الأحد، 20 يناير 2013

تجرحني وأكتبها

تجرحني وأكتبها..!


أنور الخطيب



لستِ امرأة

لأرفع قبعة النهار

كلما مررتِ في العتمة،

لستِ حبيبتي

كي أمرَّ ببيتكِ الياسميني

كلما ناوشَتني فكرة الموت

أو لامني قلبي..

لستِ طفلةً

كي أشتري ابتسامة منك

بقطعة حلوى..

لست أمي

لأغسل أصابع قدميك

وأوهمني بالجنة..

لستِ كأسَ نبيذ معتّق

أحتسيك كلما قرأت منفاي

أو كتبتُ نفيي..

لستِ إلهَة

كي أقدّم القرابين لعينيك

في عيد الزهور،

لست فكرة

تجرحني فأكتبها.. وأشفى..

لست قصيدةً

فأَغوي حروفها بالخيال

فتحضن معناي،

لستِ زوادةَ الغريب في طريق

ما له آخِر،

لستِ بيتا

أشتريه فأخلد للنوم

لست مأدبة ..

أدعو إليها الأصدقاء القدامى

ونشرب نخب الذاكرة

لستِ فاكهة الخطيئة

أمضغها فأتوب..

......

لو كنت كل هذا..

أو أي مفردة ممّا كتبتُ

لما كتبتْ..

واكتفيتُ بالتوّحش الأليف

في حدائق الفلاسفة..

أو رقصتُ مثل راعٍ لذئبة عطشى

وسهرتُ عمري كلّه

أعدّ ما استطعتُ من نجوم الليل

لأنثره في تفاصيل نهارك،

وشربت نبيذ الأرض

كي أرسم الهذيانَ في الأرض،

وقبّلت كل ما فيك قبلة واحدة

بطول وعيي،

ودخلت في النسيانْ،

لو كنتِ حلُما

لنمتُ عشر سنين كي أراك..

لو كنتِ غيمة

لنصبت كل فخاخي

واصطدت مسراك..

لو كنتِ قتيلة

لصلّيتُ لصاحب المعجزات

ابتهلتُ لربي..

كي يعجّل في القيامة،

لو كنتِ كل هذا

لما كنتُ هنا؛

أرسم موتي البطيء

على أرصفة الكلمات،

لو كنتِ كل هذا

لما كنت أنا أنا

واخترتُ أيّ مهنة لأسكب الوقت

على طاولات المقاهي العتيقة،

ورافقت الصعاليك في غزواتهم..

أنت لست كل هذا

ولست كل ذاك..

وتضجرني أسئلة..

يتلهّى بها المطمئنون:

- إلى أين تمضي بعد هذا المكان؟

فلا أجيب..

- وما الكتب التي ستقرؤ

في عمرك الباقي؟

فلا أجيب..

ليس لديّ ما يكفي من الحروف

كي أرصّها، وأحدّد معناك..

وليس في ذاكرتي مكان آوي إليه

بعد امتلاء خلاياي بالأسئلة،

بل ليس لي حبيبةٌ تحمل سرّك

كي أحضنها وأدّعي النبوّة..

لست نبيّاً..

كي تكوني في الأرض كل الأرض

وفي الجهات كل الجهات

وفي الموت كل الموت

وفي الحياة كل الحياة

وفي النساء كل النساء

وفي الرجال كل الرجال،

لستُ هذا..

ولستِ كلَّ ما تقدّم أو تأخر

من بلاهة الأسماء والأمكنة،

ولهذا، أسأل المستيقظين

عن طعم قهوتهم

في الصباح الكسول،

أحاديثهم لزوجاتهم

في المساء الخجول،

أسأل البحارة الفقراء

عن طعم الملح في بحارهم

أسأل الفلاحين عن حوار

بين سواعدهم والتراب

ولا يجيبني أحدٌ.. لكنهم يقولون:

"إنها بديهيةُ الحياة،

قد يجيبك الغرباء،

فهل أنت منهم..؟"

- "بلى، لكن ذاكرتي مقفلة..

- من أين أنت، ومن تكون؟

- مراهقُ باحث عن سبع سنابل

في سنبلة..

ونبيّ.. في مرحلة الحزن والأسئلة

......................







واقف بيني وبيني

واقفٌ .. بيني وبيني

أنور الخطيب

واقف .. بيني وبيني

بين جنوب ولادتي

أو ولادتي في أقاصى الجنوب

بين شمال الألم

أو ألم الشمال الذي لا يتوب،

يقول مرافقي في الـ ما بين بين:

"لا فرق في المفردات وأنت موزّعٌ

بين معانيك أو متاهات عريك،

وبين ما تركته نوايا أبيك،

بين ملامحك التي تبديك وسيماً

في خلوة تختلسها من غبار منفاك

وبين ملامحك التي توقظ الشك فيك

تقودك للسؤال العتيق:

"كيف جئتُ إلى هنا؟

أراني جميلا في المرايا

ويرونني كل ما يربك المارين

عند ارتداء الجحيم وجوه الصبايا"

...

واقف.. لا نية لي أن أرى

كيف كانت هيئتي قبل ستين هزيمة؛



كنت ما زلت نظرة حزينة

ترتدي تردُّدا في عينيّ أبي

ولا نية لي أن أكتبني

فوق صدر جنوبية لا ترى بي

سوى ما يراه نسيمٌ

حائرٌ فوق جلد البحر،

لكنني واقفٌ .. بيني وبيني،

وأنّا وقفت .. قريبا أو بعيدا

أكون بيني وبيني،

تلبّسني الشمال كلون عينيّ

تأبّطني الجنوب دون نية واضحة،

أحمل مرة عَلَمي ومرةً أخرى عَلَمي،

لِعِلمي أنني عَلمٌ لا عِلمَ لي

سوى ما علّمني، هذا الأحمر السهم

في ساحة القلب،

يبقى واقفا.. بيني وبيني،

وإن مال .. استعاد استقامته

من بياض دمي..

....

واقف .. بيني وبيني

لا أسمع شيئا سوى أنني

أرى صوت أبي هائما

على سور عكا..

وأسمع قلب فتاة يطفئ شمعة الميلاد،

صخور هنا، وقرية نائمة

في حضن سهل شقيّ،

يُضمر الشوق للعصافير الصغيرة،

وصخور هناك، وقرية لم تعرف النوم

منذ ميلاد المسيح،

تصرف ليلها في حياكة الضفيرة،

قال لي مرافقي للحدود: "جئت كثيرا هنا،

أعود في كل مرة أكثر عجزاً؛

شعري الأبيض يغزو..حتى حاجبيّ،

بصري يتقهقر نحو ضبابية الأشكال،

ماء مفاصلي يتبخّر، أمام عينيّ رُكبي،

قررت ألا أعودُ ثانية إلى الحدود،

لئلا تسيرُ عيناي أمامي ولا أبصرها،

لئلا يدحرجني الوقت في سلال الخطايا،

قال لي مرافقي يحرّضني على الموت:

لم لا تفعل مثلي،

حماية للوقت من عقاربه؟

قلتُ: بلى ولكن، ماذا سأفعل بالجنوب

لو اعتراه الشمال.؟ فقال:

العبْ مع الخيال:

حضّر صوت أبيك على نقالة الموتى

شيّعه ثانية كأنه الآن ودّعك،

وإذ تستهلكُ حزنكَ حضّر نظرة أمِّك

تلك التي شقّتك نصفين

قبل توحّدها بالردى،

وغلّفها بشهقة طرية طازجة،

وإذ تستهلكُ رحمك، تذكّر أخاك الطفل

وهو يغادر نار الشمال،

تتساقط منه براءته كلّ خطوة

حتى إذا استنشق المنفى صار ذئبا،

يرعى أسرة من وحوش أليفة،

سيكبر أفرادها ويصبحون؛ إما شاعرا

أو غريبا أو من صعاليك البنفسج

في قصور الراهبات..حتى الممات،

.....

واقف .. بيني وبيني

أتناسى وصايا مرافقي،

ينتابني الذئب والطفل والمسيح

والله والجنوب والشمال

تنتابني روح دمية مذبوحة

في بيت "صبرا"،

صراخ القبّرات في "قانا"

مسبحةٌ تسبّح الجرح وحدها

في "دير ياسين"..

يسكنني الشعر والنثر،

تضاريس الحبيبة

جغرافيا الأنبياء والأولياء

أنات عصافير مهزومة

ينتابني هذا الوقوف وحيدا،

بيني وبيني،

ينتابني مرافقي،

كبُر عشر سنين خلال وقوفي

هربت ملامحي إلى بصيرته

أضاعت ركبتاه مفاصله

توجه نحو الشمال وطار..

صار طيرا يرى ما لا أراه،

وبقيت واقفا..

بين بدايتي ومنتهاه