الأحد، 20 يناير 2013

واقف بيني وبيني

واقفٌ .. بيني وبيني

أنور الخطيب

واقف .. بيني وبيني

بين جنوب ولادتي

أو ولادتي في أقاصى الجنوب

بين شمال الألم

أو ألم الشمال الذي لا يتوب،

يقول مرافقي في الـ ما بين بين:

"لا فرق في المفردات وأنت موزّعٌ

بين معانيك أو متاهات عريك،

وبين ما تركته نوايا أبيك،

بين ملامحك التي تبديك وسيماً

في خلوة تختلسها من غبار منفاك

وبين ملامحك التي توقظ الشك فيك

تقودك للسؤال العتيق:

"كيف جئتُ إلى هنا؟

أراني جميلا في المرايا

ويرونني كل ما يربك المارين

عند ارتداء الجحيم وجوه الصبايا"

...

واقف.. لا نية لي أن أرى

كيف كانت هيئتي قبل ستين هزيمة؛



كنت ما زلت نظرة حزينة

ترتدي تردُّدا في عينيّ أبي

ولا نية لي أن أكتبني

فوق صدر جنوبية لا ترى بي

سوى ما يراه نسيمٌ

حائرٌ فوق جلد البحر،

لكنني واقفٌ .. بيني وبيني،

وأنّا وقفت .. قريبا أو بعيدا

أكون بيني وبيني،

تلبّسني الشمال كلون عينيّ

تأبّطني الجنوب دون نية واضحة،

أحمل مرة عَلَمي ومرةً أخرى عَلَمي،

لِعِلمي أنني عَلمٌ لا عِلمَ لي

سوى ما علّمني، هذا الأحمر السهم

في ساحة القلب،

يبقى واقفا.. بيني وبيني،

وإن مال .. استعاد استقامته

من بياض دمي..

....

واقف .. بيني وبيني

لا أسمع شيئا سوى أنني

أرى صوت أبي هائما

على سور عكا..

وأسمع قلب فتاة يطفئ شمعة الميلاد،

صخور هنا، وقرية نائمة

في حضن سهل شقيّ،

يُضمر الشوق للعصافير الصغيرة،

وصخور هناك، وقرية لم تعرف النوم

منذ ميلاد المسيح،

تصرف ليلها في حياكة الضفيرة،

قال لي مرافقي للحدود: "جئت كثيرا هنا،

أعود في كل مرة أكثر عجزاً؛

شعري الأبيض يغزو..حتى حاجبيّ،

بصري يتقهقر نحو ضبابية الأشكال،

ماء مفاصلي يتبخّر، أمام عينيّ رُكبي،

قررت ألا أعودُ ثانية إلى الحدود،

لئلا تسيرُ عيناي أمامي ولا أبصرها،

لئلا يدحرجني الوقت في سلال الخطايا،

قال لي مرافقي يحرّضني على الموت:

لم لا تفعل مثلي،

حماية للوقت من عقاربه؟

قلتُ: بلى ولكن، ماذا سأفعل بالجنوب

لو اعتراه الشمال.؟ فقال:

العبْ مع الخيال:

حضّر صوت أبيك على نقالة الموتى

شيّعه ثانية كأنه الآن ودّعك،

وإذ تستهلكُ حزنكَ حضّر نظرة أمِّك

تلك التي شقّتك نصفين

قبل توحّدها بالردى،

وغلّفها بشهقة طرية طازجة،

وإذ تستهلكُ رحمك، تذكّر أخاك الطفل

وهو يغادر نار الشمال،

تتساقط منه براءته كلّ خطوة

حتى إذا استنشق المنفى صار ذئبا،

يرعى أسرة من وحوش أليفة،

سيكبر أفرادها ويصبحون؛ إما شاعرا

أو غريبا أو من صعاليك البنفسج

في قصور الراهبات..حتى الممات،

.....

واقف .. بيني وبيني

أتناسى وصايا مرافقي،

ينتابني الذئب والطفل والمسيح

والله والجنوب والشمال

تنتابني روح دمية مذبوحة

في بيت "صبرا"،

صراخ القبّرات في "قانا"

مسبحةٌ تسبّح الجرح وحدها

في "دير ياسين"..

يسكنني الشعر والنثر،

تضاريس الحبيبة

جغرافيا الأنبياء والأولياء

أنات عصافير مهزومة

ينتابني هذا الوقوف وحيدا،

بيني وبيني،

ينتابني مرافقي،

كبُر عشر سنين خلال وقوفي

هربت ملامحي إلى بصيرته

أضاعت ركبتاه مفاصله

توجه نحو الشمال وطار..

صار طيرا يرى ما لا أراه،

وبقيت واقفا..

بين بدايتي ومنتهاه

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق