الفصل الثالث عشر من رواية فتنة كارنيليان
أنور الخطيب
لم يستيقظ أحد قبل الآخر، لم ينم أحد قبل الآخر، الساعات مرت، الزمن هو العنصر الوحيد الذي لم يتمكنا من إيقافه، كاترين وزاهر عجزا في اللحظة التي بدأ يتشقق فيها الصبح عن مقاومة سلطان النوم، أقنع كل واحد منهما ساعته البيولوجية أنه سينام لساعة أو ساعتين، تعطلت الساعة البيولوجية، فتح كل منهما عينيه في الساعة العاشرة، اعتقد الإثنان أن الآخر قد غادر الشقة قبله. نهض زاهر، خلع بيجامته وفانيلته وبقي بسرواله الداخلي، بدأ يجري تمارينه الصباحية المعتادة، نهضت كاترين، نظرت من النافذة، سرقتها مراقبة البيوت والسيارات والمارة، أحست بحرارة الطقس في الخارج، ذلك أعطاها إحساسا بخلع الدشداشة، وترتيبها، ووضعها على السرير. فتح كل منهما باب غرفته متجها نحو الحمام وهو مطمئن لوحدته، تقابل الاثنان غير مصدقين، استغرقا وقتا كي يدركا عريهما، عادت كاترين بسرعة إلى غرفتها، ارتدت الدشداشة من جديد، عاد زاهر بسرعة إلى غرفته ليرتدي البيجاما ..
توقعت كاترين، رغم عدم تخطيطها لعريها، أن يحتضنها زاهر ويسترها بجسده، توقع زاهر أن تتقدم كاترين خطوة إلى الأمام وتختبئ به، لكن تراجعهما بسرعة أدهش الإثنين، شك زاهر برغبته نحوها عندما راقب تموج جسدها داخل الدشداشة وهي متجهة إلى غرفة النوم، أدركت كاترين أن صدر زاهر ليس المكان الذي يمكنها اللجوء إليه لستر عورتها.
ظل الإثنان خلف بابين مقفلين، لا يدري أحدهما ما يفكر به الآخر، الأمر بدا كحلم يقظة، التقيا كغريبين يقطنان في غرفتين متجاورتين، سوء التقدير وضعهما في ذلك الموقف المحرج، تجاوزاه كأنهما لن يتقابلا مرة أخرى..
بعد مرور حوالي عشر دقائق، خرجا مرة أخرى في وقت واحد، تقابلا كأنهما لم يتقابلا قبل لحظات في وضع لا يقاوم، أبدى كل دهشته لتأخره في النوم، وتقبله للكسل المشروع ..
حول مائدة الإفطار التي حضرها زاهر دار حديث هامشي، صمت الإثنان وهما يرتشفان الشاي، رن هاتفا زاهر وكاترين في اللحظة ذاتها، أبدى أحمد قلقه على زاهر، فأخبره أنه سيغادر بعد قليل، طمأنه أن التقرير سينجز، أجابه أن كاترين موجودة، وإنها ستغادر عما قليل، قد يوصلها إلى المستشفى..
أنهت كاترين المكالمة، أخبرت زاهر: إنه مساعد السفير، يطلب منها الحضور بسرعة إلى المستشفى، رفض إخبارها عن حالة جين الصحية، ألح عليها بالحضور في أسرع وقت ممكن ..
تركا الإفطار على الطاولة في المطبخ، كانا خلال دقائق قليلة في سيارة زاهر.
- هل تعتقد أنه من الصواب توصيلي إلى المستشفى؟
- يمكنك النزول قبل باب الدخول بأمتار ..
- ألا تعتقد أن المكان كله تحت المراقبة، طالما أن الأمر وصل إلى فتح تحقيق وجمع بيانات؟
ضحك زاهر بصوت مرتفع، أبدت دهشتها من ضحكه، اعتقدت أنه يستهزئ بالإجراءات، أخبرها أن الوهم يسيطر على كثير من العقول وقال: هذا قدرها، أن تصاب بنوبة قلبية وهي خارج وطنها، نحن نؤمن بالقدر ونتقبله ..
- لا أعتقد أن كثيرين يؤمنون بالقدر، وإلا ما حدثت هذه الفوضى في العالم، هل تعتبر أن الفوضى قدر أيضا ..
- هنالك فرق بين أن نرضى بالأمر الواقع الذي يحاول الإنسان فرضه، وبين القدر الذي يعجز الإنسان عن تجنبه، أليس كذلك ..؟
- ربما، ولكنك .. لكنك قاومت القدر ..
- أفهم ما تقصدين، أود أن أقول بكل وضوح، ربما هنالك أحداث أخرى يرتبها القدر في الأيام أو السنوات القادمة..
- كيف، ألم يأت بي القدر إلى هنا كي اقابلك؟
- نعم، ولكن لو أراد لنا القدر أن نمضي الليل في سرير واحد لأجج فيّ أو فيك الغريزة، أنت كنت مترددة حتى في أشد حالات إغوائك، وأنا كانت تعيق تقدمي نحوك فجوة ما ..
- هل تعرفها ؟
- ربما .. وربما تكون هي القدر ..
- هل تعتقد أنه حصل مكروه لـ جين ؟
- سيكون قدرها، ولكنني أعتقد أنها ليست في صحة جيدة، هذا كل ما في الأمر ..
- في كل الأحوال سأكون حزينة جدا لو حصل لها أي مكروه، أفكر في أمر ما ..
- وهل يتعلق بصحة جين ؟
- نعم بشكل أو بآخر، ولكن جين لم تعد تملك أمرها الآن، إنهم يخططون لأمر ما ..
- وهل تتابع أمريكا قلوب كل الأمريكيين في الخارج ؟
- أنت دائم تسيّس الأمور ..
- هل ترسلين تقريرا عن قلبك إلى رئيس وزرائكم كلما سافرت خارج بريطانيا؟
- توقف عن هذا الهزل، زاهر، أنت لا تتعاطف مع جين ..
- يبدو أننا وصلنا، هل تودين إعلامي بالمستجدات، إن لم تكن سرية بالطبع ..
- أراك حولت المسألة إلى سخرية ..
- نقول في أمثالنا: شر البلية ما يضحك ..
- وهل جين شر البلية! لم أكن أعلم أنك تتميز بهذا الحس ..
- ربما من قلة النوم ..
- أدع الله لها بالصحة لأنك ستتحمل النتيجة، أليس هذا هو المستشفى، أنزلني هنا من فضلك ..
دخلت كاترين المستشفى، اندفع زاهر بسيارته مسرعا نحو عمله. ظلت كلمات كاترين ترن في مسمعه ( أنت ستتحمل النتيحة ..)، تساءل: هل تعني بأنني وراء إصابة جين بالنوبة القلبية، أم أنني سأتحمل نتيجة ما يحدث لكاترين! لا بأس، حين قتلت أنديرا غاندي قالوا بأنني وراء ذلك، وربما كنت وراء التصحر في إفريقيا، أو الأعاصير في فلوريدا، أو الزلازل في إيران، لا بأس.. سأتحمل النتيجة، رأسمالها حقيبة على الظهر وتذكرة طائرة ..
حين وصل زاهر إلى مكتبه وجد أحمد في انتظاره، وملامح قلق بالغ تحتل ملامح وجهه، ظن أن قلق أحمد يعود إلى احتمال حدوث متاعب له، إلا أن زاهر هدأ من روعه: لا تخف يا أحمد، لن أزج بك في أي موقف محرج قد يسبب لك الأذى..
رن تلفون زاهر، أخبرته كاترين على الفور: اسمع يا زاهر، هل يمكن أن تمر بي بعد الانتهاء من عملك ..؟
- هل ترغبين في أن أمر بك الآن؟
- لن أعطلك عن عملك، ثم أنني لن أكون وحدي، هل تمر بي؟ سأنتظرك في المقهى الذي تقابلنا فيه أول مرة ..
أقفلت الهاتف، فكر في كل الاحتمالات، أخبر أحمد : طلبت مني مقابلتها في المقهى بعد انتهاء الدوام، هل تفكر بزيارة جين ؟
أحمد : وهل سيسمحون لي ..؟
زاهر: أسرع إن كنت تنوي ذلك، يبدو أن الأمر في غاية الخطورة ..
لأول مرة يتصرف زاهر مع أحمد بطريقة لئيمة، أراد أن يعرف على وجه السرعة ما حدث لـ جين، وحتى يخفي هدفه أخبره: يمكنك البقاء إذا أردت أيضا، على الأقل ننتهي من عملنا ..
بدأ زاهر يتصرف كأنه أنهى الحوار، بينما كانت كل حواسه موجهة إلى كيان أحمد، في انتظار قراره، وحين طال تردد أحمد، سحب زاهر ملفا من درج مكتبه وبدأ يقلبه..
نطق أحمد أخيرا: حاول أن تكتب النتائج التي توصلنا إليها في موضوع إيران، وسنراجع التقرير حين أعود ..
هز زاهر رأسه وهو يقرأ دون تركيز ..
انتهى الدوام ولم يحضر أحمد، سلم زاهر التقرير لمسؤوله المباشر..
في الساعة الثالثة والنصف، كان زاهر يجلس في المقهى ذاته في مركز المارينا، لم يجد كاترين، لم يفكر بأي فرضية أو احتمال، بدأ يراقب الداخلين والخارجين، لم يحضره كوفي عنان، لم تثره الأجناس والألوان التي كانت تتحرك في الممرات بأعداد قليلة، جاءت العاملة الفلبينية روز، طلب عصير برتقال محلّى، في تلك اللحظة شاهد كاترين قادمة نحوه مسرعة، اعتذرت عن التأخير، طلبت شايا بالحليب المحلّى، أبدت دهشتها مباشرة لعدم إحضار عقد الكارنيليان الذي وعدها به صاحب المحل، أخبرها بأنه يحضر معظم العقيق من اليمن، تأسف لأن الشحنة لم تصل.
كان زاهر يستمع إليها دون اهتمام، أحضرت روز العصير والشاي، اشعل سيجارة، نادرا ما يدخن زاهر قبل الغداء، نظر إلى هاتفه ..
- أنت قلق، هل تنتظر مكالمة من أحد ؟
- لست قلقا، ولكن قد يتصل أحمد بي، لا تشغلي نفسك، قضية عادية ..
- اسمع يا زاهر، قرروا نقل جين إلى أمريكا للعلاج، استعادوا هاتفها ومفتاح الشقة، أخذت حقيبتي وغادرت المكان، كان برفقتي أحد موظفي السفارة، عرضوا علي حجز غرفة لي في فندق لمدة يومين، رفضت، حريتي أكبر من تكاليف غرفة في فندق، وجدت مكتب سفريات في البناية التي كانت تقطن فيها جين، حجزت للعودة مساء الغد، هل يمكنك استضافتي الليلة، الليلة فقط .. ؟
- كل هذه الأخبار دفعة واحدة ؟
- يمكنني حجز غرفة في فندق، أنا لم أصرف شيئا يذكر منذ أسبوع، لم تستفد أبوظبي مني كثيرا..
- اصطحبتك إلى شقتي قبل أن أعرفك، فكيف أرفض الآن ..
- لا شيء أكيد في هذه الدنيا، إنها الأقدار، ربما ترفض ...
- تسألك الأقدار عن طبقك المفضل للغداء ..
غابت الابتسامة عن وجه كاترين، والشقاوة عن حركاتها ولغتها، تناولا الغداء في أجواء شبه صامتة، تجولا في مركز المارينا حتى المساء، تحدثا بملل عن الأزياء والعطورات والموضة والمطاعم والشباب والبنات والحرية، وحين تعبا دخلا إلى السينما، شاهدا فيلم آلام المسيح.
في الطريق إلى شقة زاهر أسرت له كاترين: هل تعلم، إنها المرة الثانية التي أشاهد فيها الفيلم، اليوم تأكد لي إحساسي الذي راودني بعد مشاهدته في المرة الأولى..
- وما هو ؟
- حين يتم توظيف الدين لخدمة السياسة، تدفع الشعوب ثمنا باهظا، أرسل الله الأنبياء لإحلال السلام، فإذا بالبشر يوقدون نار الحروب ..
- البعض يغير في الدين ليناسب أطماعه وأهواءه الخاصة، يلبسها أفكارا وطنية، بينما الدين جاء ليتمم مكارم الأخلاق، يبدو أننا وصلنا ..
- ما رأيك لو أبقي حقيبتي داخل السيارة، هل الدنيا أمان ..؟
- بالتأكيد أمان ..
- هل تعلم، وضعت حقيبتي في المكان الذي أخذناها منه، في مدخل مركز المارينا، إلى جانب مكتب الأمن بعد استئذان الموظف، لم يرفض، لم يعطني إيصالا، عدت ووجدتها، كما رأيت، في مكانها دون أن تتحرك سنتمترا واحدا ..
- لو احتجت شيئا منها يمكنني إحضارها حتى لو كان الوقت فجرا ..
- شكرا، هذه الحقيبة الصغيرة تحتوي على كل ما أحتاج، ثم أن الدشداشة قد أعجبتني، هل ستبخل علي بها الليلة ..
دخلا الشقة، اتجهت كاترين مباشرة إلى الغرفة، قام زاهر بما يقوم به في كل مرة يدخل فيها شقته، فتح التلفزيون، كانت الساعة تشير إلى منتصف الليل، وأخبار الحرب في لبنان تنهال تباعا..
( اعتقال شخصين يشتبه في تعاملهما مع إسرائيل في مدينة صور في جنوب لبنان، قتل جنديين إسرائيليين وجرح 17 في معارك برية عنيفة مع مقاتلي حزب الله في مثلث قريتي عيترون ومارون الراس وبلدة بنت جبيل. حزب الله يتبنى إسقاط مروحية آباتشي ويعلن تدمير خمسة دبابات وإسرائيل ترفض فكرة إسقاط حزب الله للطائرة، الجيش الإسرائيلي يعلن أسر مقاتلين اثنين من حزب الله في قرية مارون الراس، و إنه يتحفظ على جثث 13 مقاتل. رئيس أركان الجيش الإسرائيلي يؤكد خطر سقوط صواريخ حزب الله على تل أبيب "ما زال قائما" و الجيش الإسرائيلي يهدد بتدمير عشرة مبان في الضاحية الجنوبية مقابل كل صاروخ يطلقه حزب الله على مدينة حيفا. السيد حسن نصر الله يقول في مقابلة مع صحيفة السفير اللبنانية "أؤكد لكم أن هذا الهدف (وقف الهجمات الصاروخية) لن يتحقق إن شاء الله من خلال أي توغل صهيوني". شن الجيش الإسرائيلي غارات استعملت فيها القنابل الفوسفورية على قرية كفر شوبا. قتل أربعة مراقبين تابعين للأمم المتحدة في قصف جوي إسرائيلي إستهدف مركزهم في بلدة الخيام بجنوب لبنان) .
دخلت كاترين الصالون، جلست قبالة زاهر، نظر إليها نظرة خاطفة، أدرك أنها لم تكن ترتدي الدشداشة على لحمها، سألته: هل من جديد؟
- لا جديد سوى استخدام القنابل الفوسفورية وقتل أربعة جنود تابعين لقوات حفظ السلام ..
- وهل لا يزال هنالك سلام .. !
- يتحقق السلام حين يقتنع القادة بأحقية كل شعب في الوجود ..
- هذه إشكالية كبيرة، هل تؤمن بما قلت حقا ؟
- أنا أؤمن بأمر واحد، ولا بأس من تكراره، لو بحث كل امرئ عن أصله وطالب به والعودة إليه، لتغيرت الخريطة السكانية في العالم، هنالك دول ستختفي من الوجود، وهنالك شعوب ستترك بيوتها وأراضيها لتعود إلى أصلها، فهل هي على استعداد؟
- أراك تنادي بوحدة الوطن والإنسان ..
- لست مثاليا إلى هذا الحد، ولكنني على قناعة بأن بعض المنظرين وبعض الذين يدعون الوطنية، وبعض الذين يعتقدون بأنهم يمثلون الله على الأرض، هم سبب مأساة الإنسان، الزعامة لها ألف قناع وقناع يا كاترين، البعض يرتدي قناع الدين، وآخرون قناع الوطنية، وطرف آخر يرتدي قناع العلم وغزو الفضاء، الإنسان يبحث عن زعامة وسلطة، وكلما تورمت الأنا في داخله، انعكس التورم على العلم، وازداد موتا وحروبا ومشاكل ..
- أريد أن أستأذنك في أمر، هل تسمح لي بنشر حواراتنا في حوار واحد ونشره في صحيفتي؟
- أنا لا أبحث عن شهرة أو زعامة يا كاترين، هل قطعت آلاف الأميال من أجل هذه المهمة؟
- في الواقع أنا في إجازة، لكن الصحفية التي في داخلي تبقى تعمل ..
- أوافق ولكن بشرط ..
- موافقة على كل شروطك ..
- لا تتعجلي الأمر، إنه شرط صعب، أنا أعلم أن ما تكتبينه لن يكون حوارا معي فقط، ستكون قصة صحفية عن زيارتك، أليس كذلك ؟
- تستطيع أن تقول هذا ..
- شرطي أن تكتبي كل ما حدث معك ..
- ماذا تعني؟
- أعني أن تتضمن قصتك ما حدث لـ جين، والتحقيق الذي تعرضت له، وتدخل السفارة في الأمر، والتحقيق الذي أجري معي ومع أحمد ..
- أنا لا أعرف ما جرى في التحقيق معكما ..
- سأعلمك بكل شيء، ابتداء من مستشفى الطب النفسي وانتهاء بمقابلتنا ذلك اليوم، حين أصبت بنوبة ضحك، ولكن علي أن أناقش أحمد في الأمر.
- هل أفشي لك بسر ؟
- إن كان ليس سرا ..
- لا تتفلسف، التقطت صورا لـ جين وهي في المستشفى، كما التقطت صورة للسفير في أثناء زيارته لها، لدي كاميرا صغيرة جدا لا يمكن ملاحظتها ..
- ماذا لو منعتك من النشر !!
- سأستجيب، علاقتي بك أهم من كل القصص الصحفية ..
- هل تشربين شيئا؟
- لا، ولكن أريد شيئا آخر، أريد صورتك وصورة أحمد في حال موافقته ..
- ألم تلتقطي لنا صورا أيضا؟
- أنت صعب يا زاهر، بصراحة، لم أفعل..
كانت الساعة تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل، اقترح زاهر أن يخلد كل منهما للنوم، وقال: لا أريد أن يتكرر غيابي وتأخري خلال يومين متتاليين، القوانين لدينا صارمة، هل قلت لي عن ساعة إقلاع طائرتك؟
- في السادسة مساء ..
- لدينا متسع من الوقت، سأنقلك إلى المطار بعد عودتي من العمل ..
شكرته، اتجه كل منهما إلى غرفته، استغرقا في النوم حتى الصباح، استيقظ زاهر قبلها، في الساعة السابعة والنصف كان يقرأ الصحف في مكتبه، في الساعة التاسعة زاره أحمد، بعد نقاش دام ساعتين شمل تسليم زاهر للتقرير دون حضور أحمد، عدم تمكنه من زيارة جين، حواره الطويل مع الطاقم الطبي، ومسألة ظهوره في القصة الصحفية لكاترين. انتهى الحوار بموافقة أحمد على النشر ولكن دون صورته: الناس يا زاهر يقرؤون الصور، فلا تفضحني! هل تريدني أن أرافقكما إلى المطار ..
زاهر: أفضل أن نكون وحدنا، وهذا لا يزعجك طبعا ..
في الساعة الثالثة وعشرين دقيقة، طرق زاهر باب شقته، انتظر للحظات، ثم فتح الباب، كانت كاترين تتوسط باب الصالون، طلبت منه ألا يدخل المطبخ. فتح التلفزيون، نقل مباشر لمراسل الجزيرة من شمال فلسطين، وتذمره من إزعاج الإسرائيليين للصحفيين وعدم السماح لهم بالاقتراب من المواقع العسكرية أو في أماكن سقوط صواريخ حزب الله ..
سمع زاهر صوت كاترين تدعوه للدخول إلى المطبخ، استجاب بسرعة، كانت كاترين قد حضرت طعام الغداء، خضار بالدجاج في الفرن، وسلطة خضراء، أخفى زاهر تردده في تناول الطعام، لكنه تناوله بشهية في ما بعد، مبديا إعجابه ورقة تصرفها.
خلال دقائق كانا في طريقهما إلى المطار، قطعا مسافة لا بأس بها قبل أن يدور بينهما حديث، بدأه زاهر بإعادة شكرها على تحضير الطعام: منذ زمن لم يحضر أحد الطعام لي، لم ينتظرني أحد على الغداء أو العشاء، لم يتمن لي أحد ليلة سعيدة، لم يتفقدني أحد وأنا نائم، وأنت فعلتها يا كاترين..
- سألتك إن كنت تمتلك بيتا في مكان ما، وقلت لي بأننا سنتحدث في ما بعد ..
- امتلكت بيتا في لبنان ولم أسكنه، المكان الوحيد الذي أشعره بيتا حيث تكون أمي موجودة، قد يدهشك كلامي، أنا لا أشعر ولم أشعر بالاستقرار أبدا، لهذا، لا أعرف ما معنى البيت..
- أنت هنا منذ خمسة عشر سنة، ألا تشعر بالاستقرار ..
- اشعر بالإلفة وليس بالاستقرار ..
- أريد أن أطرح فكرة ما، ماذا لو تحضر إلى بريطانيا، أنت ككاتب ومثقف، قد تجد فرصتك بشكل أفضل، خاصة وإن لغتك الإنجليزية ممتازة ..
- وهل الأمر سهل إلى هذه الدرجة ؟
- وافق أنت، واترك الباقي على كاترين، أستطيع إحضارك خلال أسبوع ..
وصلا المطار، دخلا سويا إلى صالة المسافرين، لم يمنعه الشرطي من مرافقتها، انتهت بسرعة من إجراءات شحن حقيبتها وأخذ بطاقة دخول الطائرة.
وقفا وجها لوجه، شكرته على وقوفه إلى جانبها، تمنت أن يتواصلا، وعدها بالاتصال، تمنى لها رحلة موفقة، وما كادت أن تخطو خطوتين حتى ناداها زاهر، عادت إليه، وضع يده في جيب سترته، أخرج عقد الكارنيليان، فرده على كفيه: هذا كي يمنحك الطاقة والتفاؤل!
وضعه حول عنقها، لم تنطق كاترين، سحرتها المفاجأة، عانقته، طال عناقها له، رفعت رأسها عن كتفه، تأملت وجهه، وقالت بصوت متقطع: لا أرغب بالسفر..
ابتسم زاهر: قد نلتقي يوما ما يا كاترين، قد نلتقي، انقلي تحياتي لـ جين ..
أبو ظبي/ 2008
صدر للمؤلف
روايات
· الأرواح تسكن المدينة اتحاد كتاب وأدباء الإمارات
· رحلة الجذور مكتبة بيسان (بيروت - لبنان)
· أبابيل دار الكرمل (عمّان - الأردن)
· رائحة النار اتحاد الكتاب والأدباء العرب (دمشق)
· صراخ الذاكرة دار ميريم للنشر (بيروت- لبنان)
· ند القمر دار الكرمل للنشر (عمّان- الأردن)
· المدثر دار شرقيات (القاهرة - مصر)
· مندل دار الكرمل (عمّان، الأردن)
· مس من الحب دار الحوار ( دمشق)
مجموعات قصصية
· خازوق دار صوت الخليج (الكويت)
· مزايدات لجنة مناصرة المقاومة اللبنانية (الشارقة)
· مطر في موسم البرتقال اتحاد كتاب وأدباء الإمارات
مجموعات شعرية
· ألفة متوحشة مؤسسة الاتحاد للصحافة والطباعة والنشر (أبوظبي)
· سيدة التعب دار الكرمل (عمّان - الأردن)
دراسات
· المرأة وقيثارة الكلمة دار الفنار (دمشق)
· الثقافة في الإمارات في ربع قرن (مؤسسة الاتحاد للصحافة والطباعة والنشر(أبوظبي)