفع الحساب لروز، خلال دقائق كانا في السيارة، خلال دقائق أخرى، كانا على الطريق السريع خارج المدينة، بعد عشرين دقيقة انحرف زاهر يسارا، بدا الشارع مستقيما وطويلا ومضاء، على جانبيه عتمة يبعثرها ضوء قمر مكتمل، عكس نوره على بعض التلال فظهرت تكوينات وأشكال يلفها غموض أليف.
كاترين: حدثني عن تلك المرأة البدوية ..
زاهر: المرأة البدوية مثل هذه الكثبان الرملية تحت ضوء القمر، فيها غموض أليف، والفة غامضة، بالقدر الذي كنت اشعر أنني كنت أدخل عالمها، كنت أشعر بالقدر نفسه، أحيانا، أنني على حوافه، كانت ذكية إلى درجة الإرباك، النظر إليها دخول في المجهول اللذيذ، والارتماء في أحضانها حفلة عطر مسكرة، كانت شاعرة، هذا المكان يهيج الشعر لديها، كانت تقول لي: لا أريد من الدنيا غير وجودك وهذه الصحراء .. وتنشد الشعر الشعبي. كنت معظم الوقت في حالة إصغاء، أعقب بجمل قليلة، كانت ترى كلماتي فلسفة تستفز أفكارها، قالت لي بأنها دائمة القدوم إلى هذا المكان، حيث كل شيء يعود إلى أصله. طلبت مني أن أوقف مكيف السيارة، وأقلل سرعتها، وأفتح النوافذ، هل تعلمين يا كاترين، دخل هواء صاف، لم يكن باردا ولا حارا، لكنه كان خفيفا ومنعشا، كأن حبيبات الرمل الناعمة عملت على تصفيته، دخلنا إلى منطقة رملها صلب، ووقفنا داخل الصحراء .. وترجلنا ..
كاترين: هل عانقتها في هذه الصحراء عناقا حرا ..
زاهر: نزلنا من السيارة، ابتعدنا عنها، بدت المرأة وكأنها تسير في حديقة بيتها، وقفنا، طلبت مني الاستماع للصحراء، للأصوات البعيدة القريبة، لحديث القمر مع الكثبان الرملية، لم أعانقها، وقفنا متجاورين، شعرت أننا وحدنا في هذا العالم، وثمة ما يجذبنا للدخول أكثر، لكننا لم نفعل، مشينا يدا بيد، للصحراء حياء يفرضه وضوحها، منبسطة كجبين طفل، متعرجة كوجه امرأة مسنة، أدركت حينها مصدر الحكمة، ومعنى العشق، بل أدركت أيضا معنى الموت والغياب ..
كاترين: وأنا الآن أدرك معنى التيه ..
سحبت كاترين حجر الكارنيليان من حقيبتها، وضعته في راحة كفها، عانقت أسراره ضوء القمر، بدأ الحجر يتلون، عينا كاترين تحملقان به، اخترقته، تراءت لها جموع تائهين في الصحراء، بحر ينشق، غيوم حمراء سوداء تلبد السماء، رعد يخترق الآذان، مطر حار يلسع وجوه الجموع، ثم انقشاع وانفراج وصمت وعزلة شديدة، قوم داخل مكان يحيطه سور يرتفع ليلامس الغيم الأبيض، وقرقعة حرب .. قبضت كاترين على حجر الكارنيليان، أغمضت عينيها لثوان ثم فتحتهما، كان وجه زاهر يعانق المدى الساحر، يحاكي القوافل القديمة والرايات، وصوت أحمد وهو يردد أشعار أبي الطيب المتنبي، وصورته وهو يود أن يخطب بالفراغ والخيل والليل والبيداء ..
فجأة، ركضت كاترين، كالأطفال الذين تأخروا عن اللحاق بأهليهم، وحين لم تتوقف تبعها زاهر، ظلت تركض حتى وصلت تلة، صعدتها إلى نصفها، رمت جسدها فوق الرمل المعجون بضوء القمر، استلقت على ظهرها، وصلها زاهر، وفجأة وجد نفسه مستلقيا على جانبه بقربها، ينظر في وجهها، أقفلت عينيها: ( قبلني .. قبلني .. عانقني.. أكاد أموت ..). وضع زاهر كفه على يدها التي كانت على بطنها، نقلها إلى شعرها، مسد جبينها، قرب فمه من فمها، في تلك اللحظة سمع حركة في المكان، استنفرت كل حواسه، مسح المكان بعينيه، كانت ناقة تنظر نحوهما بعنين لامعتين، تحركت بعدها باتجاه أضواء الشارع التي لم تكن بعيدة، أخبر كاترين أنه من الأفضل العودة إلى السيارة ومغادرة المكان بسرعة..
كاترين: لا تعطل علي متعتي، إنها أعظم تجربة تمر في حياتي، عانقني لدقيقة واحدة فقط، سأسجل هذه اللحظة في تاريخي.
مد زاهر يده طالبا منها النهوض: المكان مسكون يا كاترين، رأيت ناقة هناك..
كاترين: لا أرى شيئا ..
زاهر: إنني أراها، إنها تبتعد ببطئ
كاترين: سيعود المكان لنا ..
نظر زاهر إلى الناقة، لم يكد يلحظها حتى اختفت: ( اختفت الناقة يا كاترين .. )
كانت كاترين لا تزال تمسك بحجر الكارنيليان، تشد عليه بقبضتها، شدت أكثر حين أخبرها باختفاء الناقة، نهضت، فتحت يدها مرة أخرى، شاهدت شكل ناقة داخل الحجر، أعادته إلى حقيبتها: دعنا نعود ..
أمسك بيدها، مشت كاترين بقلب ينتفض، وصلا السيارة، واجهته قبل أن يدخلا، قالت له بصوت هادئ هامس: أنا مذعورة وخائفة وتائهة ألا تهدئ من روعي؟
زاهر: وماذا لو ظهرت الناقة ثانية، صافحي الصحراء بجبينك، خذي شهيقا عميقا، أدخلي ضوء القمر إلى رئتيك وشرايينك وأطرافك ..
فعلت كاترين، دخلا السيارة بهدوء، خرجا من الصحراء، وقبل أن تلامس عجلات السيارة الشارع الإسفلتي المضاء، ظهرت الناقة من جديد ثم اختفت: صرخت كاترين: الناقة، إني أراها..
هواء الطريق إلى المدينة لم يكن منعشا وباردا، ظلت كاترين حبيسة تساؤل عن سر تردد زاهر في تقبيلها واحتضانها، ظلت تفكر بالمكان المأهول والناقة التي ظهرت في الصحراء، حجر الكارنيليان، بانطلاقتها المفاجئة فوق الرمال واستلقائها على منتصف التلة، لكن السؤال الأكثر حيرة، والذي ظل يدور في رأسها هو تردد زاهر في تقبيلها. فكرت في أن تسأله أو تعاتبه، لكنها أحجمت، نظرت إلى صمته وهو يقود سيارته بهدوء في شارع مستقيم خالته بلا نهاية، لكن الطائرات المقلعة والهابطة من وإلى مطار أبو ظبي أشعرتها باقترابها من المدينة، ومن حركة الحياة من جديد. لم ينظر إليها زاهر، طلبت أن تسمع شيئا من الموسيقى، لكنه فاجأها بسؤاله: ماذا رأيت في حجر الكارنيليان حين رفعته في الصحراء؟
- وهل ستتقبل رؤيتي؟
- ليس بالضرورة، لمجرد العلم، هي رؤية خاصة بك؟
- رأيت جموعا تائهة في الصحراء، ثم رأيت نفس الجموع في مكان محاط بأسوار تلامس الغيوم.
- ألم ينتهي التيه بعد ؟
- هل سمعت بجماعة أنطوري كارتا؟
- كلا ..
- يبلغ عددهم حوالي نصف مليون يهودي خارج إسرائيل أو فلسطين كما تشاء، يؤمنون بأن إسرائيل انحرفت عن الوصايا الثلاثة للرب بعد خروجهم من المنفى، والوصايا هي: ألا يؤذوا الآخرين، وألا يحتلوا أرض إسرائيل بالقوة، وثالثا ألا يتعجلوا الأمور. أنا متأكدة بأنك قرأت قصة موسى، وقصة الأربعين سنة ..
- وقرأت ما فعله نبوخذ نصر في بابل، وحروبهم مع المسلمين في شبه الجزيرة العربية.. كاترين: قد يكون هذا في التاريخ البعيد، لكن الملك إدوار الأول طردهم من بريطانيا في العالم 1320، وطردوا من المجر في العام 1360، ومن هولندا عام 1444، ومن إسبانيا عام 1492، كان ذلك مباشرة بعد سقوط الدولة الإسلامية هناك، وبعضهم هاجر مع المسلمين، وطردوا من ألمانيا عام 1515 ومن إيطاليا عام 1540، ولم تسمح السويد بدخولهم إلا عام 1782، والنرويج عام 1814، وتعرضوا لقتل كثير في روسيا وبولونيا بين عامي 1881 و1882، حتى وجدوا أنفسهم داخل أسوار عالية جدا، وها هو جدار الفصل يؤكد هذا الكلام، آسفة أن أكون كالمحاضرة في الموضوع..
- أنت تحفظين التواريخ بشكل جيد ..
لم تجب كاترين ..
- ألهذا يشردون الشعوب الأخرى ويبعثون بهم إلى التيه والشتات ..
كاترين: أشعر كأنك تحاكمهم الآن في هذه الصحراء التي كان بعضهم فيها ذات يوم وأخرجو لسوء أفعالهم..
- لسنا في محاكمة، لكن للتاريخ لغة قد لا يفهمها الإنسان، الذي يعتقد أنه يصنع التاريخ ..
- ربما تقصد القدر، و ليس التاريخ ..
- هل سمعت بالحاخام موسى فريدمان، رئيس الجمعية اليهودية الأرثوذوكسية في النمسا؟
- فريدمان يقول بأن حل مشكلات العالم تكون بزوال الصهيونية، أعرف كل هذه المعلومات ..
وصلا المدينة، كانت الساعة تشير إلى ما بعد منتصف الليل بقليل ..
- هل ستتركني أبيت وحدي في شقة جين؟
- لست أدري، كما تشائين، لكن الوقت تأخر، وغدا يوم عمل..
- هل أفهم من كلامك أنك ترفض استضافتي في شقتك هذه الليلة؟
- لا أدري ..
- لا تخشى شيئا، سأدعك تنام، أريد أن أشعر أنني لست وحيدة هنا ..
لم يجب زاهر ..
- لماذا لم تعانقني في الصحراء، كنت في أمس الحاجة إلى الاحتواء ..
- لا أدري ..
- أنت تدري، لكنك تحجم عن القول ..
ساد صمت استمر حتى توقفت السيارة، نظرت كاترين حولها، رأت المسجد ومواقف السيارات، ابتسمت، قربت وجهها من زاهر وقبلته: شكرا لأنك ستستضيفني هذه الليلة..
- ألا ترغبين في إحضار بعض ملابسك من شقة جين ؟
- لديك دشداشة جميلة، وروب أجمل ..
- فعلا، أنا في حاجة إلى حمام ساخن بعد هذا النهار الطويل ..
قبل أن يغادرا السيارة، رن هاتف زاهر وظهر رقم أحمد، ثم صوته: هل وصلت الشقة، إذن أنا قادم إليك خلال عشرين دقيقة..
لم ينتظر رد زاهر ..
هجمت جحافل وجوم على وجه كاترين حين علمت بقدومه. كانت فرحة تحلم بحمام منعش، وباستلقاء حر على الأريكة، وباستمتاعها وهي تلمس نظرات زاهر على نهديها وساقيها، وبإحساس الأميرات وهو يتأمل وجهها بلغة شاعر.. لكن حلمها سقط على أرض رغبة أحمد في الحضور، وربما المبيت، وربما أشياء أخرى، هذه الأشياء الأخرى أرعبتها ..
طلب منها زاهر أن تدخل هي أولا لتستحم، نزولا عند رغبتها التي أبدتها وهما في طريقهما إلى الشقة، ، لكنها تراجعت، طلبت منه بصوت متوتر أن يستحم هو أولا، حتى يستطيع الجلوس مع صديقه أحمد، الذي وعد بوصوله خلال ثلث ساعة..
استدعت كاترين حلمها الذي استيقظت بعده على قلب جين المريض، وقبله جنون زاهر وهو يعاشرها ويصهل كخيل جامحة، استعادت الجلسة التي جمعتهما الأربعة في الكافتيريا، اقتناصها لنظرات أحمد الفاضحة، هكذا استقبلتها، وعللت عدم رغبته بـ جين بانتظار فرصة ينقض فيها عليها. اقتحمتها فكرة جعلت ركبتيها واهنتين ترتعشان، فكرة أن يتناوب عليها زاهر وأحمد اغتصابا بعد أن تعرضا للتحقيق، وتفاعلا مع نتائجه بعبث، بضحك هستيري، ذاك الضحك الذي يتبعه الغضب والانتقام أو البكاء، لكن أحدا منهما لم يبك، إنه الانتقام إذن، وقد قرأت قصصا تتحدث عن شراسة العربي في ممارسة الجنس، تخيلت جسدها قطعة لحم يتقاذفها الصديقان ..
فكرت كاترين بالهرب، قررت، بدأت تتفقد أجواء الشقة، استرقت السمع من خلف باب الحمام، جاءها صوت الماء المتدفق على جسد زاهر، تخيلت عريه، أغمضت عينيها، استعذبت الصورة التي رسمتها، تذكرت وجهه الذي لم يكن يفصله عن وجهها في الصحراء سوى خطوة شفتين، وتردده في تقبيلها، بل بقراره الداخلي بعدم تقبيلها، ورفضه احتضانها بالقرب من السيارة، توصلت إلى قناعة إلى أن زاهر لا يمكن أن يفعلها ويغدر بها، كانت أمامه فرصة حتى لقتلها في الصحراء، أن يعبث بها كما يشاء، لكنه لم يفعل، تذكرت أنه لامس يدها وشعرها، لولا تلك الناقة..
بعد دقائق قليلة من قرارها بالبقاء، واستلقائها على الأريكة، قرع جرس الباب، ثم طرقات متعجلة، رغم قناعتها أصيبت بالرعب، أنقذها خروج زاهر من الحمام في تلك اللحظة، وتوجهه مسرعا وهو يرتدي الروب لفتح الباب، سمعت ضحكات أحمد، وحديثا سريعا وهامسا قرب الباب، ظنت أنهما يتآمران عليها، ويمنيان نفسيهما بوليمة.
دخل أحمد الصالون، ارتبك لوجود كاترين، نظر إلى زاهر معاتبا وهو يرتدي الروب، ظن أن في الأمر اقتحام خصوصية ما، تاسف واعتذر لأنه لم يكن يعلم ..
- لا تتاسف أنت في بيتك، امنحوني خمس دقائق فقط لأرتدي ملابسي ..
جلس أحمد مرتبكا في مواجهة كاترين، تعلو وجهه ابتسامة غامضة: تاسف مرة ثانية: ( صدقيني لم أكن أعلم بوجودك هنا، لو كنت أعلم لما .. )
- كما قال لك أحمد: أنت في بيتك، على الأقل نطمئن عليك بعد عودتك من الصحراء، نحن أيضا ذهبنا إلى الصحراء، يمكنك القول بأننا لامسنا طرفها ..
أحمد: لم يخبرني زاهر بذلك، هذه خيانة، هل وقف على كثيب رملي وألقى خطبة عصماء ؟
كاترين: بل أنا التي وقفت، شعرت بحاجة ماسة لفضاء وهدوء، الصحراء تعني لنا الشيء الكثير، نبشت أفكارا وذكريات عمرها ألاف السنين، وبدلا من التخلص من الأعباء والذاكرة، عدنا برؤوس ثقيلة، لكن الحديث مع زاهر ومرافقته متعة لا يمكن تفويتها ..
اقتحم زاهر حوارهما باللغة الإنجليزية: قراراتك سريعة تشبه قيادتك للسيارة، لكنك لا تفكر برغبات الآخرين الجائعين الذين لم يتناولوا طعاما منذ الصباح ...
التقط أحمد هاتفه : حتى أنا أشعر بالجوع، أنتم مدعوون للعشاء، ماذا تريدون، هل نطلب سمكا وسلطة روبيان، لا لا ، كل شيء إلا الروبيان، هل نطلب البيتزا، ما رأيكم بالمكبوس أو البرياني بالدجاج .. لا تحيروني ..
لا تزال كاترين تحت وطأة الخوف والشك رغم إبداء أحمد لنواياه وتصرفه بخجل، حاولت التصرف وكأنها في بريطانيا مع أصدقائها: لنطلب البيتزا بالدجاج وخبز الثوم وبيبسي كبيرة الحجم ..
أحمد: باختصار، وجبة لثلاثة اشخاص ..
جلس الثلاثة في صمت، لا أحد ينظر للآخر بشكل مباشر، إلا أن كل واحد كان يراقب الآخرين بحدسه وإحساسه، خاصة كاترين، التي نجحت قليلا في استعادة ثقتها، ما لبثت أن خسرتها حين سألها زاهر: ألا تستحمين، كنت تحلمين بحمام منعش، لا تخجلي، أحمد مثل أخي، إنه أخي ؟
كانت كاترين قد قرأت في إحدى المقالات عن قدرة العرب الفائقة على إخفاء نواياهم، ترددت كثيرا قبل موافقتها، نهضت مباشرة إلى الحمام، أقفلته بإحكام، لم تخلع ملابسها، لكنها فتحت الدوش موهمة الآخرين بأنها تستحم، قربت أذنها من ثقب المفتاح لتسمع ما يدور بين الصديقين، لكن صوت مذيع التلفزيون كان أعلى، لا شك أنهما يشاهدان نشرة الأخبار، هكذا أقنعت نفسها، بدأت تتعرى بهدوء، وقبل أن تضع ساقها في المغطس، فكرت: (كيف كنت سأفهم ما يدور بينهما وهما يتحدثان باللغة العربية .. )، نظرت إلى حيث كان الماء يتساقط غزيرا، جسد زاهر حضر كما تخيلته قبل دقائق، تراءى لها وهو يمد يده نحوها، لتدخل معه تحت الماء، تلقي برأسها على صدره وكتفه، والماء يغسلهما من كل شيء، يعجن عناصر تكوينهما مرة ثانية ويعيد تشكيلها من جديد، يعيد السنوات إلى الوراء كثيرا. جلست على حافة المغطس، لم تندم على مجيئها، لم تشعر أنها في ورطة، شعرت أنها تعيش واقعا مختلفا، حقيقة طالما كانت في مخيلتها، مأزقا فكريا وتاريخيا ينغص عليها انسجامها، فجأة داهمها سؤال : هل يمكن لزاهر أن يتزوجني؟ نهضت لتقف تحت مرش الماء، غسلت السؤال من رأسها، قررت الاستمتاع بالحمام وكأنها وحيدة في الشقة، أو أن زاهر ينتظرها وحده في الخارج، أملت نفسها بمغادرة أحمد سريعا حتى تعود إلى طبيعتها، حتى يتوقف قلبها عن الارتجاف، لا شك أنه سيتناول البيتزا ويغادر ..
كان أحمد وزاهر تحت وطأة سيل الأخبار المنهمر: محاصرة بنت جبيل، سقوط تسعة جنود لبنانيين بغارات جوية، قصف مرفأ بيروت، إسقاط طائرة مروحية إسرائيلية، إطلاق صواريخ على حيفا وجرح ستة إسرائيليين، سقوط عشرات المدنيين في أماكن مختلفة من لبنان، إيهود أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي يطرح ثلاثة شروط لوقف اطلاق النار: تحرير الجنديين الإسرائيليين الأسيرين، ووقف اطلاق الصواريخ، وتطبيق قرار
مجلس الامن الدولي رقم 1559 .
أحمد: ألن تنتهي هذه الحرب، الناس يموتون، والبنية التحتية تتعرض للدمار، شوارع وجسور وبيوت وبنايات تسقط على أصحابها وساكنيها..
زاهر: يبدو أنها البداية، يسترنا الله من العواقب، المقاومة صامدة حتى الآن، ويبدو أنهم حسبوا حساب كل شيء، هذا واضح من التكتيك العسكري ..
أحمد: لماذا لم تقل لي بأن كاترين تزورك..
زاهر: يبدو أنها ستبيت الليلة، ليست مجرد زيارة، تخشى الوحدة في شقة جين، وهي غريبة هنا، أصدقك القول، هذه المرة الثانية التي ستبيت هنا، ولكن صدقني، لم يحدث أي شيء بيننا على الإطلاق..
أحمد: قل بصراحة، ألم تنجذب نحوها ؟
زاهر: إنها مغرية وجذابة في كل شيء، حديثها، ثقافتها، جسدها، والأهم من ذلك مواقفها، لكن ثمة هوة بيننا، تحاول هي ردمها، ربما لأنها لم تعش في فلسطين المحتلة، ولا تتابع ما حدث لنا على مدى ستة عقود، هنالك أمر لا أستطيع التغلب عليه..
أحمد: ارتبكت كاترين عندما حضرت، رأيت الرعب في عينيها، هل تعتقد بأنها ظنت...
زاهر: ربما، عقليتهم لا تطمئن لأحد إلا نادرا .. وكامرأة، يزيد حذرها، لو كانت رجلا لاختلف الوضع، ليس هنالك ما يدافع عنه سوى حياته ..
أحمد: كيف كانت الرحلة الصحراوية ؟
زاهر: كانت مثيرة إلى درجة لا تصدق، امتزج السحر بالخيال بالحاضر بالتاريخ، حين ركضت كاترين في الصحرا، تبعتها، لم أكن أعلم دوافعها، ربما كانت تطارد شيئا رأته في حجر الكارنيليان، استلقت على ظهرها في منتصف تلة صغيرة، ولمع تكور نهديها تحت أشعة القمر، وجدت نفسي قريبا من وجهها حتى أنني شعرت بأنفاسها، طلبت مني أن أقبلها، رغبت في تقبيلها، في اللحظة التي اقتربت شفتاي من شفتيها، في تلك اللحظة مرت ناقة، كانت جميلة إلى درجة أخافتني، نظراتها إلينا لم تكن نظرات حيوان تائه أو يعبر باتجاه معين، اختفت الناقة بعدها، ما جعلني أطلب من كاترين النهوض والعودة من حيث أتينا، شعرت بأننا تطفلنا على مكان ليس لنا..
أحمد: وهل كانت الناقة جنية، على سبيل المثال؟
زاهر: ألا تعني لك الناقة شيئا سوى أنها جنية، رأيتها وحدي في المرة الأولى، وقالت كاترين أنها شاهدتها ونحن نخرج إلى الشارع الرئيس...
أحمد: اسمع يا زاهر، يجب أن أغادر قبل أن تخرج كاترين من الحمام، وادفع أنت ثمن البيتزا يا صديقي، يعينك الله ..
زاهر: سأدفع أنا، ولكن عليك البقاء، من سيحضر لك العشاء في هذه اللحظة، الطباخة نائمة ..
أنهى أحمد النقاش مع زاهر بقرار حاسم، يجب أن يغادر، نهض وهو يمازحه ويوصيه بالاهتمام بكاترين. في اللحظة التي كان يهم فيها بالخروج، خرجت كاترين من الحمام، ترتدي كل ملابسها، وعلى رأسها فوطة بيضاء، طلبت من أحمد أن يبقى، حاول الاعتذار لكنها رجته فاستجاب، استأذنت لتنشيف شعرها، عادت بعد دقائق قليلة، وجدت الصديقين يشاهدان التلفزيون ..
كاترين: ألا تملان من مشاهدة التلفزيون ؟
زاهر: قد يدهشك الأمر، أحيانا أبقى حتى الصباح لمتابعة ما يجري، حرب كبيرة، وتصريحات أكبر..
أحمد: ماذا تعني ..
زاهر: أعني تصريحات كونداليزا رايس، وزيرة الخارجية الأمريكية، وحديثها عن شرق أوسط جديد بدأت تتضح ملامحه..ربما اعتقدت بأن ساعة هزيمة المقاومة قد أزفت، وإن المنطقة ستكون خالية من التنظيمات المسلحة، خاصة إذا ما تم تطبيق القرار 1559 .. لكن الأمر في غاية التعقيد، إنه أكبر من نظرية تطرح في مؤتمر صحفي، وأمنيات تطلق من عواصم عربية أو شرق أوسطية ..
كاترين: هل يمكن أن أتطفل وأقول رأيي، رغم أنني خارجة لتوي من حمام منعش، لا بأس، ورغم أنني أمقت السياسة، إلا أنني مجبرة على تعاطيها، مثلكما بالضبط، لا تزعل يا أحمد، أود القول بأن الفوضى البناءة التي يطرحها الرئيس الأمريكي بوش هي الهدف الكبير، شرق أوسط تقطع الفوضى أوصاله، وأكاد أزعم أنه يتمنى أن تحدث الفوضى في إسرائيل أيضا.. وحسب تحليلي المتواضع، فإن السياسة الأمريكية تريد شرق أوسط يضج بالتناقضات، حتى تبقى صاحبة الكلمة العليا ..
أحمد: هل تعنين بأن بوش لا يرغب في تطبيق سياسة الدولتين، دولة فلسطينية ودولة إسرائيلية؟
كاترين: لا أعتقد، لأن السلام خطر على الإسرائيليين، هل تعلم ماذا يعني وجود دولة تسمى إسرائيل، وتربطها اتفاقيات مع الدول العربية المحيطة بها، ووجود دولة فلسطينية، واختفاء المشاكل؟ بكل وضوح، يعني ظهور تناقضات المجتمع الإسرائيلي على السطح، ولا أستغرب نشوب حرب أهلية ..
زاهر: أذكر أنه عندما قررت الحكومة الإسرائيلية الانفصال عن قطاع غزة والضفة، نشب حوار ساخن بين الأطراف، بل تحدث كثيرون عن احتمال نشوب حرب أهلية، ومن بينهم وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك سيلفان شالوم الذي قال في مقابلة اجرتها معه صحيفة «معاريف»، أنه لا يستبعد وقوع حرب أهلية في إسرائيل، على خلفية اخلاء مستوطنات في اطار الفصل.
كاترين: القضية أكبر من تصريح شالوم، أو اختلاف بين السياسيين ورجال الدين اليهود حول خطة الفصل، اسمحوا لي أن أتحدث قليلا عن الطوائف والفرق اليهودية، لا أدري إن كنتم تسمعون بها أو ببعضها ..
أحمد: أنا أعرف القليل ..
زاهر: تكلمي براحتك ..
كاترين: سأتحدث باختصار، هنالك جماعة (الشوميرونيم)، ويُطلقون على أنفسهم " بنو اسرائيل" ويقولون بأنهم من سلالة السامرة، الذين لم يرحلوا عن فلسطين بعد تدمير المملكة عام(722ق.م)، وعددهم لا يزيد على 620 نسمة ، يعيش أكثر من نصفهم في نابلس مع الفلسطينيين،وتعاملهم إسرائيل كما تعامل الفلسطينيين. وهناك (الفروشيم)، و يمثلون غالبية اليهود، يشكلون عصب حزب الليكود وهم أكثر اليهود تطرفا. وهناك (الأبيونيين)، ويتفقون مع المسلمين بأن عيسى لم يصلب، ورفعه الله إليه، وهناك (الدونمة)، وتعيش هذه الفرقة في تركيا ويرفض أتباعها العودة إلى إسرائيل، وهناك (الريفوريست)، ويرى أعضاؤها بأن اليهودية دين وليست جنسية، والغريب أن هذه الحركة نشأت في ألمانيا، الدولة التي يفترض أنها قامت بحرق اليهود في أفرانها، وينتشر أتباعها الذين يتجاوزن المليونين في أمريكا وروسيا وأوكرانيا، وهناك (المحافظون)، ويقفون موقفا وسطا بين اليهودية الأرثوذوكسية والإصلاحيين، حتى أنهم عينوا امرأة في منصب حاخام، وهذه الحركة مرفوضة من قبل اليهود المتشددين، ولكنها تدعم الصهيونية. وهناك (اليهودية الأرثوذوكسية)، وهذه الفرقة أو المذهب تسيطر على الحياة الدينية في إسرائيل. وهناك (الحسيديم)، وهي حركة صوفية، وهناك فرق اندثرت مثل الصدوقيون، و القناؤون والإسيين.
أوقف جرس الباب المعلومات التي بدت كاترين تحفظها عن ظهر قلب، نهض زاهر، استلم البيتزا، دفع الثمن، وعاد ليرتبها على الطاولة: حضرت البيتزا مع الحرب الأهلية ..
أحمد: انظر إلى شكل البيتزا، كأنها تعرضت لحرب أهلية ..
زاهر: توقف عن هذا الوصف، لا تعطل شهيتنا ..
كاترين: فعل الأفران أكثر من فعل الحرب الأهلية ..
صمت الجميع، تعكر مزاج زاهر قليلا، ظهر الانزعاج على ملامح وجهه، اعتقد أن كاترين تلمح لأفران الغاز التي يقول الإسرائيليون أن هتلر حرق اليهود بداخلها، لم يصبر ووجه كلامه لكاترين: هل تقصدين أفران النازية ..
كاترين: بالطبع لا، يبدو أنني أسأت التعبير، أقصد أفران البيتزا، وما تفعله بالعجين والجبنة والبصل والسلامي وغيرها ..
رغم توضيح كاترين، إلا أن زاهر شعر بالريبة والنفور، اعتقد بأنها تمادت في التلميح، اندمجت في حديثها عن اليهود، وإنها تظن بأن الساحة باتت مفتوحة لتقديم أفكارها بشكل مباشر، طالما أن الثلاثة أصبحوا أشبه بالأصدقاء، تجمعهم البيتزا ..
انهمك الجميع في تناول البيتزا، بعد أن قامت كاترين بتوزيع سلطة الملفوف والجزر بالمايونيز على الثلاثة، لكن زاهر أحس بالشبع منذ القطعة الأولى، قدمت كاترين قطعة ثانية له، رفضها، أصرت، قبلها، حاول أن يستعيد الحوار من جديد، سأل كاترين: ولكن، كيف ستنشب حرب أهلية، إذا كانت بعض الفرق في أمريكا والأخرى في تركيا وأوكرانيا ..
كاترين: لا تنسى أن لهم الكثير من الأتباع في إسرائيل، ورغم ذلك، فإن الفكرة ليست هنا، هنالك تناقضات كثيرة في العقيدة واختلافات أكثر في المواقف، خاصة أن دولة إسرائيل كما يقولون قامت على وعد إلهي، أي تحكمها أفكار دينية، يختلفون على قدسية التوراة والإنجيل، وعلى عودة عيسى المسيح، يختلفون على إقامة الدولة ذاتها، منهم من يقول بأن اليهودية ديانة شأنها شأن المسيحية، واليهودي يمكن أن يكون أمريكيا أو عربيا أو روسيا أو ألمانيا، ومنهم من يقرأ الكتاب المقدس بلغته وليس شرطا أن تكون العبرية هي لغة الصلاة، يختلفون في طقوسهم، في نظرتهم للمرأة، والسلام يا عزيزي، سيفجر هذه التناقضات ..
أحمد: أنا لا أعتقد أن السلام سيتحقق، لأن المتشددين سيحافظون على سيطرتهم على الشارع اليهودي، وفي المقابل، هنالك تشدد في بعض التنظيمات الفلسطينية الإسلامية، ومن خلفها تنظيمات أخرى مثل القاعدة وغيرها، وهذه الأخيرة تسمح لنفسها بانتقاد التنظيمات الفلسطينية الإسلامية، رغم أنها لم تقم بعملية واحدة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة ..
كاترين: أنا قد أختلف معك، السلام يمكن أن يتحقق، ولكن ظهور التناقضات لن يحتاج إلا سنوات قليلة جدا ليظهر، وربما يظهر إلى السطح خلال شهور، بل ربما يكون السلام ذاته هو السبب، لقد شاهدتم كيف اصطدم سكان المستوطنات في قطاع غزة والضفة الغربية بالجنود الإسرائيليين وهم يخلونهم قسرا من منازلهم، كان بعض المستوطنين المتطرفين على استعداد لإطلاق النار على الجنود..
زاهر: كل الاحتمالات واردة، قرأت قبل فترة مقالا للكاتب الأردني إبراهيم غرايبة في مجلة (العصر الجديد) الإلكترونية، نقل فيه اعتقادا للنائب أفشلوم فيلان، بأن ثمة فرصا لحرب أهلية في إسرائيل، قائمة على الانقسام الكبير في المجتمع الإسرائيلي بين المتدينين والعلمانيين، واحتمال الصدام المسلح بين الحكومة الإسرائيلية والمستوطنين، وهناك انقسامات أخرى عميقة بين الإثنيات اليهودية المتعددة والمختلفة، وبخاصة الانقسام التقليدي والتاريخي بين الشكناز (اليهود الغربيون) والسفارديم (اليهود الشرقيون)، ويدعم قوله باغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحق رابين على يد جماعة غوش أمونيم الأصولية، والتي تعتقد بأنها جديرة بحكم إسرائيل بدلا من القيادة المترهلة في تل أبيب، وقد تلجأ إلى أي وسيلة، بما فيها العنف، وهم يشبهون في ذلك، الحركات الإسلامية التي تطمح إلى إنشاء إمارات إسلامية لتعيد عصر الخلافة ..
كاترين: الصحف الإسرائيلية ذكرت أكثر من هذا، ونقلت عن مسؤولين في الشاباك، وهو جهاز الأمن الإسرائيلي، حيث تحدثوا عن تنظيمات عسكرية سرية تخطط لاغتيال مسؤولين إسرائيليين، تنظم الشباب وتخزن الأسلحة ..
زاهر: على كل حال، الكاتب غرايبة يقول أن هناك مبالغة في الحديث عن حرب أهلية، ولكنه يرجح صراعا مسلحا وانقساما سياسيا، سيؤدي إلى تصاعد الهجرة الإسرائيلية إلى الخارج ..
كاترين: الحمد لله أنني لن أضطر للهجرة ..
انطلاق كاترين في الكلام، وإفصاحها على أنها يهودية، كان يعيد المشاعر إلى نقطة الصفر، يعطل شهية تناول البيتزا قليلا، وكان شريط الأخبار الذي يتابعه زاهر بين لحظة وأخرى، يزيد من التوتر، الذي لا يلبث أن يتراجع خلف جلسة فيها الكثير من الحذر، رغم الأحاديث التي كانت تبدو تلقائية.
قطع أحمد الصمت قائلا: حصلت على مفاتيح معلومات هذه الليلة تكفي للبحث فيها لمدة أسبوع، وأنا أشكركما معا ..
زاهر: لا تنسى أن عليك واجبا آخر يجب أن تبحث فيه ..
أحمد: ولهذا، أستأذنكما بالرحيل ..
اصطحب زاهر صديقه إلى الباب، ثم إلى المصعد، وحين عاد وجد نفسه وجها لوجه أمام كاترين التي بادرته بالقول: الآن أستطيع ارتداء دشداشتك، إلي بها، تكاد ملابسي تخنقني ..
ذهب زاهر لإحضار الدشداشة، وحين عاد إلى الصالون كانت كاترين قد فكت ثلاثة أرباع أزرار قميصها، قدم لها الدشداشة وغادر الصالون مسرعا إلى غرفة نومه، أقفل الباب وبدأ بتغيير ملابسه بهدوء بالغ، كان يفكر بطبيعة الحالة التي وصلت إليها كاترين، برغبتها في عناقه في الصحراء، والمبيت في شقته، مر في خاطره أن هؤلاء القوم لا يؤمنون بالعاطفة السريعة، خشي أن الغربة وحدها هي التي تحركها، ومرض جين هو الذي يقربها منه، فكر أيضا بقلبه الذي لم يتسارع نبضه، بتردده أو عقلانيته، لو كانت امرأة أخرى لربما عاشرها في قلب الصحراء، تقلب معها على الرمل كقطين بريين، لكان قد ملأ الليل ركضا، والقمر شعرا وجنونا، لكن كاترين وضعته في مأزق لم يتوقعه طيلة حياته، فقد مرت سنوات كثيرة من عمره وهو يعتقد أن أشكال هؤلاء مختلفة كليا، قبل أن تبدأ الفضائيات العربية باستضافتهم، والعواصم والمؤتمرات باستقبالهم، قبل أن يرفرف علمهم في قلب بعض المدن العربية، ولو كان يعرف منذ البداية أن كاترين يهودية، لربما لم يفتح أحاديث معها، لربما أدار لها ظهره وراقب تحركاتها، ربما اعتقد أنها تتحرش به لهدف ما، لكن كاترين رتبت أفكاره من جديد، دوزنت إيقاعه على وقع واقع جديد، ربما ساهمت قراءاته عن بعض مفكريهم ومجموعاتهم السلمية والدينية التي لا تؤمن بالصهيونية باتساع أفقه، ربما لأنه ابتعد كثيرا عن ساحة الصراع والحدود والبندقية، تذكر حين كان في الصف الأول ثانوي، حين قضى وأصدقاؤه المسلحون ليلة كاملة تحت المطر حول المخيم، بعد وصول أخبار عن احتمال تعرض المخيم أو بعض مواقعه لعملية إنزال عسكرية إسرائيلية، لم يحدث الإنزال، وقضى اليوم التالي يعاني من نزلة برد شديدة منعته من الذهاب إلى المدرسة.
تذكر أمه وهو ينظر إلى وجهه في المرآة الكبيرة المقابلة لسريره، ماذا ستقول له لو علمت أن يهودية شاركته سريره أو شقته أو طعامه، أو أنه صرف عليها من أمواله في المطاعم والنوادي الليلية، قد لا تغضب، فجدته كانت تسرد له تفاصيل جزء من حياتها في عكا، حين كانت جارتها يهودية، تذكر حلمه الذي رأى فيه جدته التي تحولت إلى إنسانة متطرفة ضد كل دين غير دينها، بعد تهجيرها من قريتها (مجد الكروم) ، بل كانت تنعتهم بالكفار، فهل سيكون رد فعل أم زاهر مشابها لرد فعل جدته لأبيه، خاصة أنها خرجت من عكا صبية في العشرينات من عمرها، والآن قد تجاوزت الثمانين، ورغم ذلك، تتحدث عن ماضيها كأنه حدث أول أمس، وكثيرا ما تقول (البارحة )، وهي تسرد بعض القصص، لكن ( البارحة ) يكبر، حين تتذكر أسماء كثيرة انتقلت إلى رحمة ربها، ومن بين تلك الأسماء زوجها وبعض أولادها، ويبتعد ( البارحة) كثيرا حين تتحسس ركبتيها اللتين لا تستطيع ثنيهما من التيبس والخشونة والصدمات. ويصبح ( البارحة) نقطة بعيدة في مدى بعيد حين تتذكر شقاءها وعملها في البساتين منذ الفجر حتى مغيب الشمس، وتستعيد المطر وهو يندفع إلى قلب الخيمة، وألواح الزينكو وهي تتطاير في الليالي العاصفة، وهي المدللة ابنة الأصول العريقة، وابنة أكبر عائلة في قريتها.
لبس الحزن زاهر كجلده، استدار ليواجه الليل المنتشر خارج النافذة، يمسح بعينيه المتعبتين المسجد القريب والأضواء والمنازل المتفرقة وأشجار النخيل، انحنى قليلا، أسند كوعيه على حافة النافذة، كبرت الغصة في داخله، توزعت على مسامات جلده، انكمشت خلاياه، بات مخلوقا شفافا، تثير دمعته كلمة واحدة، أو لمسة يد حانية، تمنى لو تحدث معجزة، فيجد رأسه على فخذ أمه، ويدها تمسد شعره وظهره، بينما يعمل على تفريغ كل الأفكار من دماغه، يطرد كل الماضي، ولا يفكر في المستقبل، وينام، ينام كالأطفال، أو كالملائكة..
في تلك اللحظة التي التصق فيها زاهر بروحه، شعر بحضن يطوقه من الخلف، برأس يستند على ظهره، بثديين صلبين يكادان يقطران حليبا من سخونتهما، حتى أنه شعر في لحظة ما أن مساحة من ظهره باتت رطبة، إذ لم يكن يرتدي سوى الفانيلا، استسلم للدفء للحظات، ثم أدرك أن المعجزات انتهت، وإن معجزته المشتهاة كانت إلقاء رأسه على ساق أمه، وإلقاء تعبه في جرن حنانها لتغسله، كما أدرك أن ظهره تحول إلى مهبط أحزان، استعاد وعيه تدريجيا، بات على وعي بهوية حاضنته، استقام بهدوء، استدار بلطف، كانت كاترين أمامه، رسمت وجهها بمساحيق التجميل، أول مرة يراها بأحمر شفاه قان ولامع، وكحل عريض في عينيها، وتورد يسكن خديها، بينما أسدلت شعرها على وجنتيها بطريقة مفعمة بالرغبة وبالاستعداد للانصهار. تأمله بوجهها لم يخلصه من حزنه العميق، تأمل أكثر بحجر الكارنيليان الذي أحاطت به رقبتها ولامس تلك العظمة البارزة اسفل جيدها. أدرك ما أرادت أن توصله كاترين في طريقة تجميل نفسها، لم يشأ خذلانها، قال لها بصوت قادم من أقاصي الصمت: أي جنية ساحرة خرجت من القصر لتسكن شقتي المتواضعة ..!
- سأمارس عليك سحرا لم تشهده عيناك من قبل ..
- بفتنة الكارنيليان؟
- بفتنة الحزن الذي يسكن عينيك..
مدت كفيها المرتجفين الساخنتين لتمسحا وجنتيه، ركزت نظراتها الناعسة في عينيه، أغمضت عينيها: حرر ذاكرتك من كل شيء واتبع أنفاسي، نحن أبناء هذه اللحظة الخالدة، خلقنا من الغربة والتيه، عمدنا الألم والدم، وسنكتب بأنفاسنا آية جديدة، وسفرا جديدا ..
أمسك زاهر كفيها، شد عليهما، أبعدهما ببطء عن وجهه، قربهما إلى وجهها، باتت تحضن وجنتيها بكفيها وكفيه، لم ينطق بحرف واحد، أبعد كفيه، أنزلهما على كتفيها بلطف، فتحت عينيها، ابعدها قليلا، لاحظ أنها ارتدت دشداشته على لحمها، تحرك بهدوء: اسمحي لي أن أكمل ارتداء بيجامتي ..
خطا عدة خطوات، صارت خلفه، قالت معاتبة: لماذا ترفضني يا زاهر ؟
لم يلتفت، الحت بنفس سؤالها، ارتدى جاكيت بيجامته، كررت سؤالها بصوت مرتجف: لا تخيب أملي، لا تقبلني ولا تعانقني ولا تمارس الحب معي، ولكن لا تشعرني بأنني كالمرض المعدي، يجب أن نتحدث، أن نواجه أنفسنا ..
رقت أكثر، شعر بها خلفه تحاول احتضانه من ظهره مجددا، يقتله التصاق نهديها بظهره، تقدم خطوة والتفت مرتبكا: أنا لا أرفضك.. ولكن ..
- هل تعاني من شيء ما ..
- مثل ماذا .. ؟
- ضعف جنسي مثلا ..
- لقد ذهبت بعيدا، المسألة ليست جنسية كما تعتقدين، أم أنك تستفزين الذكر العربي في داخلي..
- لا أتعامل معك كذكر عربي، أحببت ثقافتك وسعة أفقك وصدرك، يجلدني الحزن الساكن في عينيك، مذ عرفتك لم أر صفاءهما، عيناك جميلتان ولكن مساحة البياض فيهما قليلة، ابتسامتك عذبة لكنك تبخل بها على نفسك ..
أمسك زاهر كاترين من يدها، سار إلى الصالون، طلب منها الجلوس وتهدئة نفسها، جلس قبالتها وقبالة التلفزيون: أنا سعيد بهذا الإعجاب، ويريحني فكرك ولكن ..
- هل تشعر بأنني أدعي كل ما أفصحت عنه ..؟
- لا أظن ذلك ..
طأطأت كاترين رأسها، أمسك زاهر بجهاز التحكم عن بعد ( ريموت كنترول التلفزيون)، رفع مستوى الصوت، أعاد المذيع النشرة السابقة، مع بعض الصور الجديدة لمدنيين قضوا حرقا، غير القناة إلى قناة أخرى ناطقة باللغة الإنجليزية، كانت تعرض الصور ذاتها، تابعتها كاترين، نظرت إلى زاهر بعينين دامعتين، لاحظت صمود دمعه في مآقيه، اندفعت نحوه معانقة، طال عناقها له، أجلسها إلى جانبه، ألقت رأسها على كتفه، أقفل التلفزيون، أسند ظهره إلى الأريكة، نقلت كاترين رأسها من كتفه إلى فخذه، وضع راحة كفه على وجهها، مسد شعرها، تكورت كطفلة مدللة، أغمضت عينيها، نظر إلى الأعلى، عانق وجهه سقف الغرفة، أغمض عينيه، سافر إلى مكان بعيد، سمع صوت المطر على سقف الزينكو، والرعد المنفجر بالقلوب، ولا شيء يمكن فعله سوى انتظار رحمة الله.
استيقظت كاترين على آذان الفجر، رفعت رأسها، استفسرت عن الوقت، عادت فوضعت رأسها على كتفه، وصوتها يعتذر لتسببها في عدم نومه ..
- المشكلة ليست في النوم يا كاترين، علي أن أذهب في الصباح للعمل ..
- وكيف ستواصل حتى الساعة الثالثة عصرا، ألا يمكنك أخذ إجازة ؟
- يمكنني، ولكن علي أن أنهي مشروعا أعمل عليه أنا وأحمد، ويحين موعد تسليمه في الغد، يمكنني الذهاب متأخرا بعض الشيء، لقد أنجزت معظمه ..
- هل يمكنني المساعدة ؟
- أنت في حاجة للنوم أيضا، لا أحد يعلم تطورات صحة جين، ربما عليك زيارتها في المستشفى غدا، رغم أنني فهمت من كلامك أنها أصبحت بعهدة فريق طبي يمنع عنها الزيارة ..
- لا أعتقد أنهم سيحولون بيني وبينها، هاتفها معي، وبعض أوراقها أيضا، ومفتاح شقتها، ولا بد ستسأل عني حين تستيقظ .. وحين تفعل، سأكون إلى جانبها، وأعطيها حجر الكارنيليان، إنه مشبع الآن بالعاطفة والقوة والتفاؤل، قبولك لرأسي في حضنك وعلى كتفك، راحة كفك وهي تمسد شعري وتلمس وجهي، زرعت في روحي التفاؤل، والراحة، يجب أن أشكرك ..
- هل تفهمين ما يدور بداخلي ؟
- أفهمك كثيرا، اعذر الأنثى التي تمردت على المثقفة كاترين، أنت تعلم حالة المرأة حين يرفضها رجل أعجبت به ..
- أكرر قولي يا كاترين، أنا لا أرفضك، لكنني في حاجة إلى وقت طويل حتى..
- ما زلت تتردد في البوح، لم تكن كذلك قبل معرفتك بديانتي، أنا لست متطرفة، ولست صهيونية، والله لم أسبب أذى لأي إنسان منكم ..
- أحتاج وقتا حتى أبادر وأعانقك .. هل تفهمين ..
كاترين: صحيح أن اياما قليلة هي التي جمعتنا، لكنني أشعر أنني أعيش معك منذ عقود، ألفتك بسرعة، ولن أنفر منك بنفس السرعة، لأنك تعاملت معي باحترام وذكاء شديدين ..
- أعتذر للأنثى التي ..
- لا تعتذر، أنصحك بمحاولة النوم ولو لساعات قليلة ..
- قد أنهض قبلك في الصباح، تصرفي وكأنك في بيتك ..
- ماذا لو نهضت أنا قبلك ولم تجدني ..
- سأتصرف وكأنني في بيتي ..
ضحكا كالسكارى، ذاك ما يفعله النعاس ..
- هل لديك بيت في مكان ما ؟
- سنتحدث عن هذا في ما بعد، لأنك تفتحين التاريخ كله، و التاريخ بيت ..
- يعجبني هذا الكلام ..
- وحتى نضمن النوم ولو لساعات قليلة، سننام كل في غرفته ..
ابتسمت كاترين، تمنت له نوما هادئا ومريحا، مشت نحو غرفتها، وجسدها يتموج داخل الدشداشة.. غابت عن ناظري زاهر، الذي شعر لأول مرة منذ لقائهما، برغبة نحوها ..

الفصل الحادي عشر من رواية فتنة كارنيليان

الفصل الحادي عشر من رواية فتنة كارنيليان
أنور الخطيب

بعد اتصال كاترين تلك الليلة، لم يغمض لزاهر جفن، لم يتألم لما حصل لـ جين، لم يلم نفسه لذاك الشعور، كأنه من الطبيعي أن تصاب بنوبة قلبية أو سكتة دماغية، من الطبيعي أيضا أن تقرر الرحيل بعد هذه النوبة، لم يشمت بها، لكنه تقبل شعوره دون إحساس بالذنب، نهض، رش وجهه بالماء، حضر فنجان شاي، أشعل سيجارة، فتح الإنترنت، تذكر الرسالة الإلكترونية التي أرسلها أحمد، كتب مباشرة في محرك غوغل الإمارات اسم ( جون روز)، كان قد سمع بهذا الاسم، الكاتب اليهودي الذي ألف كتاب ( أساطير الصهيونية )، وكتابا آخر قبله بعنوان " إسرائيل الدولة الخاطفة.. كلب حراسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط". قاده البحث إلى الإرهاب الصهيوني ضد اليهود أنفسهم ( تفجير الباخرة باتريا في ميناء حيفا في 25 تشرين الثاني عام 1940 ، وتفجير السفينة ستروما في البحر الأسود في العام 1942، كانتا محملتان بالمهاجرين اليهود إلى فلسطين). لم يدهش زاهر لما قرأه، من الطبيعي ، حسب رأيه، أن تظهر أصوات معارضة لأي سياسة عنصرية تقوم على إلغاء الآخر، فجون روز يقول بأن الصهيونية هي المشكلة، وإزالتها هي الشرط الأساسي للسلام في الشرق الأوسط، فالصهيونية لا تهدد الفلسطينيين فحسب، وإنما مستقبل اليهودية نفسها، كما يقارن بين الممارسات الإسرائيلية في فلسطين، ودولة الفصل العنصري السابقة في جنوب إفريقيا.
كانت كاترين تظهر مع كل حرف من آراء جون روز، لكن الأمريكية راشيل كورى، ابنة الثالثة والعشرين عاماً، كسرت هيمنة كاترين على الحروف والآراء، الصبية راشيل التي سحقتها الجرافة الإسرائيلية في حي السلام في مخيم رفح في 16 مارس 2003، وهي تصرخ بمكبر الصوت كي يتوقفوا عن هدم البيوت، لم يسمعها الحديد، وهشم رأسها وصدرها.
منذ وفاة راشيل كوري وزاهر يريد أن يكتب قصيدة، كتب وشطب، كتب وحذف ولم يرض، ثمة كلمات لم يستطع قولها، ومعان لم تسعفه لغته على رسمها، كأنه لم يستطع تجسيد الحالة الإبداعية والوطنية والإنسانية التي سجلتها راشيل، وكل ما خطرت سيرتها على خياله، ذهب إلى صورتها وتأملها لوقت طويل، كأنه يقرأ رواية أو قصيدة ساحرة.

كتب زاهر في مذكراته غير اليومية في ما بعد:
( إن ما يحول دون ارتعاش قلبي لكاترين، ليس هو ما يعجزني عن كتابة قصيدة لراشيل، راشيل انتهت قصتها تحت تراب فلسطيني، أما كاترين، فضلت أن تبقى في لندن، لا أدري ما تكتب، ولا أدري حتى الآن توجهاتها الفكرية والسياسية الحقيقية، رغم إيحائها برفضها للسياسة الصهيونية في فلسطين، ورغم تقبلها لي، وإيحائها بالإعجاب الكبير، ثمة أمر يحول دون تفتّح قلبي، دون فرشه بتراب العشق، ثمة ما يؤرقني، وينضاف إلى أرقي .. ).
أقفل دفتر مذكراته غير اليومية، غسل وجهه من جديد، لم يتبق على انبلاج الصبح سوى ساعة واحدة، قضاها أمام التلفزيون، يتابع أخبار الحرب على لبنان، وموت المدنيين، والقصف الإسرائيلي لعناصر من الجيش اللبناني، وقصف حزب الله لحيفا وعكا والعفولة، قال مسؤول إسرائيلي إن الصواريخ إيرانية الصنع، وقال آخر بأنها سورية.
حمام صباحي من مسلزمات اليقظة، كوب نسكافيه بالحليب، وجدهما زاهر لا يتناسبان مع الدماء التي تسيل في لبنان، لكنه فعلها، ارتدى بدلته، وفي السابعة والنصف كان في مكتبه، بينما الدوام الرسمي في الساعة الثامنة. لم يقرأ الصحف، لم يفتح الإنترنت، لم يجلس على كرسي مكتبه، لكنه أطل على البحر، أغمض عينيه، أخذ نفسا عميقا، أخرجه، ثم نفسا آخر، أخرجه، وسمح لأشعة الشمس وهواء الساحل بالدخول إلى رئتيه وشرايينه وأطرافه، جعله يتجول في كل أنحاء جسده حتى امتلأ، أوحى لنفسه أنه نام مستغرقا لمدة أربع ساعات، فتح عينيه، شد عضلات جسده قليلا، دخل إلى الحمام، غسل وجهه، صفف شعره من جديد، رش عطرا حول رقبته، استنشقه، خرج لينظر من النافذة، لاحظ الموظفين وهم يتوافدون إلى المكان، شاهد أحمد وهو يغادر سيارته، ويسير بخطى متثاقلة..
ماذا لو هاجمت الولايات المتحدة الأمريكية إيران؟
ذلك هو الموضوع الذي تم تكليف زاهر وأحمد للبحث فيه. جلس زاهر إلى مكتبه، فرد الأوراق أمامه، تساءل: لماذا لم يكن السؤال: هل ستهاجم أمريكا إيران؟ وقال في نفسه: إن ما سيحدث واضح في السؤال الأول، ولكن الثاني هو الذي يفتح المشكلة على مصاريعها؟
أخرج زاهر مقالا كان قد طبع نسخة منه من الإنترنت، عن انتشار السرطان وتلوث التربة والهواء في العراق والسعودية ومنطقة الخليج، بعد العام 1991، بعد احتلال العراق للكويت، وخروجه منها بهزيمة ساحقة، كأنه يريد أن يقول بأن النتائج ستكون مشابهة.
أمسك قلمه، رغم أنه يستخدم الكمبيوتر بشكل دائم، انغمس في كتابة بعض الأفكار، وفجأة، سمع صوتا يسأله: ماذا تكتب في هذا الصباح يا عبقري؟
زاهر: أهذا أنت، اطلب لنا قهوتك العربية حتى نزيد من نشاطنا..
أحمد: ألم تنم أنت أيضا ليلة أمس؟
زاهر: حرب في لبنان، حرب في العراق، وكاترين يهودية و ..
أحمد: قرأت رسالتي إذن..
زاهر: ليلة أمس، ولكن دعنا من كاترين وجين، ولنبدأ في عصف أفكارنا حول المشروع الذي كلفنا به..
أحمد: أنت رجل غريب حقا، هل تعني أنك لن توقف اتصالك بكاترين ؟
زاهر: سأعتبرها مثل جون روز ؟
أحمد: ماذا تعني؟
زاهر: هذا كاتب يهودي من عائلة متشددة، يؤمن بأن الصهيونية ستجلب الويل للدولة اليهودية، ويشبه ممارساتها بدولة الفصل العنصري السابقة في جنوب إفريقيا، وفي كتابه (أساطير الصهيونية)، سجل أراء لإسرائيليين يطالبون بإلغاء (قانون العودة) الإسرائيلي، الذي يمنع الفلسطينيين من العودة إلى بلادهم منذ أكثر من نصف قرن، لكنه يقضي بأن من حق أي يهودي في أي دولة، الالتحاق بإسرائيل، ويؤمن بأن إلغاء هذا القانون سيقوض دعامة مهمة من دعائم الصهيونية.
أحمد: يا صديقي ، الجمعية العامة للأمم المتحدة سبقته بسنوات طويلة، وأصدرت عام 1975 قرارا باعتبار الصهيونية حركة عنصرية، لكنها ألغت القرار في التسعينيات، ثم دعا مؤتمر ديربان بجنوب أفريقيا في أيلول 2001 إلى إعادة تجديد القرار الأممي، الداعي إلى اعتبار الصهيونية حركة عنصرية، لكن شيئا لم يحدث على أرض الواقع..
زاهر: كلام الأمم المتحدة شيء، وكتابات جون روز شيء آخر، لا تنسى أنه يهودي، يعمل في وسط يهود، ويعتقد بأنه يساهم في تحرير فلسطين، اسمع ما يقول أيضا، يقول بأن الصهيونية تتجاهل المكون العربي الإسلامي في التاريخ اليهودي، ولا ترى سوى المعاناة اليهودية خلال فترات "النفي" لاسيما في أوروبا. وأسطورة النفي هذه سيستها الصهيونية عندما جلبتها من قصص الكتاب المقدس، منذ هدم المعبد في القدس، على يد القائد الروماني تيتوس عام 70م حتى قيام إسرائيل عام 1948. ويقول أيضا أنه وفقا لما أطلق عليه أسطورة النفي، فإن اليهود الذين كانوا يعيشون خارج فلسطين يعتبرون منفيين طوال تلك القرون.
أحمد: وهل تعتقد بأن كاترين تؤمن بهذا الكلام ؟
زاهر: ربما، سأنهي كلامي بشأن هذا الكاتب، إنه يصف ما حدث من طرد للفلسطينيين عام 1948 بأنه تطهير عرقي وإن حق الفلسطينيين في العودة هو أيضا شرط أساسي لمثل هذه التسوية، إن أهم ما في الأمر يا أحمد، نقله لقول بن غوريون، أحد رواد الصهيونية، قال بن غوريون (إن الكتاب المقدس هو مصدر الملكية لنا)، ويعقب جون روز بأن قول بن غوريون دمر أي احتمالات لمصالحة عربية إسرائيلية.
أحمد: أنت تجلب لي الصداع منذ الصباح، سأذهب إلى مكتبي لأجلب بعض الأوراق وسأعود إليك..
زاهر: قبل أن تذهب، يبدو أنني نسيت أن أخبرك ما هو أهم من يهودية كاترين، جين في المستشفى منذ ليلة أمس، أصيبت بنوبة قلبية، ونقلتها كاترين إلى مستشفى الطوارئ.
لم يعلق أحمد، ابتسم، هز رأسه، ثم غادر ..
دهش زاهر من رد فعل أحمد، تساءل: هل اعتقد بأنني أمزح معه؟
واصل زاهر قراءة الملاحظات التي دونها عن أفكار جون روز، قرأها وكأنه يقرأها للمرة الأولى، وفوجئ بحديثه عن الإنسان الذي يفجر نفسه، وقرأ: إن الانتحاري الذي يفجر نفسه في بداية القرن الحادي والعشرين يجسد إخفاق الدولة اليهودية في فهم مغزى سلوكه، وإن الانتحاري في بعض الأحيان يكون هو اللاجئ، الذي لم يسمح له بالعودة إلى وطنه". إن أكثر ما أراح زاهر هو اتفاق جون روز معه وهو يعتقد، بأن الدولة العبرية "المختلقة حديثا لم تكن سوى رصيد إستراتيجي لمخططات الولايات المتحدة الإمبريالية الجديدة للمنطقة العربية، وفي كل من الحالتين، كانت الصهيونية معتمدة على القوى الإمبريالية الغربية تماما".
نظر زاهر إلى ساعته، كانت العاشرة والنصف صباحا، فتح المذياع ليسمع نشرة إخبارية من الـ بي بي سي، وجدها تكرارا مشوها لما سمعه ليلة أمس، عاد لينظر إلى البحر، وفي ذهنه بحر مدينة صور اللبنانية، شوارعها وبناياتها القديمة التي تتعرض للقصف، الصيادون الفقراء وهم يلتزمون منازلهم، أو غادروها إلى مكان أكثر أمنا، غير مدركين أن أحدا لم يعد في مأمن في لبنان، من جنوبه إلى شماله، ومن شرقه إلى غربه، النار تلتهم عصب الحياة، وأجساد الهاربين على الطرقات. لم تغادر رأس زاهر جثة الطفلة التي ظلت معلقة على قضبان الحديد، في الطابق الأخير لإحدى البنايات التي قصفت، لم يستطع أحد الوصول إليها ..
دخل أحمد متجهما: اعتقدت أنك تعبر عن أمنياتك بشأن جين، إنها حقا في المستشفى، ألا تفكر في زيارتها؟
زاهر: لا أدري، ولكن كاترين تريد الذهاب إلى شقتها لإحضار بعض الأشياء الخاصة بـ جين، وأبديت لها استعدادي لتوصيلها، ولكن ليس الآن، ألا ترغب في العمل، علينا تسليم الموضوع في أقرب وقت ممكن ..
تأفف أحمد: هل كان ينقصنا البرنامج النووي الإيراني؟
زاهر: اسمح لي أن أصحح تساؤلك، هل كان ينقصنا وجود أمريكا في العراق والخليج العربي؟
أحمد: السؤالان يقودان إلى نفس النتيجة، الواقع هو الواقع، ونحن أمام سؤال: ماذا لو هاجمت الولايات المتحدة الأمريكية إيران؟
زاهر: أمامي ملخص لورقة بحثية أعدها الخبير في الشؤون النووية فرانك بارنابي، وأصدرتها مجموعة أوكسفورد البحثية، ربما تشكل منطلقا لحديثنا ..
أحمد: استعدادك للعمل عجيب جدا ..
زاهر: العمل عبادة يا صديقي، المهم، عنوان ورقة فرانك: (هل ستحقق الضربات الجوية أهدافها؟ تفهم البرنامج النووي الإيراني والتداعيات المحتملة لعمل عسكري..).
أحمد: أنت تصر على مناقشة سؤالك البديل، يجب أن نتوجه مباشرة إلى مناقشة:ماذا لو هاجمت الولايات المتحدة الأمريكية إيران؟
زاهر: نحن في السياق ذاته، يبدو أن عقلك مع جين ..
أحمد: لا أدري لماذا يقلقني مرضها، ليس بدافع العاطفة، فأنا غير منجذب نحوها، لكنه يقلقني ..
زاهر: أعلم أنك أجريت مكالمة وردت عليك كاترين، ولكن هل حدثت جين؟
أحمد: أنت تعلم أن المصابين بنوبات قلبية غير مسموح لهم ببذل أي جهد .. لا ، لم أحدثها، لكن كاترين قالت بأنها تستعيد عافيتها تدريجيا، وعليها البقاء تحت الملاحظة لمدة يومين، أنا فعلا قلق يا صديقي ..
زاهر: كأنني أفهم سر قلقك ..
أحمد: وما هو أيها المحلل النفسي ؟
زاهر: لا يا صديقي، إن مبعث قلقك ليس نفسيا أبدا ..
أحمد: أفصح ولا تكن جبانا ..
زاهر: اتفقنا منذ البداية أن نحترم المعطيات، ولا أريد أن أكسر الاتفاق، قد يكون جوابي مؤلما .. هل تريدني أن أوجز ما قاله فرانك بارنابي ..؟
أحمد: تفضل، ولكنني فعلا أخشى .. عذرا، قل ما تريد ..
زاهر: يقول التقرير بأن الوكالة الدولية للطاقة الذرية لم تستطع قطع الشك باليقين، بشأن طموح إيران لامتلاك أسلحة نووية ..
أحمد: وماذا في ذلك ؟
زاهر: يعتقد الباحث، أن أي ضربة توجهها أمريكا لإيران، ستكون سببا مباشرا في قيام إيران بتصنيع سلاح نووي؟
أحمد: وهل سيكون بمقدورها أن تفعل ذلك بعد الضربة؟
زاهر: يفترض الكاتب أن العلماء سينجون من الضربة، وإن إيران قد بنت مفاعلات محصنة تحت الأرض، وقد تكون سرية، وإن أمريكا لن تستطيع ضرب كل المنشآت لكثرة عددها وتوزعها الجغرافي في أماكن بعيدة ومنتشرة، وبهذا، ستقوم إيران بإنتاج سلاح نووي بحرية تامة، بعد الضربة مباشرة ..
أحمد: تريد أن تقول أن هذا سيكون أول نتائج الضربة العسكرية الأمريكية لإيران؟
زاهر: لست أنا من يقول، إنه فرانك بارنابي، وهكذا نبدأ الإجابة على سؤال بحثنا بهذه المعلومات..
أحمد: أنت تعلم جيدا، بأن المقصود من السؤال هو: كيف ستنعكس النتائج على دول المنطقة وعلينا..
زاهر: أعلم ذلك، ولا مانع من ذكر هذا الأمر، ولكن، هل بمقدورنا كتابة كل شيء..؟
أحمد: ماذا تعني، نعم سنكتب كل شيء..
زاهر: هل عرفت ما حل بالكويت نتيجة احتلال العراق لها؟
أحمد: لن تقدم إيران على احتلال الخليج يا صديقي ..
زاهر: أنت تدري بأن الاحتلال ليس وجود جنود على أرض معينة، ثم قد تتورط أمريكا وتحاول احتلال إيران ..
أحمد: أدعي بأنني أفهمك، ولكن علينا أن نكون صريحين في إجابتنا، أليس كذلك ؟
زاهر: من المفترض أن نكون كذلك، ولكن دعنا نتحدث شفويا في البداية، نعصف أفكارنا كاصدقاء وزملاء، ثم نبدأ بالكتابة .. لن أحدثك عن مضيق هرمز الذي تمر به ناقلات النفط، أو السفن التي تعبره قادمة إلينا محملة بشتى أنواع البضائع، ولن أحدثك عن احتمال جنون إيراني بقصف مواقع استراتيجية في دول الخليج، أو عن زيادة الأسعار بشكل جنوني، وعن احتمال انقطاع التيار الكهربائي أو انقطاع المياه، أو عن تلوث البيئة ..
أحمد: بماذا سنتحدث إذن ؟
زاهر: عن الفوضى ..
لم يعلق أحمد مباشرة، لكن قلبه خفق بخوف شديد، تأمل زاهر ملياً، أمسك زاهر ورقة بيضاء وكتب عليها بخط كبير: العمالة، ورسم علامة استفهام..
أحمد: لماذا لم تنطقها؟
زاهر: لأنها أكبر من كلمة، وأكبر من عمالة .. حدثني صديق عاش تجربة الاحتلال العراقي للكويت، قال لي بأن العمالة هي من احتل البيوت الفارهة الكبيرة الثرية المليئة بالمجوهرات والتحف، والخزائن التي تفيض أموالا، والثلاجات المتخمة بالمواد الغذائية واللحوم بأنواعها، والمخازن المليئة بأكياس الأرز وصناديق المعلبات، هي العمالة التي تصفونها بالعمالة غير الماهرة، وخدم البيوت والمزارعين، كل فرد أو مجموعة احتكرت فيلا أو قصرا أو منزلا، وبدأت تبيع ما به، وتهرب ما خف وزنه وكبر ثمنه، طبعا إضافة إلى سرقة السيارات ومحلات الذهب وغيرها..
أحمد: أنت شديد الحذر من هذه العمالة يا صديقي، ولا تثق بإخلاصهم ..
زاهر: هل تذكر قول أنديرا غاندي حين زارت إحدى دول الخليج: I feel at home .. ؟
أحمد : فهمت ..
زاهر: إن تدبير الكهرباء مسألة مقدور عليها، وكذلك الماء والهواء البارد والأغذية، أما الفوضى، فهي التي يجب أن يحسب لها ألف حساب ..
أحمد: تقصد أن تكون الفوضى هي العنصر الثاني الذي يجب ذكره بعد توجه إيران، في حال تعرضت لضربة، لامتلاك سلاح نووي ..
زاهر: هكذا أعتقد، والفوضى يا صديقي يمكن أن تكون أمنيّة أو اقتصادية أو اجتماعية، وأفضل أن نقرن هذه الأبواب بكلمة " الفوضى .. "
أحمد: بصراحة، هل أنت خائف من ضربة أمريكية لإيران؟
زاهر: هذا موضوع آخر، ولكن إن أردت إجابة واضحة، لست خائفا، ولكن كيف سينعكس امتلاك إيران لسلاح نووي على الخليج؟
أحمد: لا أعتقد أن دول الخليج هي المقصودة، كانت إيران تمتلك سلاحا نوويا يسمى ( شاه إيران)، ولم تكن الأمور أسوأ حالا .. هو سلاح ردع لا أكثر ..
زاهر: أتفق معك، أي استخدام للسلاح النووي يعني حربا عالمية ثالثة، ستعيد البشرية إلى العصور الحجرية، وستشبه أهوال يوم القيامة ..
أحمد: سنبدأ إذن في الكتابة، سأدع لك محور الفوضى الاجتماعية والأمنية، وأتولى أنا الكتابة عن الفوضى الاقتصادية ..
رن هاتف زاهر، استنفرت أحاسيس أحمد، صوت كاترين على الطرف الآخر، تسأل إن كان بمقدور أحمد أن يصنع لها جميلا، ويأخذها إلى بيت جين.
مرر زاهر الهاتف لأحمد، سأل عن صحة جين، أبدى موافقته المباشرة، أقفل الهاتف: كاترين تريدني يا زاهر أن أرافقها إلى بيت جين..
زاهر: أعلم هذا ..
أحمد: جين تعتذر عن عدم استقبال الزوار أيضا ..
زاهر: لا تريد أن يراها أحد وهي ملقاة على السرير، مريضة لا تستطيع الحركة ..
أحمد: كيف عرفت ؟
زاهر: الموضوع ليس في حاجة إلى ذكاء، على كل حال، هذا سيوفر لي الوقت للكتابة في موضوعنا..
أحمد: لا تغضب يا صديقي ..
زاهر: أنا لست غاضبا، لو رافقت كاترين لما صعدت إلى شقة جين ..
انطلق أحمد إلى مستشفى الطوارئ، طلبت منه كاترين حين وصل أن يتوسط لدى إدارة المستشفى بنقل جين إلى المستشفى الأمريكي، بناء على طلبها، حاول أحمد إلا أن الطبيب المسؤول الذي يتابع حالة جين رفض، برر ذلك أن الحركة تضر بصحتها، وهي تحت المراقبة الدقيقة والمستمرة، وستبقى كذلك لمدة يومين. في ذلك الوقت، حضر السفير الأمريكي إلى المستشفى مرتبكا، برفقة مجموعة من الشخصيات، من بينهم مدير الكلية التي تعمل فيها جين، تم إبلاغه بتفاصيل حالتها، وحين علم أنه ليس بمقدورها الانتقال إلى مكان آخر، اقترح أن يحضر طبيبا أمريكيا وفريق تمريض لمتابعة حالتها، تعاون المسؤولون على اقتراحه.
في الطريق إلى شقة جين، أخبرت كاترين أحمد بأنها اتصلت بالكلية والسفارة، بناء على طلب جين، عبرت له عن حرجها أمام زاهر، أخبرها أحمد بأنه مشغول ببحث مهم للغاية، وعليه الانتهاء منه اليوم، جاءت الأحداث لمصلحته..
كاترين: هل أستطيع سؤالك عن عمل زاهر بالضبط..
أحمد: أفضل أن يحدثك بنفسه عنه ..
كاترين: لاحظت أن ثقافته أدبية تميل إلى السياسة، ولكنه واقعي إلى درجة مخيفة ..
أحمد: هل لأنه تقبلك كما أنت ..
كاترين: لا عيب في أن يكون الإنسان يهوديا، هكذا أعتقد، ما رأيك أنت؟
أحمد: طبعا، ديننا الإسلامي يعترف بالمسيحية واليهودية ضمن الأديان السماوية الثلاثة، والنبي محمد (صلعم) تزوج من سيدة مسيحية اسمها ماريا ومن سيدة يهودية اسمها صفية، وهناك سورة طويلة عن سيدتنا مريم العذراء..
كاترين: هل حقا ما تقول، أم أنك تجاملني؟
أحمد: كما يتحدث قرآننا عن بني إسرائيل والنبي موسى وكل الأنبياء..
كاترين: أنت تدهشني بكلامك، هل تعملان سويا في نفس المكان؟
أحمد: نعم، ولكن لكل شخص عمله الخاص به..
كاترين: كانت جين مكتئبة حين عادت مساء أمس، ولم أستطع معرفة السبب ..
أحمد: لا أدري، كانت سعيدة ونحن نتناول العشاء في قصر الإمارات، ربما شربت نبيذا فوق احتمالها..
كاترين: شربت المزيد في شقتها، ودخنت سجائر كثيرة أيضا .. يبدو أننا وصلنا، بدأت أعرف بعض ملامح المكان، هنا محل بي إتش إس ..
أوقف أحمد السيارة، أطفأ محركها، شعرت كاترين أنه سيرافقها، فكرت قليلا، استحضرت حلمها، خشيت أن يتحول الحلم، ويتم استبدال زاهر بأحمد، وكاترين بـ جين، ترددت قليلا، ثم طلبت من أحمد بلغة مؤدبة جدا أن ينتظرها، لأنها لن تتأخر، تذكر موقف زاهر بشأن قراره عدم الصعود إلى شقة جين وقال لها: هذا ما كنت سأفعله..
كاترين: ولكنك أطفأت محرك السيارة، والجو حار جدا ..
أحمد: سأذهب لأشتري علبة سجائر.
افترق الإثنان، توجهت كاترين إلى شقة صديقتها، ودخل أحمد متجرا للملابس يطل على سيارته، شعر أنها تأخرت، قرر ألا يقلق عليها، شغل نفسه بتفحص بعض ربطات العنق التي لا يستخدمها، حين عادت، أخبرته أن رجلا في المصعد حاول التعرف عليها، خافت من نظراته الشهوانية، من عينيه الجاحظتين المتعبتين، سألها إن كانت أمريكية، رفضت الإجابة، أكد لها أنها أوروبية، أخبرها أنه درس الهندسة الكيميائية في بريطانيا، ولم يمض على وجوده في أبو ظبي أكثر من شهرين، فر من العراق نتيجة الأوضاع السيئة، يريد أن يعود إلى بريطانيا أو أمريكا. أخبرته أنها زائرة مثله ولا تستطيع المساعدة، نصحته أن يذهب لسفارة الدولة التي يرغب السفر إليها، قال لها بأنه حاول ولكنه فشل، رفضوه رفضا قاطعا، فقد كان يعمل في وزارة الصناعة العراقية، تأسفت له وغادرت المصعد، ظل ينظر إليها غير مصدق، قبل أن تفتح الشقة أخبرته بأنها شقة صديقتها، ورجته ألا ينتظر، دخلت الشقة، عثرت على ما كانت تبحث عنه، تأخرت قليلا، نظرت من العين السحرية للباب، وخرجت حين لم تجده.
أحمد: لماذا خفت من الرجل ؟
كاترين: الغريب حذر دائما، ونادرا ما يطلب أحد من أحد في مصعد أن يساعده..
أحمد: الغريق يتعلق بقشة ..
كاترين: زاد عدد العراقيين في بريطانيا، أراهم في أماكن كثير، معظمهم يحملون شهادات عليا..
أحمد: يقال بأن هنالك أكثر من أربعة ملايين عراقي خارج وطنهم، بين مهجر ولاجئ، هذه هي نتيجة الحروب، أصبحوا مثل الفلسطينيين، هنالك أكثر من خمسة ملايين فلسطيني خارج ديارهم..
كاترين: هنالك شعوب أخرى تعاني من التشرد أيضا، هل تعلم يا أحمد، أؤمن بما قاله زاهر، هنالك أعداد هائلة من الشعوب لو بحثت عن موطنها الأصلي، ستجد تغيرا ديمغرافيا كبيرا في العالم، وستنشأ حروب كثيرة، بعضها أهلية وأخرى نظامية، الحملات الاستعمارية، الهجرات، النفي، الهجرة الطوعية، كلها خلطت الأجناس، وهناك مثل فرنسي يقول بأن وطني أين أجد لقمة عيشي. لكن الإنسان، خاصة في العصر الحالي، ازدهرت لديه فكرة البحث عن الجذور، عن الخصوصية، وقد تتعلق هذه الخصوصية بالدين، أو بالعرق، أو بالتاريخ أو بالجغرافيا، خذ اليهود مثلا، أنا أرى أنه من الخطأ أن تتحول دولة إلى مكان لاستقطاب العقائديين، أي أن تتحول إسرائيل إلى دولة يهودية، شأنها شأن لبنان مثلا، من الصعب أن تتحول إلى دولة إسلامية أو مسيحية أو درزية ..
أحمد: قد أتفق معك على هذا الطرح، وأرى بأن الإنسان المعاصر بدأ يبحث عن جذوره لأنه وجد نفسه مهددا بما يسمى العولمة، لا يمكن يا كاترين، أن ترتدي كل شعوب العالم الجينز، وتأكل الهمبرغر، وتدرس الثقافة الجنسية في المدارس، وتطبق الديمقراطية، وتمارس الحرية الشخصية المطلقة، هنالك خصوصيات لكل مجتمع، لكن العولمة لا تفهم هذا الكلام، يريدون أن يتحول مجتمع مثل المجتمع الخليجي إلى مجتمع أوروبي منفتح بطريقة كبيرة، يستهلك ما تنتجه الدول الصناعية الكبرى، وبنفس القيم ، بينما لهذا المجتمع عاداته وتقاليده وعقيدته، هنالك قبائل في إفريقيا ما زالت عارية وجائعة .. ما رأيك ..؟
كاترين: أتفق معك، لكن العجلة التي يسير بها العالم لا تعطي لشعوب كثيرة ومنها شعوبكم، فرصة التفكير والتأمل بما يجري، بل أحيانا أشعر أنه من الصعوبة بمكان السيطرة على الأمور، ومواجهة هذا الإعصار المعلوماتي العجائبي الكبير، وهذا الانفتاح في البث الإعلامي، أريد أن أقول لك شيئا، قد لا تتغير أنظمة الحكم، ولكن الشعوب تتغير، فقد بات من المستحيل ممارسة مراقبة ما على أي شيء، ومعظم شعوب العالم الثالث منبهرة، ربما نتيجة الضغوط التي تعرضت لها على مدى سنوات طويلة..
أحمد: لقد وصلنا، على كل حال، أود أن أقول لك، بأن الديمقراطيات أشكال، ونحن هنا نمارس ديمقراطية قلما تتواجد في مكان في العالم ..
كاترين: كيف؟
أحمد: ما يحصل عليه المواطن الإماراتي لا يحصل عليه أي مواطن في أي دولة، وعلاقة الشعب مع الحاكم ليست علاقة حاكم ومحكوم، بإمكان أي مواطن الوصول إلى أي مسؤول وبث شكواه وطلب ما يريد، هل بإمكانك مقابلة توني بلير أو أي وزير بسهولة؟
كاترين: بالتأكيد لا ..
أحمد: أنا أستطيع، وبسهولة ..
كاترين: تستطيع مقابلة توني بلير !!
ضحكا معا، دعته للنزول لرؤية جين، ذكرها بأن الزيارة ممنوعة، حاولت أن تشرح له فأخبرها أنه يفهم ما تريد قوله: سنراها عندما تستعيد عافيتها، نأمل أن يتم ذلك قريبا..
كاترين: انقل تحياتي لزاهر، ربما هو غاضب الآن ..
أحمد: لا أظن، زاهر يعرف ماذا يريد، وكيف، اتصلي لو احتجت شيئا..
كاترين: لا حاجة لي لديك، أعني، لا أريد أن أزعجك، سأتصل بزاهر في ما بعد ..
انطلق أحمد بسيارته، ظلت جملة ( لا حاجة لي لديك) تطرق طبلة أذنه، شعر بنفور منها، رغم ما سمعه من أفكار معقولة، ولكنه أقنع نفسه مضطرا في النهاية، بأنه من الطبيعي أن تكون حاجتها لزاهر أكثر منه. إن ما لم يستطع أحمد فهمه، هو استفسارها الدائم عن طبيعة عمل زاهر، ثقافته، مرجعياته، وسر العلاقة التي تربطه به، كأنها تشك بصدقيتها، وربما تنطلق من قناعة كثيرين، بأن الخليجيين غير مثقفين، ولا يصادقون أحدا خارج بيئتهم، أو أنها تشك بانتمائهم العربي، على سبيل المثال.
أفكار كثيرة راودت أحمد، ضغطت على دماغه، أربكت سيره وتركيزه وهو يصعد الدرج متجها إلى مكتب زاهر، الذي وجده منكبا على القراءة والكتابة. جلس أحمد دون كلام قبالة زاهر: أطلب لنا شايا يا زاهر، ريقي يكاد يجف ..
زاهر: أنت ريقك يكاد أن يجف من حرارة الطقس في الخارج، وأنا قلم حبري يكاد أن يجف من الكتابة في تداعيات ضربة محتملة لإيران من قبل أمريكا، هل تعلم، منذ زمن لم أكتب بيدي، أنت تعلم بأنني أكتب مباشرة على الكمبيوتر، لا أدري لماذا اليوم قررت الكتابة، اسمع يا صديقي، إن أكبر التداعيات ستنعكس على ..
أحمد: عذرا يا صديقي، لا أود أن أقاطعك، إلا أنني أريد أن أتحدث معك في مشكلة أكبر من مشكلة توجيه ضربة عسكرية لإيران، على الأقل، حسب تقديري..
زاهر: هل ماتت جين؟
أحمد: لا تزد من توتري وقلقي، لو ماتت لكانت كارثة، لكن ما سأسرده لك أيضا يدخل في باب الكوارث، اسمع ماذا حدث، حضر السفير الأمريكي حين كنت أتحدث مع كاترين، طبعا لا أريد أن أصف الأجواء فأنت تعرفها، طلب إحضار طبيب أمريكي من مستشفى آخر لمتابعة حالة جين..
زاهر: توقعت هذا، هل يدهشك أيها البريء ؟
أحمد: اصبر على رزقك، لا تتعجل الأمور، عندما انتهى السفير من ترتيب كل الأمور، تأمل جين مليا، حملق بالأجهزة الموصولة ثم همس لأحد مرافقيه: يجب فتح تحقيق ، القلب الأمريكي قوي، ويجب ألا يصاب بنوبة، علينا معرفة ما حدث، ومن كان سبب أصابتها بنوبة قلبية، بعيدا عن الأسباب الطبية..
زاهر: هل أنت خائف؟
أحمد: وما شأني بقلب جين يا زاهر، هل جننت؟
نهض أحمد عن كرسي مكتبه، تحرك ليقابل البحر وقال: إجراء تحقيق يا عزيزي يعني البحث عن أجوبة لأسئلة من نوع: مع من كانت قبل أن تصاب بنوبة قلبية؟ ما الحديث الذي دار حتى تكدر مزاجها وأصيبت بحزن شديد أو اكتئاب أشد، أو غضب لم تستطع التعبير عنه؟ ماذا شربت، ماذا أكلت؟ يعني فحص الطعام، تحقيق مع الطباخين، تحقيق مع النادل الذي قدم لها النبيذ، فحص النبيذ ذاته، فحص الهواء الذي تنفسته، ربما فحص هواء السيارة التي استقلتها وهي عائدة إلى شقتها، من حملق بها ولم يصلي على النبي فأصابها بالحسد، من أثار عصبيتها من السائقين في الشارع، الاستماع إلى شهادة كاترين، كيفية نقلها إلى المستشفى، وأشياء أخرى ..كأن ما حدث لها بفعل فاعل، لا تقل لي بأن التهمة ستوجه إلى إرهابيين أيضا، وقد أكون أحدهم ..
زاهر: ليس شرطا أن تكون أنت، ربما حدث ما حدث بنيران صديقة، أعني ...
أحمد: لا تضخم الأمور يا صديقي، لا أحتمل المزيد من التوتر والأفكار البائسة، أريد أن أقول لك شيئا، اعتذرت كاترين مني بلباقة، على عدم مرافقتها إلى شقة (جين)، رغم أنني لم أكن أخطط لذلك، أو كان من الممكن مرافقتها لو دعتني، إلا أنها تأخرت في الشقة، وعادت لتحدثني عن رجل عراقي طلب منها مساعدته للعودة إلى بريطانيا أو أمريكا ..
زاهر: لا يدهشني هذا أبدا، أولا، الشقة ليست لكاترين، ثانيا: هناك خصوصية تريد استغلالها، ثالثا: خشيت على نفسها من الاغتصاب ..
أحمد: مستحيل، أنت تمزح !!
زاهر: هذه أفكارهم عن الرجل العربي الذي لا يستطيع رؤية امرأة بمفردها إلا ويراودها عن نفسها، فإن رفضت اغتصبها .. الرجل العربي لا يرى من المرأة سوى شفتيها وثدييها وجهازها التناسلي ..
أحمد: أعلم، ولكنها خرجت معنا وتناولنا العشاء سويا، على الأقل عرفت بأنني درست في أمريكا، وكما يقولون، تحضّرنا هناك، أنا لا أقيم لهذا الأمر وزنا، لتعتقد ما تشاء، أما الأمر الثاني، حين أبديت استعدادي لمساعدة كاترين وقت الحاجة، تعجلت في الرد وقالت: لا حاجة لي لديك، سأتصل بزاهر .. ثم عدلت أو جمّلت كلامها بمفردات أخرى، إنها لا تريد أن تزعجني ..
رن هاتف زاهر، ظهر اسم كاترين على الشاشة، ناوله لأحمد، سمع صوت كاترين يرتجف: أدخلوا جين لوحدة العناية المركزة.
حاول أحمد أن يهدئ من روعها، لكنها عندما سمعت صوته وتعرفت على محدثها سألت: لماذا لم يجبني زاهر، هل يمكنني التحدث معه؟
كاترين: لماذا لم ترد أنت يا زاهر، هل أنت غاضب مني ؟
زاهر: لا أعتقد بأن جين ترغب بإخباري عن حالتها الصحية ..
كاترين: هل يمكنني رؤيتك في المساء ..
وعدها زاهر أن يلتقيا، لم يسأل عن صحة جين، وحين استفسرت مرة أخرى عن عدم رده قال لها: سنلتقي في المساء إن سمح الوقت، وإن احتجت شيئا قبل ذلك اتصلي بي، رغم أن صحة جين لم تعد مسؤولية مستشفى الطوارئ.
كاترين: أعرف أن أحمد أخبرك بكل شيء، لا دور لي بما يحدث، إنني نادمة على حضوري فعلا، وأحاول الانسحاب بأقل الخسارات، وأولها أنت يا زاهر، علينا أن نتواصل بشكل مستمر ..
زاهر: أنت منفعلة، وقد اتفقنا أن نلتقي في المساء ..
كاترين: أنت قلت إذا سمح لك الوقت، هذا يعني أننا ربما لا نلتقي، أنا في حاجة إليك، وأنت أيضا، كما أعتقد ..
زاهر: هل طلبوا منك عدم البقاء مع جين في المستشفى ؟
كاترين: لم يطلبوا مني، لكنني فهمت هذا .. سأكون وحيدة هذا المساء، ومقتلي في وحدتي ..
زاهر: إلى اللقاء ..
أقفل زاهر الهاتف بعصبية، قال لأحمد: سأعلمها أنني عرفت كل شيء، وعلينا التعامل مباشرة وبوضوح أكثر، حتى لا نتحدث في الألغاز، نسيت أن أخبرك، طلبوا منها بطريقة غير مباشرة مغادرة المستشفى، وسيتولون هم إدارة مرضها، والإشراف على خفقان قلبها ..
أحمد: الأمر يعود لك، أنت صاحب الشأن، تصرف بالطريقة التي تريحك، حتى لو رغبت في الزواج منها ..
زاهر: بدأت تشطح، بل بدأت تتخلى عني يا أحمد، أي زواج هذا ..
أحمد: هل تعتقد أنهم سيحققون معي ؟
زاهر: هنالك كلمة أكثر تأدبا من ذلك، قد يستمعون إلى شهادتك، قد يبدو الأمر مختلفا، يعني التحقيق يكون مع المشتبه بهم أو المذنبين، أما الشهادة، فهي ..
أحمد: لا تجمّل الأمور، ولكن هل تنصح بزيارة جين في المستشفى؟
زاهر: آسف لقولي بأن الجناح الذي ترقد فيه جين تحول إلى شيء آخر، من المؤكد أن الأدوية والمحاليل والطعام سيأتي من خارج المستشفى أيضا، إضافة إلى التحاليل وغيرها، ولن يسمحوا لأي باقة ورد أو علبة شوكولاته أو بطاقة تمنيات بالشفاء، بالدخول إلى غرفتها، ولكن يمكنك المحاولة، على الأقل حتى تقلل من توترك وقلقك على صحتها ..
أحمد: أنت تفهمني بالتأكيد ..
زاهر: عيبي الوحيد أنني أتفهمك ..
أحمد: ماذا تعني ..؟
زاهر: أعني أنك تستحق أن أتفهمك، ألا نعود إلى موضوعنا وبحثنا، ماذا لو هاجمت الولايات المتحدة الأمريكية إيران؟
أحمد: أنت لا تمل من العمل؟
زاهر: أعتبرها مهمة وليس عملا فقط، كاترين طارئة على المكان، غدا تغادر الدولة، وجين وجودها مؤقت، أليست من ضمن العمالة المؤقتة؟
أحمد: أنت لئيم جدا يا صديقي، ولكنني أحبك ..
زاهر: تبقى المسألة مسألة إيران، أليس كذلك، وإيران جارة يا صديقي، يعني .. انتصرت أمريكا وغيرت النظام في إيران، أو نشرت الفوضى الخلاقة التي يتحدثون عنها، أو انتصرت إيران أو صمدت، أو تحولت إلى عراق آخر أو فيتنام أخرى، سيبقى الموضوع هو: إيران .. أليس كذلك؟
أحمد: إلى حد ما، الكلام يحتمل النقاش..
زاهر: أنا معك، واسمع ما قرأت في جريدة الخليج، الموضوع بعنوان: ماذا نفعل في اليوم التالي لضربنا إيران؟ الكاتب جري لوب، أستاذ التاريخ المحاضر في جامعة تفتس في أمريكا، والمترجم، كمال حسين البيطار..
أحمد: طبعا يتحدث عن اليوم التالي في أمريكا وإيران، وليس عندنا ..
زاهر: باختصار، يقول الكاتب: أمريكا ليس لديها خططا أنضج من تلك التي رسمتها في العراق أو أفغانستان، سيتحرك الشيعة في العراق ضد أمريكا، ستخسر أمريكا اليسار الإيراني، وسيلتف الشعب حول الحكومة الإيرانية. ويقول بأن الهجوم الأمريكي باتت خططه في مراحلها الأخيرة.. أما أسباب أمريكا لضرب إيران، فستكون ذاتها التي أدت إلى ضرب العراق .. هل يساعدنا هذا الكلام في بحثنا..؟
أحمد: الأمر في غاية الخطورة ..
زاهر: أي أمر ؟
أحمد: وضع جين ووضع إيران.. سأسألك سؤالا غير بعيد عن موضوعنا، هل تعتقد بأن خيبة أمل جين بي كانت وراء نوبتها القلبية؟
زاهر: ربما ..
أحمد: هل تعتقد أنه من الحكمة أن أغازلها قليلا ..
زاهر: أخشى أنها لا ترضى بالقليل يا صديقي.. ولهذا، إما قلبك، وإما قلبها ...
أحمد: أنت في غاية اللؤم يا صديقي، ولكن لن أدعك تعرف حين أقوم بمغازلتها، أنا أيضا قلبي قوي..
زاهر: أريد أن يكون قلبك قويا وأنت تدلي بشهادتك ..
أحمد: أنا أحاول أن أنسى وأنت تعيدني إلى الدائرة، ولكن لا بأس، أنت تعرف صديقك ..
لم ينته كلام أحمد حتى رن هاتفه، تغير لون أحمد مباشرة، جلس كعادته حين يكون مرتبكا، أمسك ورقة وقلما، بدأ يرسم خطوطا ودوائر ويظللها بسرعة ، كان يردد كلمات مثل: نعم أنا أحمد، نعم كنت معها، أين..؟ سأحضر في الوقت المحدد، لا لا تعتذر، المسألة بسيطة ..
أقفل أحمد الهاتف وقال: يبدو أن التحقيق قد بدأ، أريد أن أختلي بنفسي في مكتبي ..
زاهر: أنا جاهز للمساعدة في أي وقت ..
أحمد: من الأفضل أن تبقى بعيدا ..
رن هاتف زاهر مباشرة بعد انتهاء الحوار، نظر في وجه أحمد، أطلق عينيه للبحر، كان يردد كلمات مثل: نعم أنا زاهر، في الساعة الرابعة عصرا، نعم، سأحضر في الوقت المحدد .. لا بأس..
أقفل الهاتف بهدوء: يبدو أنني لن أكون بعيدا أبدا ..
أحمد: هل حددوا لك الساعة ؟
زاهر: في الرابعة عصرا ..
أحمد: وأنا في الساعة السادسة مساء ..
افترق الصديقان بهدوء، بعد أن كست وجهيهما سحابة حبلى بالحيرة، اتفقا ألا يتحدثا في المساء، ألا يتبادلا رسائل هاتفية أو إلكترونية، وألا ينفعلا، وظن كل منهما أن جين ماتت ..